بقلم : أمين السكافي
ليست كل الشخصيات التي تعبر التاريخ تترك فيه أثراً، وليست كل الأسماء التي تتردد على ألسنة الناس تستحق أن تتحول إلى ذاكرة أمة. فثمة رجال يأتون ويمضون، وثمة رجال يصبحون، في حياتهم وبعد رحيلهم، جزءاً من وجدان الشعوب، لأنهم قالوا ما عجز الآخرون عن قوله، وحملوا من الأحلام ما خاف الآخرون من حمله، وواجهوا من الأخطار ما فضّل غيرهم تجنّبه.
من هؤلاء جمال عبد الناصر، ابن مصر الذي خرج من بيئة متواضعة ليحمل مشروعاً عربياً تجاوز حدود وطنه، وحسن نصر الله، ابن الضاحية الجنوبية لبيروت، الذي صار أحد أبرز وجوه المقاومة في الصراع مع إسرائيل. رجلان فرّق بين تجربتيهما الزمن والجغرافيا وطبيعة المعارك، وجمعتهما قناعة راسخة بأن هذه الأمة لا تستعيد مكانتها بالاستسلام، ولا تسترد حقوقها بالتوسل إلى من اغتصبها، ولا تصون كرامتها إذا قبلت أن تكون مجرد رقم في حسابات القوى الكبرى.
؟
لم يكونا نسخة واحدة، ولم يتطابقا في الرؤية أو الوسائل، لكن كليهما أدرك أن أخطر ما أصاب العرب لم يكن فقدان الأرض وحده، بل فقدان الثقة بالقدرة على استعادتها، وأن الهزيمة الأكبر هي تلك التي تستقر في العقول قبل أن تُفرض على الجبهات.
من المنبت البسيط إلى مسؤولية التاريخ
جاء جمال عبد الناصر من أسرة مصرية متواضعة، وشق طريقه في المؤسسة العسكرية قبل أن يصبح أحد قادة ثورة الثالث والعشرين من تموز 1952، ثم رئيساً لمصر وصاحب مشروع سياسي ترك بصمته على العالم العربي وحركات التحرر في آسيا وأفريقيا.
لم يكن مشروعه مجرد تغيير في السلطة، بل محاولة لإعادة تعريف موقع مصر ودورها، وإخراجها من التبعية الأجنبية، وتأميم قناة السويس عام 1956، وتعزيز استقلال القرار الوطني، ورفع شعار الوحدة العربية والعدالة الاجتماعية. وحين واجه العدوان الثلاثي البريطاني والفرنسي والإسرائيلي، تحولت مصر، رغم الخسائر والدمار، إلى رمز لمواجهة إرادة الهيمنة، وبات عبد الناصر في عيون ملايين العرب أكثر من رئيس دولة؛ صار تعبيراً عن حلم أمة أرادت أن تنهض من تحت ركام الهزائم والتجزئة.
أما حسن نصر الله، فقد نشأ في بيئة لبنانية متواضعة، وعاش تجربة الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي عام 1982، في مرحلة كانت فيها بيروت والجنوب والبقاع تدفع أثمان انهيار الدولة وتنازع المشاريع الإقليمية والدولية. وانخرط في المقاومة التي نشأت لمواجهة الاحتلال، ثم أصبح أميناً عاماً لحزب الله عام 1992، وقاد الحزب في مرحلة شهدت تحولات كبرى في لبنان والمنطقة.
وتحت قيادته، كان انسحاب القوات الإسرائيلية من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة عام 2000 حدثاً مفصلياً في تاريخ الصراع، ثم جاءت حرب تموز 2006 لتضع المقاومة ولبنان أمام اختبار عسكري وسياسي واجتماعي بالغ القسوة، وتترك آثاراً عميقة في الوعي اللبناني والإقليمي، بين من رأى فيها صموداً استثنائياً في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، ومن حمّل المقاومة مسؤولية قرارات الحرب وتداعياتها.
هنا، تحديداً، ينبغي أن نقرأ التاريخ بعيون مفتوحة: لا أن نمحو الإنجازات، ولا أن نتجاهل الأثمان، ولا أن نحول الرجال إلى أساطير تعفي التجارب من النقد. فالوفاء الحقيقي للتاريخ أن نراه كاملاً، بما له وما عليه.
العدو واحد في الذاكرة، وإن اختلفت ميادين المواجهة
جمع الرجلين موقفهما من إسرائيل بوصفها قوة احتلال ومشروعاً استيطانياً قام على اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، كما جمعهما رفض أن تتحول الولايات المتحدة إلى المرجعية الوحيدة التي تحدد للعرب ما يجوز لهم وما لا يجوز.
كان عبد الناصر يرى أن هزيمة المشروع الصهيوني لا تنفصل عن تحرير الإرادة العربية من التبعية، وأن فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية ترتبط بأمن مصر ومستقبل المنطقة وكرامة العرب. ومن هنا جاءت حرب الاستنزاف بعد هزيمة عام 1967، محاولةً لإعادة بناء القدرة العسكرية المصرية، واستنزاف الجيش الإسرائيلي، وتهيئة الطريق أمام استعادة الأرض. ثم جاءت حرب السادس من أكتوبر 1973، بعد رحيله، لتشهد عبور الجيش المصري قناة السويس وكسر خط بارليف، في محطة أعادت إلى المصريين والعرب قدراً من الثقة التي حطمتها نكسة حزيران.
أما حسن نصر الله، فقد جعل مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في لبنان عنواناً مركزياً لخطابه السياسي والعسكري، ورأى أن القوة المنظمة قادرة على فرض أثمان على الاحتلال، وأن التفوق العسكري الإسرائيلي لا يعني امتلاك القدرة على إخضاع كل مجتمع أو كسر إرادة كل مقاومة.
اختلفت الأدوات بين جيش دولة قاد مشروعاً قومياً واسعاً، ومقاومة حزبية نشأت في بلد صغير متعدد الطوائف ومحاصر بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة. لكن الرابط بين التجربتين كان الإيمان بأن الاحتلال لا يتخلى عن مكتسباته طوعاً، وأن استعادة الحقوق تحتاج إلى قوة وإرادة وتضحيات، إلى جانب السياسة والدبلوماسية وحسابات المصالح.
حين تتقدم الهوية الوطنية على الانقسام المذهبي
لعل أجمل ما تكشفه سيرة الرجلين أن الانتماء المذهبي لم يكن، في لحظات تاريخية مهمة، حاجزاً يمنع الناس من الالتقاء حول قضية أكبر.
فقد ناصر الشيعة اللبنانيون جمال عبد الناصر، الزعيم السني المصري، ورأوا في خطابه القومي وموقفه من إسرائيل والهيمنة الغربية تعبيراً عن تطلعاتهم إلى التحرر والكرامة. وفي زمن كان فيه نظام الشاه في إيران، رغم هويته الشيعية، حليفاً وثيقاً لإسرائيل والولايات المتحدة، لم تكن مواقف قطاعات من الشيعة اللبنانيين تُختزل في الحساب المذهبي، بل كانت تتأثر بموقعهم الاجتماعي والسياسي وبالصراع حول فلسطين ومستقبل المنطقة. ولا يعني ذلك أن جميع الشيعة اتخذوا موقفاً واحداً، أو أن العلاقات بين طهران وعبد الناصر كانت خالية من التوتر، بل إن الانتماء الطائفي لم يكن وحده المحدد للموقف السياسي.
وبالمثل، أحب قطاعات واسعة من المصريين حسن نصر الله، ابن البيئة الشيعية اللبنانية، لأنهم رأوا في خطابه، ولا سيما في سنوات المقاومة ومواجهة إسرائيل، صورة لرجل يتحدث بلغة العزة والتحدي، ويستحضر فلسطين في زمن انشغلت فيه عواصم عربية كثيرة بأزماتها وحساباتها الخاصة.
لم يكن حب هؤلاء المصريين لنصر الله إعلاناً عن تبدل هويتهم المذهبية، بل تعبيراً عن أن وجدان الشعوب يستطيع أن يتجاوز حدود الطائفة حين يرى في شخص ما دفاعاً عن قضية يعتبرها عادلة. وكما لم يكن عبد الناصر ملكاً للمصريين وحدهم في المخيلة العربية، لم يكن نصر الله، لدى محبيه خارج لبنان، مجرد قائد حزب لبناني؛ صار رمزاً لموقف يتجاوز الحدود.
هكذا، في أجمل لحظات الوعي العربي، ناصر شيعةٌ زعيماً سنياً، وأحب سنةٌ قائداً شيعياً، لأن فلسطين والكرامة والمقاومة كانت، في وجدانهم، أكبر من أن تُحبس داخل جدران المذهب.
حاربهما الخصوم، وامتد الصراع إلى صورتيهما
لم يكن الطريق أمام الرجلين مفروشاً بالورود. فقد تعرض عبد الناصر لحملات سياسية وإعلامية حادة، من خصوم مشروعه القومي ومن قوى رأت في صعوده تهديداً لمصالحها. وتعرضت تجربته لنقد داخلي وعربي، كما واجهت هزيمة 1967 التي كشفت أخطاء عسكرية وسياسية عميقة، وأثقلت مشروعه بجراح لم يستطع الزمن محوها. ومع ذلك، لم تنتهِ مكانته في الوجدان العربي بانتهاء حياته عام 1970، بل بقيت مرتبطة بالتحرر والاستقلال والوحدة والعدالة الاجتماعية، وبالحلم الذي رفعه حتى حين عجز عن تحقيقه كاملاً.
أما نصر الله، فواجه خصومات داخلية وإقليمية ودولية، وحملات تشكيك واتهام، إلى جانب تأييد واسع في أوساط اعتبرت المقاومة ضرورة في مواجهة الاحتلال. وتفاقمت الانقسامات حول دوره مع تدخل حزب الله في الحرب السورية، وما أثاره ذلك من خلافات لبنانية وعربية، فضلاً عن الجدل حول السلاح وعلاقة الحزب بإيران ومستقبل الدولة اللبنانية.
وليس من الإنصاف اختزال كل نقد للرجلين في خدمة إسرائيل أو الولايات المتحدة، كما ليس من الإنصاف تجاهل أن الصراع على صورتهما استُخدم سياسياً وإعلامياً، وأن بعض الخصومات العربية تحولت إلى حملات نزع شرعية بدل أن تكون نقاشاً جدياً في مصالح الشعوب ومستقبل المنطقة.
لقد كان عبد الناصر، في نظر مؤيديه، صوت الاستقلال العربي في وجه الاستعمار، وكان نصر الله، في نظر مؤيديه، صوت المقاومة في وجه الاحتلال. وفي المقابل، رأى منتقدوهما في بعض خياراتهما أسباباً للأزمات والانقسامات. وبين الصورتين، تبقى مسؤولية التاريخ أن تميز بين الوقائع والدعاية، وبين النقد المشروع ومحاولات التشويه، وبين الإنجاز الفعلي والوعود التي لم تتحقق.
حين يصبح الرحيل امتحاناً لذاكرة الأمة
رحل جمال عبد الناصر في الثامن والعشرين من أيلول عام 1970، وبقيت جنازته المهيبة شاهداً على مكانته في قلوب ملايين العرب. ورحل حسن نصر الله شهيداً في غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت في أيلول 2024، بعدما صار اسمه، لدى أنصاره، عنواناً لمرحلة كاملة من تاريخ المقاومة.
لا تتساوى تجربتاهما في كل شيء، ولا يجوز أن نمحو الفوارق بين مصر الدولة الكبرى ولبنان الدولة الصغيرة، أو بين الجيش النظامي والمقاومة، أو بين مشروع قومي سعى إلى توحيد العرب وحزب ارتبط بمشروع إقليمي تقوده إيران. لكن المقارنة بينهما تظل ذات معنى حين تتناول أثرهما في الوجدان، وموقفهما من الاحتلال، ومحاولتهما انتزاع مساحة من القرار العربي بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
لقد أحبتهما قطاعات واسعة من الناس لأنهما خاطبا فيهم شيئاً أعمق من السياسة اليومية: الحاجة إلى الشعور بأن العربي ليس محكوماً عليه بالهزيمة، وأن فلسطين ليست تفصيلاً عابراً، وأن الكرامة ليست كلمة تُقال في الخطب ثم تُترك عند أول اختبار.
ومع ذلك، فإن الأمة التي تستعيد سيرتهما لا ينبغي أن تكتفي بالبكاء على الرجال بعد رحيلهم. فالأوطان لا تُبنى بالحنين وحده، والوحدة لا تتحقق بالشعارات، والتحرر يحتاج إلى مؤسسات عادلة، واقتصاد منتج، وتعليم متقدم، ودولة تحمي مواطنيها، ومشروع عربي يحترم اختلاف شعوبه ويجمعها على مصالحها المشتركة.
جمال عبد الناصر وحسن نصر الله؛ رجلان اختلف الزمن الذي عاشا فيه، واختلفت أدواتهما ونتائج تجربتيهما، لكنهما التقيا في مساحة نادرة من الوجدان العربي، حيث تختلط الذاكرة بالأمل، والسياسة بالكرامة، وفلسطين بسؤال المستقبل.
ولعل السؤال الذي يتركانه لنا ليس: من منهما كان أعظم؟ بل: لماذا ما زالت أمتنا تبحث عن رجال يذكّرونها بقدرتها، بدل أن تبني مؤسسات تجعل الكرامة حقاً دائماً لشعوبها؟
فالرجل يرحل، مهما علا شأنه، لكن القضية التي عاش لها لا ينبغي أن ترحل معه. وإذا كان حب الشعوب لهذين الرجلين قد تجاوز الحدود والطوائف، فإن الوفاء الأصدق لهما أن تصبح كرامة الإنسان العربي، من القاهرة إلى بيروت، ومن فلسطين إلى كل عاصمة عربية، أساساً لمستقبل لا يُصنع بالخوف ولا يُدار بالتبعية.
فالرجال يرحلون، أما الكرامة التي يوقظونها في الشعوب، فإما أن تتحول إلى مشروع حياة، وإما أن تبقى حكاية جميلة نرويها كلما اشتقنا إلى زمن كان فيه الحلم العربي أعلى من أسوار الهزيمة.