كتاب واراء

العلاقات العراقية اللبنانية… أخوّة تاريخية وشراكة لمستقبل البلدين

 

 

من حفاوة بغداد بالعلامة الشيخ علي الخطيب إلى تعزيز التعاون والدعم المتبادل

 

تتجاوز العلاقات العراقية اللبنانية حدود الروابط الدبلوماسية التقليدية، فهي علاقة تاريخية وإنسانية وثقافية وروحية، عززتها على مدى عقود صلات الشعبين ومصالحهما المشتركة، ورسّختها مواقف التضامن والتعاون في مواجهة الأزمات والتحديات الإقليمية.

وفي ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان، وما يشهده من اعتداءات إسرائيلية وخسائر بشرية ومادية وضغوط اقتصادية، تبرز أهمية تعزيز التواصل مع العراق، بما يمتلكه من إمكانات اقتصادية ومكانة عربية وإقليمية، وبما عبّر عنه مراراً من حرص على استقرار لبنان ومساندة شعبه.

وفي هذا السياق، يكتسب استقبال نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، العلامة الشيخ علي الخطيب، للسفير العراقي الجديد في لبنان، محمد رضا الحسيني، في مقر المجلس بالحازمية، أهمية تتجاوز طابع الزيارة التعارفي. فقد شكّل اللقاء مناسبة للتداول في تطورات الأوضاع في لبنان والعراق والمنطقة، واستعراض التحديات الراهنة وآفاق التعاون بين البلدين.

ورحّب العلامة الخطيب بالسفير العراقي، متمنياً للعراق السلام والاستقرار، ومؤكداً أهمية دوره العربي بقوله: «إننا نتمنى للعراق السلام والاستقرار، فالعراق قلب العرب»، سائلاً الله أن يعين الشعب العراقي بجميع مكوناته على تخطي الصعاب.

من جهته، أكد السفير الحسيني حرص العراق على لبنان، واستمع إلى عرض العلامة الخطيب للأوضاع اللبنانية في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي، وما خلّفه من أضرار وخسائر مادية، فضلاً عن الضغوط التي تطال البلاد في أكثر من مجال، والحاجة إلى دعم مالي يساعد اللبنانيين على تجاوز هذه المرحلة.

ويأتي هذا اللقاء امتداداً لمسار من التواصل السياسي والديني بين العلامة الخطيب والقيادات العراقية، يعكس عمق الروابط بين البلدين، ويفتح المجال أمام تحويل التضامن المتبادل إلى تعاون عملي ومستدام.

لقاءات بغداد… حفاوة رسمية وانفتاح على مختلف القيادات

شكّلت زيارة العلامة الشيخ علي الخطيب إلى العراق في كانون الثاني 2024 محطة بارزة في مسار العلاقات اللبنانية العراقية، إذ أجرى خلالها سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين والشخصيات السياسية، في مقدمتها رئيس مجلس الوزراء العراقي آنذاك، السيد محمد شياع السوداني، ورئيس مجلس النواب بالوكالة آنذاك، السيد محسن المندلاوي.

كما التقى رؤساء الحكومات العراقية السابقين حيدر العبادي وعادل عبد المهدي ونوري المالكي، إلى جانب شخصيات وقيادات سياسية بارزة، من بينها السيد هادي العامري، فضلاً عن لقاءات أخرى مع فعاليات سياسية واجتماعية.

وعكست هذه اللقاءات حفاوة الاستقبال والاهتمام الذي حظيت به الزيارة، وأتاحت للعلامة الخطيب عرض الأوضاع اللبنانية والتحديات التي يواجهها لبنان، وبحث التطورات الإقليمية، ولا سيما الاعتداءات الإسرائيلية والحرب على غزة، والتأكيد على ضرورة التضامن العربي والإسلامي في مواجهة المخاطر التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها.

وتبرز أهمية هذه المحطة في اتساع دائرة اللقاءات لتشمل مسؤولين وقيادات من مواقع سياسية متعددة، بما يعزز فرص بناء علاقات متوازنة لا ترتبط بجهة واحدة، بل تستند إلى التواصل مع مؤسسات الدولة العراقية ومختلف فعالياتها.

كما تناولت المباحثات قضايا عملية تمس حياة المواطنين، من بينها التعاون الاقتصادي والطاقة وتسهيل حركة الصادرات اللبنانية إلى السوق العراقية، فضلاً عن الملفات التعليمية، بما يؤكد أن تطوير العلاقات الثنائية يتطلب الجمع بين التنسيق السياسي والمصالح الاقتصادية والإنسانية.

النجف الأشرف… امتداد روحي وإنساني للعلاقات

لم تقتصر زيارة العلامة الخطيب على اللقاءات السياسية في بغداد، بل شملت النجف الأشرف، حيث التقى المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني في 26 كانون الثاني 2024.

وشكّل اللقاء محطة مهمة في التواصل الديني والإنساني بين لبنان والعراق، إذ عرض العلامة الخطيب الأوضاع في لبنان والدور الوطني الذي يضطلع به المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، في تعزيز الوحدة الوطنية ومساندة المحتاجين، كما عبّر عن تقديره للاهتمام بشؤون لبنان والمنطقة.

وتعكس هذه الزيارة عمق الروابط العلمية والروحية التي تجمع النجف بالمؤسسات الدينية والثقافية في لبنان، وهي روابط تتجاوز الاعتبارات السياسية الآنية، وتؤسس لمساحات أوسع من الحوار والتعاون والتفاهم بين المجتمعات.

ومن شأن تعزيز هذه الصلات أن يسهم في دعم الاستقرار الاجتماعي، وتشجيع الحوار بين المكونات المختلفة، وترسيخ دور المؤسسات الدينية في خدمة الإنسان وتخفيف آثار الأزمات.

لقاء رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي… متابعة الأوضاع اللبنانية

وفي 31 آب 2026، شهدت زيارة جديدة للعلامة الشيخ علي الخطيب إلى بغداد محطة مهمة، تمثلت في استقباله من قبل رئيس مجلس الوزراء العراقي السيد علي الزيدي في مقر رئاسة الوزراء.

وخلال اللقاء، عرض العلامة الخطيب الأوضاع اللبنانية، ولا سيما ما يعانيه الجنوب من اعتداءات إسرائيلية وتهجير وخسائر مادية، وسلّم رئيس الحكومة مذكرة تتضمن بيانات حول الواقع اللبناني واحتياجاته.

كما أعرب عن تقديره للمساعدات التي يقدمها العراق إلى لبنان، حكومةً وشعباً، فيما أكد رئيس الوزراء العراقي استمرار استعداد بلاده لتقديم المساعدة، وبحث الجهود الممكنة لمساندة لبنان في مواجهة التحديات الراهنة.

وتكمن أهمية هذا اللقاء في أنه أتاح طرح الاحتياجات اللبنانية بصورة مباشرة أمام القيادة التنفيذية العراقية، بما يعزز فرص متابعة الملفات الإنسانية والاقتصادية ضمن قنوات رسمية.

كما تؤكد هذه المحطة أهمية استمرارية التواصل بين المؤسسات، بحيث لا تبقى المواقف الداعمة في إطار التصريحات، بل تتحول إلى برامج قابلة للتنفيذ، تستجيب للاحتياجات الفعلية وتراعي الإمكانات المتاحة لدى البلدين.

من التضامن إلى الشراكة الاقتصادية

إن العلاقات العراقية اللبنانية تمتلك مقومات تؤهلها لتجاوز مرحلة التضامن السياسي عند الأزمات، والانتقال إلى تعاون اقتصادي وتنموي أوسع، يقوم على المصالح المتبادلة ويحقق منفعة ملموسة للشعبين.

فالعراق يمتلك موارد طبيعية وسوقاً واسعة وإمكانات استثمارية مهمة، فيما يتمتع لبنان بخبرات في مجالات التعليم والطب والخدمات والتجارة والقطاع المهني. ويمكن لهذا التكامل أن يشكل قاعدة لتطوير التعاون في عدد من المجالات، أبرزها:

الطاقة: مواصلة تطوير التعاون القائم وفق الاتفاقات والأطر القانونية المعتمدة، بما يساعد لبنان على تعزيز أمنه الطاقوي.

التجارة والاستثمار: تسهيل حركة الصادرات اللبنانية إلى العراق، وتشجيع الشراكات بين المؤسسات والشركات في البلدين.

التعليم والبحث العلمي: توسيع التعاون الجامعي وتبادل الخبرات، وتعزيز الروابط بين المؤسسات الأكاديمية.

الصحة والعمل الإنساني: تطوير مبادرات مشتركة لمساندة المتضررين من الحروب والأزمات، والاستفادة من الخبرات والإمكانات المتاحة.

التنسيق السياسي والدبلوماسي: استمرار التشاور بشأن القضايا العربية والإقليمية، بما يحفظ سيادة الدول ويدعم استقرارها.

ويتطلب تحقيق هذه الأهداف آليات متابعة واضحة، وتنسيقاً بين الجهات الرسمية والاقتصادية والتعليمية المعنية، حتى تتحول اللقاءات إلى نتائج عملية ومستدامة.

فالعلاقة الناجحة لا تُقاس بعدد الاجتماعات وحده، بل بقدرتها على إيجاد فرص للتعاون، وتخفيف الأعباء عن المواطنين، وتعزيز قدرة المؤسسات على مواجهة التحديات.

العراق ولبنان… مصالح مشتركة ومسؤولية متبادلة

يحتاج لبنان، في ظل الاعتداءات الإسرائيلية والأزمة الاقتصادية وتداعيات التهجير والدمار، إلى توسيع علاقاته العربية وتعزيز التعاون مع الدول الشقيقة، بما يحفظ سيادته ويخدم مصالح شعبه.

وفي المقابل، فإن استقرار العراق وازدهاره وتعزيز وحدته الوطنية تمثل مصالح عربية مشتركة، بالنظر إلى دوره السياسي والاقتصادي ومكانته الإقليمية.

ومن هنا، فإن العلاقة بين بغداد وبيروت ينبغي أن تقوم على التوازن والاحترام المتبادل، وألا تقتصر على طلب المساعدة في أوقات الشدة، بل أن تتطور إلى شراكة يتبادل فيها الطرفان الخبرات والإمكانات، ويتعاونان في المجالات التي تحقق المنفعة المشتركة.

وتبرز لقاءات العلامة الشيخ علي الخطيب في العراق أهمية التواصل بين المؤسسات الدينية والوطنية والقيادات السياسية، بوصفه رافداً للعمل الدبلوماسي الرسمي، وقناة لعرض القضايا الإنسانية والوطنية وتعزيز الثقة بين الجانبين.

كما أن استقباله السفير العراقي في لبنان يؤكد أهمية استمرار هذه القنوات، ومتابعة الملفات التي تهم البلدين من خلال الحوار المباشر والتنسيق المؤسسي.

خاتمة: من عمق التاريخ إلى شراكة المستقبل

إن الحفاوة التي حظي بها العلامة الشيخ علي الخطيب خلال لقاءاته في بغداد والنجف، واستقباله من قبل رئيس مجلس الوزراء العراقي والقيادات السياسية والمرجعية الدينية، إلى جانب التواصل المستمر مع السفارة العراقية في لبنان، تشكل محطات مهمة في مسار العلاقات بين البلدين، وتؤكد وجود أرضية تاريخية وإنسانية وسياسية يمكن البناء عليها لتعزيز التعاون.

غير أن قيمة هذه اللقاءات تبقى مرتبطة بقدرتها على ترجمة التفاهم والتضامن إلى خطوات عملية، سواء في دعم لبنان خلال محنته الراهنة، أو في تطوير التعاون الاقتصادي والتعليمي والصحي، أو في تنسيق المواقف تجاه القضايا التي تمس أمن المنطقة واستقرارها.

إن المطلوب اليوم هو بناء شراكة عراقية لبنانية مستدامة، تقوم على احترام سيادة الدولتين، وتعزيز دور مؤسساتهما، وتكامل إمكاناتهما، ووضع احتياجات الشعبين في صدارة الأولويات.

فالعراق، بما يمثله من ثقل عربي وإمكانات اقتصادية، ولبنان، بما يمتلكه من طاقات بشرية وخبرات علمية ومهنية، قادران على تحويل إرث الأخوّة التاريخية إلى تعاون فعلي يخدم التنمية والاستقرار والكرامة الإنسانية.

وبين بغداد وبيروت، تبقى الرسالة الأهم أن التضامن الحقيقي لا يتوقف عند المواقف واللقاءات، بل يترسخ حين يتحول إلى إنجازات ملموسة، وشراكة متوازنة، ومستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للشعبين الشقيقين.

 

 

سعيد فارس السعيد

كاتب باحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني

صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام

 


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي