كتب إسماعيل النجار،
بحث علمي عميق في نتائج الحرب على اليمن.
حيث تعتبر فاتورة الحرب اليمنية السعودية والأميركية الإيرانية الأكثر تأثيراً على الإقتصاد السعودي وخزينة المال؛ فتثقل الاقتصاد السعودي عجزٌ متصاعد ومخاطر تهدد استثمارات [رؤية 2030]
إذ لم تعد تداعيات المواجهة الإقليمية على السعودية محصورة في الكلفة العسكرية والأمنية، بل امتدت إلى الموازنة العامة، والدين الحكومي، وحركة التجارة والاستثمار، وسط تحديات تراكمية خلّفتها الحرب في اليمن منذ عام 2015. وبينما تستفيد المملكة من ارتفاع أسعار النفط، فإن تعطل التجارة وتهديد المنشآت الحيوية وتراجع الثقة الاستثمارية تضع اقتصادها أمام معادلة أكثر تعقيداً إيراداتها النفطية قد ترتفع، في مقابل أعباء مالية ومخاطر اقتصادية تتسع. وعجز يتجاوز 125 مليار ريال في ثلاثة أشهر
تكشف عنها بيانات وزارة المالية السعودية حيث بلغ عجز الموازنة بنحو 125.7 مليار ريال، أي قرابة 33.5 مليار دولار، خلال الربع الأول من عام 2026. وبلغ الإنفاق الحكومي 386.7 مليار ريال، مقابل إيرادات قدرها 261 مليار ريال، فيما تراجعت الإيرادات النفطية بنسبة 3% على أساس سنوي إلى 144.7 مليار ريال. وفي الفترة نفسها، ارتفع الإنفاق العسكري إلى نحو 64.7 مليار ريال، مسجلاً زيادة سنوية تقارب 26%. لكن الدقة تقتضي الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تعني أن الحرب وحدها تسببت بالعجز أو بكامل الزيادة العسكرية؛ إذ تشمل الموازنة التزامات الدولة الاعتيادية والإنفاق الدفاعي العام.
[من مصادر مُوَثقة]
كانت المملكة قد توقعت في موازنة 2026 عجزاً سنوياً بنحو 165.4 مليار ريال، ما يجعل نتائج الربع الأول مؤشراً على حجم الضغط المالي الذي تواجهه، وإن كانت الإيرادات النفطية اللاحقة وتطورات الإنفاق قادرة على تغيير الحصيلة النهائية. فإن الدين العام يمول العجز، ولكنه لم يقتصر الضغط على الموازنة فقط، بل انعكس على الدين الحكومي. فقد ارتفع الدين العام إلى نحو 1.67 تريليون ريال بنهاية الربع الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 1.52 تريليون ريال في نهاية عام 2025. وجرى تمويل عجز الربع الأول بالاقتراض، وفق البيانات المنشورة عن الأداء المالي الحكومي. ويعني ذلك أن استمرار العجز يفرض على الحكومة المفاضلة بين زيادة الاقتراض، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، والاستفادة من الإيرادات النفطية والاحتياطيات المتاحة. ولا يمثل الاقتراض بحد ذاته دليلاً على أزمة سيولة، لكنه يرفع كلفة خدمة الدين مستقبلاً إذا استمر تراكمه بوتيرة مرتفعة. حيث وقع النفط بين مكاسب الأسعار وخسائر الإمدادات، وتشكل اضطرابات الملاحة والتجارة في الخليج خطراً مباشراً على اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات الطاقة. فارتفاع أسعار النفط قد يعزز الإيرادات من الكميات التي تستطيع السعودية إنتاجها وتصديرها، لكنه لا يلغي خسائر تعطل المنشآت أو تأخر الشحنات أو ارتفاع تكاليف التأمين والنقل.
وأشار صندوق النقد الدولي، في تقييمه الصادر في 29 تموز/يوليو 2026، إلى أن الحرب الإقليمية عطّلت التجارة وأثرت في صادرات النفط والنشاط غير النفطي والثقة الاقتصادية. وفي المقابل، ساعد تحويل جانب من صادرات النفط عبر خط الأنابيب شرق غرب إلى موانئ البحر الأحمر على الحد من تراجع الإمدادات، فيما عوّض ارتفاع الأسعار خسائر الحجم في تقديرات الصندوق بشكل بسيط وملحوظ. وتكشف هذه المعادلة أن قياس الخسائر لا يجوز أن يعتمد على أسعار النفط وحدها؛ بل يتطلب احتساب الكميات المصدرة فعلياً، والإيرادات الإضافية، وتكاليف الإصلاح والحماية، والخسائر الناجمة عن توقف الإنتاج أو النقل.
الحرب السعوديه على اليمن خلقت نزف تراكمي يصعب اختزاله برقم واحد، فمنذ عام 2015، تحملت السعودية نفقات العمليات العسكرية والتسليح والصيانة وحماية الحدود والمنشآت الحيوية، إلى جانب تكاليف أمنية ولوجستية متصلة بالحرب في اليمن. كما أن الهجمات التي طالت الأراضي السعودية خلال سنوات النزاع أضافت مخاطر على المنشآت النفطية والمطارات والبنية التحتية. غير أن تحديد الكلفة الإجمالية للحرب اليمنية يتطلب سجلات مفصلة للإنفاق العسكري الإضافي، والذخائر المستهلكة، والأضرار المادية، والنفقات المرتبطة بالعمليات. ولا تتوافر حصيلة رسمية شاملة ومدققة تسمح بإسناد رقم نهائي موثوق إلى الحرب وحدها لكن التقديرات تشير إلى إنفاق ما يزيد عن واحد تريليون خلال عشر سنوات.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعادت الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية في السعودية تسليط الضوء على المخاطر الاقتصادية للتصعيد. وحذرت تحليلات اقتصادية نشرتها رويترز من أن تكرار الهجمات قد يضر بصورة المملكة بوصفها وجهة آمنة للاستثمار، ويزيد الضغوط على مشاريع التنويع الاقتصادي.
أما رؤية 2030 أمام اختبار الاستقرار وتستهدف رؤية السعودية 2030 تقليص الاعتماد على النفط، وتنمية السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، وجذب الاستثمارات الأجنبية. غير أن هذه الأهداف تحتاج إلى بيئة مستقرة تسمح للشركات بتخطيط استثماراتها على مدى سنوات. ووفق تقرير رويترز في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة نحو 33 مليار دولار في عام 2025، مقابل هدف معلن يقارب 100 مليار دولار سنوياً. ويشير هذا الفارق إلى تحدٍ استثماري قائم، فيما قد تزيد المخاطر الأمنية من صعوبة تحقيق الأهداف المرسومة.
كذلك توقع صندوق النقد الدولي تباطؤ نمو الاقتصاد السعودي من 4.6% في عام 2025 إلى 1.7% في عام 2026، مع تباطؤ نمو الاقتصاد غير النفطي إلى 2.6%. وهذه توقعات اقتصادية وليست حصيلة نهائية، لكنها توضح حجم المخاطر التي تواجه النشاط الاقتصادي في ظل استمرار الاضطرابات.
الضغط المالي على المملكة لا يعني انهياراً اقتصادياً شاملاً. حيث تواجه السعودية مزيجاً من عجز الموازنة، وارتفاع الدين، وتكاليف الدفاع، ومخاطر اضطراب صادرات الطاقة، والضغوط التي قد تطال الاستثمار والمشاريع التنموية. ومع ذلك، لا تزال المملكة تمتلك احتياطيات مالية وقدرة على الاقتراض وبنية نفطية ولوجستية تساعدها على امتصاص الصدمات ولكن إلى مَتى؟.
وعليه، فإن الخلاصة الاقتصادية الدقيقة ليست أن السعودية خسرت مبلغاً إجمالياً محدداً في حربَي اليمن وإيران، إذ لا تتوافر بيانات مدققة تجمع هذه البنود، بل أن التصعيد يرفع الكلفة المالية والمخاطر الاستثمارية ويضيّق هامش المناورة أمام السياسة الاقتصادية. وستتوقف الحصيلة النهائية على مدة المواجهة، وحجم الأضرار الفعلية، واستمرار حركة تصدير النفط، وقدرة الحكومة على احتواء العجز من دون إبطاء برامج التنويع. فالمعيار الحاسم ليس حجم الإنفاق العسكري وحده، بل مقدار ما تستنزفه الحرب من الموارد التي تحتاج إليها المملكة لبناء اقتصاد أقل اعتماداً على النفط وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
مصادر هذا المقال من وزارة المالية السعودية وبيانات الأداء المالي للربع الأول من 2026 والمنشورة على غوغل؛ صندوق النقد الدولي، تقرير مشاورات المادة الرابعة بشأن السعودية، 29 تموز/يوليو 2026؛ رويترز، تقارير اقتصادية منشورة في 12 و15 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
بيروت في،،، 20/10/2026