كتاب واراء

لبنان أولاً… تجنيب البلاد الحرب وحماية السيادة مسؤولية وطنية

 

 

كتب سعيد فارس السعيد

 

إن ما نقلته صحيفة «الشرق الأوسط»، إذا صحّ، عن إبلاغ حزب الله الرئيس نبيه بري بأنه لن يتدخل إسناداً لإيران في حال اندلاع حرب، على أساس أن إيران قوية وليست بحاجة إلى إسناد أحد، وكذلك ما نُقل عن تأكيد نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زادة أن طهران لن تطلب من الحزب التدخل، يفتح باباً مهماً للنقاش حول أولوية حماية لبنان وتجنيبه الانجرار إلى مواجهة إقليمية جديدة.

وإذ يبقى هذا الموقف في إطار ما أوردته التقارير الإعلامية، فإن تأكده من شأنه أن يطرح تساؤلات جدية حول كيفية تحصين لبنان من تداعيات الصراعات الإقليمية، وتقديم المصلحة الوطنية وسلامة اللبنانيين على أي اعتبارات أخرى.

فلبنان، الذي لا يزال يعاني آثار الحروب والدمار والنزوح والأزمة الاقتصادية، ليس بحاجة إلى حرب جديدة تستنزف شعبه وتدمّر ما تبقّى من مقومات صموده. ومن حق اللبنانيين أن يتطلعوا إلى مرحلة تتقدم فيها سلامة الناس واستقرار البلاد، وأن تُحل الخلافات عبر حوار وطني جامع يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

فإذا تأكد هذا الموقف، فإن دلالته الأساسية تكمن في إدراك خطورة الزجّ بلبنان في حرب لا يملك وحده تحديد مسارها أو نتائجها، ولا يستطيع شعبه تحمّل أعبائها المفتوحة.

إن التضامن مع أي دولة أو شعب لا يعني بالضرورة توسيع الحرب، كما أن العلاقات السياسية والاستراتيجية لا ينبغي أن تلغي حق لبنان في حماية سيادته ومصالحه الوطنية وصون أرواح أبنائه.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية دور رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وكل المؤسسات الدستورية والقوى السياسية اللبنانية، في تثبيت أولوية المصلحة الوطنية، وتحصين الموقف اللبناني، والعمل على منع اتساع المواجهة.

لكن تجنيب لبنان الحرب لا يعني التنازل عن حقه المشروع في الدفاع عن أرضه وشعبه وسيادته. فمن حق لبنان، وفقاً للقانون الدولي، الدفاع عن نفسه في مواجهة الاعتداءات، وحماية مواطنيه وأراضيه، واتخاذ ما يلزم لصون سيادته ضمن الأطر القانونية.

ولا يجوز أن يتحوّل السعي إلى الاستقرار إلى غطاء لاستمرار الاعتداءات الإسرائيلية أو فرض وقائع بالقوة على الأرض اللبنانية.

إن المطلوب هو الوقف الفوري للعدوان الإسرائيلي، والانسحاب الفوري والكامل من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة في جنوب لبنان، وإنهاء الاحتلال والتوغلات، ووقف جميع الاعتداءات والخروقات البرية والجوية والبحرية، واحترام سيادة الجمهورية اللبنانية وحدودها المعترف بها دولياً. فهذه شروط أساسية لحماية المدنيين، وضمان عودة النازحين الآمنة إلى قراهم وبلداتهم، وتمكين الدولة اللبنانية من بسط سلطتها على كامل أراضيها، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وترسيخ الأمن والاستقرار في لبنان.

كما أن تجنيب لبنان الحرب لا يمكن أن يتحقق بموقف طرف واحد فقط؛ فالمسؤولية تشمل العمل على حماية المدنيين، وضمان عودة النازحين، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، بما يعيد الحياة إلى الجنوب وسائر المناطق المتضررة.

وأي نقاش حول مستقبل السلاح والاستراتيجية الدفاعية يجب أن ينطلق من حوار وطني جاد ومسؤول، يهدف إلى حماية لبنان وتعزيز قدرة الدولة والجيش على الدفاع عن الأرض، بعيداً عن منطق الإملاء أو الاستقواء أو التخوين المتبادل.

لبنان ليس تفصيلاً في حسابات الآخرين، وشعبه ليس وقوداً لحروب المنطقة. ومن حق اللبنانيين أن تكون المصلحة الوطنية أساس قرارات الحرب والسلم، وأن تتولى الدولة مسؤولية حماية البلاد، بالتوازي مع صون حقها المشروع في الدفاع عن أرضها وشعبها.

والعبرة ليست في إعلان عدم التدخل وحده، بل في تحويله إلى فرصة حقيقية لحماية لبنان، ودعم الجيش، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وفتح الطريق أمام حوار وطني مسؤول يضع مصلحة اللبنانيين فوق الحسابات الإقليمية.

فلبنان أولاً ليس شعاراً سياسياً، بل التزام بحماية الشعب والأرض والسيادة. ومن يريد السلام للبنان، عليه أن يرفض جرّه إلى الحروب، كما عليه أن يرفض استمرار العدوان والاحتلال. فلا سلام مع انتهاك السيادة، ولا استقرار مع استباحة الأرض، ولا دولة قوية من دون القدرة على حماية مواطنيها.

المطلوب هو تثبيت الأمن والاستقرار بقرار وطني مسؤول، يحفظ كرامة اللبنانيين، ويصون وحدة البلاد، ويعزز قدرة الدولة على حماية شعبها وأرضها، بعيداً عن تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

 

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

 

"صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام"

25 تشرين الأول/أكتوبر 2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي