كتاب واراء

سوريا فوق برميل بارود…مَن يرسم حدود الدولة الجديدة من الجولان إلى السويداء؟

 

 

بقلم: أمين السكافي.                   

 

لم تسقط سوريا بسقوط بشار الأسد في كانون الأول 2024، بل دخلت مرحلة جديدة من الصراع على هويتها وقرارها وسيادتها. فالدولة التي أنهكتها أربعة عشر عاماً من الحرب، وتوزعت أرضها بين جيوش أجنبية وفصائل مسلحة وقوى محلية، وجدت نفسها أمام سلطة جديدة يقودها أحمد الشرع، الذي انتقل من قيادة هيئة تحرير الشام إلى رئاسة المرحلة الانتقالية. لكن إسقاط النظام السابق كان أسهل من بناء الدولة التي ستخلفه؛ فكيف يمكن توحيد بلد تتنازع أطرافه المصالح الإقليمية، فيما ينتظر مواطنوه الكهرباء والخبز والماء والأمان؟

 

من هيئة تحرير الشام إلى رئاسة الدولة

 

وصل أحمد الشرع إلى السلطة بعد الهجوم الذي قادته فصائل المعارضة وأطاح نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024. وكان الشرع قد قاد هيئة تحرير الشام، التنظيم الذي نشأ من جبهة النصرة، المرتبطة سابقاً بتنظيم القاعدة قبل إعلان فك الارتباط به، ثم تطور إلى قوة عسكرية وإدارية مهيمنة في إدلب.

 

وفي كانون الثاني 2025 أُعلن الشرع رئيساً انتقالياً، ثم صدر إعلان دستوري في آذار من العام نفسه لتنظيم المرحلة الانتقالية.

 

غير أن انتقال قائد فصيل إسلامي إلى رئاسة الدولة لا يعني تلقائياً تحول الفصيل إلى مؤسسة وطنية خاضعة للقانون. فالتحدي الحقيقي هو بناء جيش واحد، وقضاء مستقل، وإدارة لا تقوم على الولاء الشخصي أو الفصائلي، ودولة تتسع لجميع السوريين، من دون تمييز بين مذهب وآخر أو قومية وأخرى.

 

لقد أحرزت السلطة الجديدة تقدماً في توسيع سيطرتها وفتح أبواب العلاقات الخارجية، لكن دمج الفصائل المسلحة وتوحيد المؤسسات ظلا تحديين أساسيين. كما بقيت أسئلة جوهرية حول توزيع السلطة، وضمان الحريات، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ومدى قدرة المؤسسات الجديدة على ضبط جميع التشكيلات التابعة لها.

 

المواطن السوري: تغيّر الحاكم ولم تنتهِ المعاناة

 

هنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً. فقد استعاد السوريون الأمل بسقوط نظام ارتبط اسمه بالقمع والاعتقال والدمار، لكن الأمل السياسي لم يتحول بعد إلى حياة طبيعية لملايين المواطنين.

 

وفق المفوضية الأوروبية، يحتاج نحو 15.6 مليون سوري إلى المساعدة الإنسانية خلال عام 2026، فيما لا يزال نحو 1.2 مليون نازح داخلياً يعيشون في المخيمات والتجمعات المشابهة لها. ويواجه العائدون إلى مدنهم وقراهم دمار المساكن والبنية التحتية وضعف الخدمات الأساسية.

 

أما الخدمات التي يحتاج إليها المواطن يومياً، فتشمل الكهرباء ومياه الشرب والصرف الصحي والرعاية الصحية والتعليم والخبز وفرص العمل والسكن الآمن. ولا تتوافر هذه الخدمات بصورة منتظمة ومتساوية في جميع المناطق؛ إذ تختلف الأوضاع بين المدن والأرياف، وبين المناطق الأكثر استقراراً والمناطق التي شهدت معارك أو نزوحاً واسعاً.

 

ويزيد انهيار القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص العمل، من صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية. كما أن تضرر المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء يجعل التعافي أبطأ من أن يواكب تطلعات الناس.

 

ولا يكفي فتح الأسواق أو عودة بعض اللاجئين لإعلان التعافي. فالمعيار الحقيقي هو قدرة الأسرة السورية على تأمين الغذاء والعلاج والتعليم والمسكن، من دون أن تبقى رهينة المساعدات أو التحويلات المالية أو المحسوبيات.

 

الانتهاكات: الاختبار الأخطر للسلطة الجديدة

 

لا يمكن بناء سوريا مستقرة إذا استُبدل خوف المواطنين من أجهزة النظام السابق بخوفهم من الفصائل المسلحة أو الانتقام الطائفي.

 

في آذار 2025 شهد الساحل السوري أعمال عنف دامية استهدفت مدنيين، معظمهم من الطائفة العلوية، وسط اشتباكات بين قوات موالية للحكومة ومسلحين مرتبطين بالنظام السابق. وأفادت تقارير حقوقية بمقتل أكثر من 1400 شخص، معظمهم من المدنيين، في انتهاكات نُسب بعضها إلى قوات حكومية ومجموعات متحالفة معها.

 

وفي تموز 2025 انفجرت المواجهات في السويداء بين مجموعات درزية ومسلحين من العشائر البدوية، قبل تدخل القوات الحكومية ووقوع انتهاكات خطيرة من أطراف متعددة. وقد وثقت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة عمليات قتل وإعدام وتعذيب وحرق للمنازل، وأشارت إلى أن بعض الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

 

هذه الوقائع لا تعني أن جميع المنتمين إلى السلطة الجديدة مسؤولون عن الجرائم، لكنها تفرض عليها مسؤولية لا يمكن التهرب منها: التحقيق المستقل، ومحاسبة المسؤولين، ومنع تكرار الانتهاكات، وضمان عدم الإفلات من العقاب.

 

فالدولة لا تُقاس بقدرتها على إخضاع خصومها فقط، بل بقدرتها على حماية مواطنيها عندما يكون الضحايا من جماعات تختلف مع السلطة سياسياً أو دينياً.

 

مَن يوجد على الأرض السورية؟

 

لا تزال سوريا ساحة تتداخل فيها قوى محلية وأجنبية، وإن تغيرت خريطة السيطرة منذ سقوط الأسد.

 

إسرائيل: وسّعت وجودها العسكري في منطقة الفصل بالجولان بعد سقوط النظام السابق، ونفذت توغلات وعمليات داخل محافظتي القنيطرة ودرعا. وتقول إنها تتحرك لمنع تهديدات أمنية، بينما تعتبر دمشق ذلك انتهاكاً لسيادتها وخرقاً لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

 

تركيا: تتمتع بنفوذ عسكري وسياسي في الشمال السوري، وترتبط بعلاقات وثيقة مع فصائل سورية كانت تعمل ضمن تشكيلات مدعومة منها. ويتمثل أحد أبرز ملفاتها في مستقبل القوات الكردية وعلاقتها بالدولة السورية الجديدة.

 

الولايات المتحدة: احتفظت بوجود عسكري في سوريا ضمن مهمتها المرتبطة بمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، وبعلاقات مع القوات الكردية التي شاركت في قتال التنظيم. وقد دخل مستقبل هذا الوجود في مرحلة جديدة مع التقدم في اتفاق دمج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة.

 

روسيا: ارتبط وجودها العسكري تاريخياً بدعم نظام الأسد، ولا يزال مستقبل نفوذها وقواعدها العسكرية موضع تفاوض وتغير بعد سقوط حليفها السابق.

 

القوات الكردية: توصلت الحكومة الانتقالية إلى تفاهمات لدمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية في الدولة. لكن التنفيذ يواجه خلافات بشأن القيادة العسكرية والحقوق الثقافية والإدارية ومستقبل المؤسسات المحلية.

 

إلى جانب هذه القوى، لا يزال تنظيم الدولة الإسلامية يمثل تهديداً أمنياً، فيما تسعى الحكومة إلى إخضاع الفصائل السورية المختلفة لقيادة عسكرية موحدة. وهكذا، فإن السيادة السورية ليست مجرد قضية حدود معترف بها دولياً، بل قضية قدرة فعلية على ضبط الأرض والسلاح والقرار.

 

إسرائيل والشرع: مفاوضات تحت ظلال الاحتلال

 

اختارت دمشق الجديدة تجنب المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل، واتجهت إلى الاتصالات والوساطات بحثاً عن ترتيبات أمنية تخفف التصعيد.

 

لكن هذه المقاربة لم تمنع استمرار التوغلات الإسرائيلية والضربات العسكرية. وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2026، طالب الشرع بانسحاب إسرائيل إلى خطوط 8 كانون الأول 2024، وأكد تمسك دمشق بوحدة الأراضي السورية وباتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

 

المشكلة أن إسرائيل لا تنظر إلى الجنوب السوري باعتباره ملف حدود فحسب، بل باعتباره جزءاً من حساباتها الأمنية والإقليمية. وهي تعلن رغبتها في منع وجود قوات تعتبرها معادية قرب الجولان، بينما ترى دمشق أن استمرار الاحتلال والتوغلات يقوضان سيادة الدولة ويضعفان قدرتها على فرض سلطتها.

 

وهنا يواجه الشرع معادلة دقيقة: كيف يتجنب حرباً جديدة لا تملك سوريا المنهكة مقوماتها، من دون أن يتحول تجنب الحرب إلى قبول دائم بالأمر الواقع الإسرائيلي؟

 

الخاتمة: أي سوريا ستولد من بين الركام؟

 

إن سوريا الجديدة تقف أمام ثلاثة اختبارات مترابطة: بناء دولة لا تحكمها الفصائل، واستعادة حياة المواطن وكرامته، واسترجاع السيادة على أرض تتنازعها التدخلات الخارجية.

 

قد تنجح السلطة في توسيع علاقاتها الدولية وجذب الاستثمارات، لكن ذلك لن يكفي إذا بقي المواطن عاجزاً عن تأمين احتياجاته، أو بقيت الأقليات تخشى الانتقام، أو ظلت أجزاء من البلاد خارج السيطرة الفعلية للدولة.

 

فلا يمكن بناء وطن موحد بالقوة وحدها، ولا تحقيق الاستقرار بتجاهل المظالم، ولا استعادة السيادة بمجرد رفع العلم فوق المؤسسات.

 

سوريا لا تحتاج إلى تغيير الحاكم فحسب؛ إنها تحتاج إلى تغيير معنى الحكم نفسه: من سلطة تفرض إرادتها على الناس، إلى دولة تحميهم، ومن أرض تتقاسمها القوى، إلى وطن يقرر أبناؤه مصيره.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي