كتاب واراء

رقصة العناكب في إسطنبول: هل تحول أردوغان إلى العراب الخفي بين دمشق وحزب الله تحت مظلة واشنطن؟

 

أشرف التهامي.

 

في لعبة الأمم الحذرة، لا توجد تسريبات مجانية، ولا تُبنى خطوط التماس المغلقة لمجرد الصدفة! حين تتحرك الدبلوماسية التركية في العتمة بين دمشق وبيروت، وتهمس خيوط الاستخبارات في أنقرة مع الأطراف التي خاضت أشرس الحروب، يتأكد للعالم أن خريطة النفوذ في المشرق العربي تُعاد صياغتها بريشة العثماني الجديد.

رغم عاصفة النفي الصادرة من وزارة الإعلام السورية ومن أروقة الرئاسة التركية، تتواتر التقارير والوقائع الميدانية لتكشف عن "هندسة أمنية" دقيقة يقودها رجب طيب أردوغان.

إنها حكاية القنوات الخلفية واللقاءات غير المعلنة — بدءاً من تسريبات وكالة "رويترز" حول اجتماعات إسطنبول السرية، وصولاً إلى محادثات مجمع "البيت التركي" بخلية نيويورك.

فبين تهديدات واشنطن ومخاوف الانفجار الكبير، تقف أنقرة اليوم في منطقة الظل، لتحوك بذكاء أوراق لعب جديدة ترسم من خلالها مستقبل ما بعد "اليونيفيل"، وتتحول من خصم الأمس إلى الوسيط الحذر وممسك مفاتيح اللعبة الإقليمية.

فعلى مدى الشهر الماضي، ظهرت مؤشرات عدة توحي بأن تركيا ترسخ مكانتها كوسيط وفاعل مؤثر بين نظام "الشرع" في دمشق، وحزب الله، والحكومة اللبنانية في بيروت، بالتزامن مع تعزيز دورها كطرف فاعل وملموس في البنية التحتية على الأراضي السورية.

وفي الأول من أكتوبر 2026، أفادت وكالة "رويترز" بأن ممثلين عن الحكومة السورية وحزب الله عقدوا اجتماعاً مباشراً واحداً على الأقل في تركيا خلال الشهر الذي سبق نشر التقرير.

واستندت الوكالة في معلوماتها إلى مصادر شملت مسؤولين سوريين، ومسؤولاً أمريكياً، ومصدراً أمنياً لبنانياً رفيعاً مقرباً من حزب الله. ووفقاً للتقرير، ضمت قائمة المشاركين السوريين مسؤولين من أجهزة الاستخبارات ووزارة الخارجية، وقد عُقد الاجتماع بدعوة من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التركية بهدف تخفيف التوترات بين الطرفين.

يُذكر أن حزب الله و"هيئة تحرير الشام" -التي كان يتزعمها أحمد الشرع- خاضا مواجهات لسنوات خلال الحرب الأهلية السورية، وذلك قبل وصول قوات الشرع إلى السلطة في ديسمبر 2024.

الرد السوري.

وبحسب أحد المسؤولين السوريين، اتفق الطرفان على عدم وجود عداء متبادل بينهما، كما أكدت دمشق لحزب الله أنها لن تتدخل عسكرياً في لبنان لنزع سلاحه ،ومع ذلك، أشارت المصادر إلى أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، وأن الأطراف لم تكن تنوي الإعلان عن الاجتماع للعلن.

وعقب نشر التقرير، نفت وزارة الإعلام السورية حدوث الاجتماع، حيث ذكرت في منشور على منصة "إكس":

"هذه الادعاءات كاذبة، ولم يعقد أي اجتماع من هذا القبيل".

الرد التركي.

كما نفت دائرة الاتصال في الرئاسة التركية -عبر مركز مكافحة التضليل التابع لها- ما ورد في التقرير، واصفة إياه بأنه "لا أساس له من الصحة تماماً"، ومؤكدة أن المزاعم المتعلقة بتوقيت الاجتماع ومكانه ومضمونه والمشاركين فيه "لا تمت للواقع بصلة، وهي مختلقة بالكامل ومبنية على التكهنات".

رد حزب الله.

أما حزب الله، فلم يؤكد التقرير أو ينفه، ولم يصدر أي رد من جهازه الإعلامي ، وبناءً عليه، ينبغي التعامل مع أنباء هذا الاجتماع باعتبارها معلومات لم يتم تأكيدها من مصادر مستقلة.

الرد اللبناني.

أشار تقرير آخر لصحيفة "الشرق الأوسط"، التي تتخذ من لندن مقراً لها، نقلاً عن مصادر لبنانية، إلى أن الاجتماع الذي تحدثت عنه وكالة "رويترز" كان في الواقع الثاني من نوعه؛ إذ سبق ذلك "تواصل أولي لكسر الجليد" في إسطنبول خلال شهر ديسمبر 2025، على هامش مؤتمر "عهد من أجل القدس" الذي استضافته تركيا ، وقد حضر المؤتمر وفد من "حزب الله" برئاسة عمار الموسوي، المسؤول عن العلاقات العربية والدولية في الحزب.

وتؤكد تقارير تعود إلى ديسمبر 2025 حضور الموسوي للمؤتمر، لكنها لا تشير إلى حدوث تواصل مع الجانب السوري، وذكر موقع "نهار نت" اللبناني أن الموسوي زار تركيا في 6 و7 ديسمبر 2025 على رأس وفد للمشاركة في مؤتمر حول القدس، وأن أنقرة قامت بعد ذلك بالوساطة لترتيب زيارة سرية له إلى المملكة العربية السعودية.

وفي 21 سبتمبر 2026، التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في نيويورك، داخل مجمع "البيت التركي" (Türkevi) المقابل لمقر الأمم المتحدة.

ووفقاً لبيان صادر عن دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، أكد أردوغان أن تركيا تعمل على إرساء سلام واستقرار دائمين في لبنان، وشدد على ضرورة إطلاق مبادرة دولية بديلة لقوات "اليونيفيل"، كما تعهد بأن تواصل أنقرة تقديم المساعدات الإنسانية والطبية للبنان.

دور مستقبلي يسعى أردوغان للقيام به في لبنان.

ويبدو أن هذه التحركات تهدف إلى ترسيخ دور تركيا كطرف محوري في النقاشات المتعلقة بمستقبل لبنان والعلاقات بين دمشق وبيروت، بالتوازي مع تطوير قنوات تواصل بين تركيا و"حزب الله".

وفي 6 سبتمبر 2026، ذكرت صحيفة "لوريان لو جور" اللبنانية الناطقة بالفرنسية أن العلاقات بين أنقرة و"حزب الله" بدأت تتشكل "تدريجياً وبحذر بعيداً عن الأضواء"، وذلك تمهيداً لدور مستقبلي يسعى أردوغان للقيام به في لبنان.

تجدر الإشارة إلى أنه في 20 أغسطس 2026، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على عشرة أفراد، زعمت واشنطن أنهم جزء من شبكة لنقل الأموال لصالح "حزب الله"، حيث قاموا بتهريب مبالغ تصل إلى مئات الملايين من الدولارات عبر رحلات تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران. ووفقاً لوزارة الخزانة، فإن هذه الشبكة تدار من قبل رجل الأعمال التركي "يونس ألبر يلماز"، الذي استخدم شركات صرافة تعمل في تركيا كواجهات لنشاطه.

وبحسب مصادر لبنانية نقلت عنها وسائل إعلام عربية، فقد تكثفت الاتصالات عبر تركيا في أعقاب تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن دمشق قد تتولى مهمة نزع سلاح "حزب الله"؛ في إشارة إلى تصريحه بأن الرئيس السوري أحمد الشرع يمكنه تنفيذ هذه المهمة.

وذكرت المصادر ذاتها أن الاجتماع الثاني -الذي أشارت إليه وكالة "رويترز"- عُقد في تركيا خلال الأيام العشرة الأولى من شهر سبتمبر 2026، دون مشاركة أي عناصر أمنية أو عسكرية من "حزب الله".

وأكدت المصادر أن الاجتماعين، اللذين عُقدا في ديسمبر 2025 وسبتمبر 2026، "لا يمثلان مفاوضات أو تفاهمات"، بل يندرجان في إطار "تبادل رسائل" بين الأطراف عبر وساطة تركية.

تشكل هذه التطورات الثلاثة -الاجتماع الذي قيل إنه جرى بين "حزب الله" ودمشق (وهو ما تم نفيه)، وتنامي دور تركيا في النقاشات المتعلقة بمرحلة ما بعد قوات "اليونيفيل"، والتزامها المعلن بمواصلة تقديم المساعدات الإنسانية والطبية للبنان- مشهداً متسقاً.

إذ تسعى أنقرة إلى توسيع نفوذها في لبنان وسوريا عبر مسارات دبلوماسية وإنسانية وأمنية متوازية، مع تجنب الالتزام العلني بأي دور مباشر تجاه "حزب الله".

الخاتمة.

بين لعبة النفي والتقارير المستترة، تتكشف الحقيقة الباردة: أنقرة لا تتحرك بدافع صنع السلام الإنساني، بل لفرض واقع جيو-سیاسي يضعها كعراب أساسي في معادلة الشام ولبنان.

إن تحركات أردوغان واستعراض أدوار الوساطة بين الخصوم التاريخيين ليست إلا مناورة ذكية للالتفاف على الضغوط الأمريكية واحتواء شظايا الميدان قبل الانفجار.

ولكن، أياً كانت المسميات —سواء كانت "تبادل رسائل" أو "كسر جليد"— فإن القارئ الحصيف لإستراتيجيات المنطقة يدرك أن معادلات الردع الحقيقية وصمود المقاومة في الميدان هما اللذان يفرضان شروطهما في النهاية.

ستظل أنقرة تحاول الإمساك بجميع العصي من المنتصف، لكن التاريخ أثبت دائماً أن من يلعب في منطقة الظل بين محاور المتصارعين، قد يستفيق على خلط جميع الأوراق وسقوط أوهام الهيمنة في المشرق العربي إلى الأبد!


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي