كتاب واراء

خطة ترامب للسلام بين السعودية وإسرائيل ثلاثة عوامل رئيسية وراء طموحاته.

أشرف التهامي.

خطة ترامب للسلام بين السعودية وإسرائيل ثلاثة عوامل رئيسية وراء طموحاته. 5054

 

في قراءة تفكيكية استثنائية ونفّاذة لعقلية البيت الأبيض في عهده الجديد، يفتح الباحث الأول في معهد سياسة الشعب اليهودي والمحاضر بمعهد حولون للتكنولوجيا، الدكتور كوبي باردا، نافذة غير تقليدية عبر صحيفة "يديعوت أحرونوت" على دوافع وأسرار التحركات الأمريكية الراهنة.

لا ينظر د. باردا إلى مساعي دونالد ترامب لتوسيع "اتفاقيات أبراهام" نحو الرياض بوصفها مجرد خطوة دبلوماسية أسلوبية، بل يعيد تأطيرها كـ "مصفوفة مثلثية أبعادها: الهوس بالإرث الخالد (GOAT)، وصراع التفرد في الذكاء الاصطناعي مع الصين، والدرع الدستوري للمصالح الشخصية".

إنه ليس سلام المؤسسات أو إستراتيجيات الخبراء التي تجاوزها ترامب كلياً في "ولاية الحصانة المطلقة"، بل هو سلام يرسمه رجلٌ لا يدين بالفضل لأحد، ويرى في الشرق الأوسط مشروع بنية تحتية ضخماً يربط بين نفوذ واشنطن، ورؤية السعودية التكنولوجية، وطموحه الشخصي في دخول التاريخ كـ "المخلّص الشبيه بشخصيات العهد القديم الذي أنهى صراعاً يمتد لـ 3000 عام".

فأمس وعلى الموقع الرسمي للصحيفة العبرية " يديعوت احرونوت نشر الدكتور كوبي باردا المنتمي إلى معهد حولون للتكنولوجيا (HIT) -وهو مؤسسة متعددة التخصصات- ويشغل منصب باحث أول في معهد سياسة الشعب اليهودي (JPPI)،رأياً يقول فيه:

"هل يستطيع ترامب التوسط لإبرام اتفاق سلام تاريخي بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية؟ تكمن وراء مساعيه لتوسيع "اتفاقيات أبراهام" ثلاثة دوافع قوية: حجز مكان في التاريخ، والمنافسة مع الصين على الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتحقيق مكاسب شخصية محتملة".

وقد وجدنا من الأهمية ، نشر الترجمة الحرفية في السطور التالية لما جاء في هذا الرأي و الذي نشر تحت الرابط:

https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/hk0te6e3fl

الرأي الإسرائيلي:

يوم الجمعة، سُئل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية توسيع "اتفاقيات أبراهام" وإدخال المملكة العربية السعودية في دائرة السلام مع إسرائيل. فكانت إجابته واضحة: المسألة مطروحة مجدداً وبقوة على الطاولة.

قبل بحث الكيفية التي يعتزم بها ترامب تحويل هذه الرؤية إلى واقع، يتعين علينا أولاً تحليل أسلوب عمله وطريقته في اتخاذ القرارات، ومحاولة فهم الأسباب التي تجعل من الملف السعودي أمراً بالغ الأهمية بالنسبة له.

وبشكل عام، يمكن فهم نهج ترامب من خلال ثلاثة عوامل رئيسية، يمثل كل منها ركيزة أساسية في رؤيته للعالم.

ولكن قبل ذلك، لا بد من استعراض بعض السياق التاريخي ، فمن الجدير بالذكر أن ترامب هو ثالث رئيس فقط في التاريخ الأمريكي يُنتخب دون أن يشغل منصباً سياسياً من قبل.

أما سابقاه في هذا الصدد فهما:

· جورج واشنطن -الذي انتُخب في مرحلة تأسيس الرئاسة ذاتها، وكان قد وصل إلى هذا المنصب بصفته قائداً عسكرياً مرموقاً في الثورة ضد البريطانيين، فضلاً عن كونه مالك أراضٍ ورجل أعمال أسس لاحقاً أكبر مصنع للويسكي في أمريكا في عقاره "ماونت فيرنون" بولاية فرجينيا- ودوايت أيزنهاور.

· أيزنهاور، المعروف على نطاق واسع باسم "آيك"، لم يسبق أن انتُخب لأي منصب سياسي؛ لكنه كان جنرالاً أشرف على أكبر عملية إعادة إعمار في التاريخ، وذلك إبان إعادة بناء أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية ، وقد امتد إشرافه ليشمل تفاصيل دقيقة، مثل عدد السعرات الحرارية التي يحصل عليها كل لاجئ يومياً ، ومن الناحية العملية، فقد تولى مهام حاكمٍ يتمتع بصلاحيات تفوق صلاحيات أي حاكم ولاية في الولايات المتحدة، وذلك خلال فترة بالغة التعقيد اتسمت بإعادة الإعمار والتعافي.

لماذا يُعدّ هذا أمراً بالغ الأهمية؟ لأن ترامب تولى منصبه بخلفية تقتصر على مجال الأعمال، دون أي خبرة سابقة في المؤسسات الدبلوماسية أو العسكرية أو السياسية ، وينطوي هذا على دلالتين:

فمن ناحية، هو لا يدين بالفضل لأحد؛ ومن ناحية أخرى، يفتقر إلى المعرفة المؤسسية التي تُكتسب من خلال العمل داخل تلك الأنظمة.

في حقبة "ترامب 2" الراهنة، توقف ترامب تماماً عن الاستماع إلى خبراء الحزب أو أركان المؤسسة السياسية، مفضلاً إحاطة نفسه بأشخاصٍ ينحصر دورهم الأساسي في تنفيذ تعليماته وتطبيق أفكاره.

ولفهم آلية اتخاذ القرار لديه، ينبغي النظر في العوامل الثلاثة الرئيسية التي تحركه، مرتبةً حسب أهميتها:

العامل الأول: السعي ليكون "الأعظم على الإطلاق" (GOAT) وتشكيل إرثه التاريخي.

يساور ترامب رغبةٌ جامحة، تكاد ترقى إلى الهوس، بأن يُنظر إليه باعتباره "الأعظم على الإطلاق" (GOAT) ، فهو مشغولٌ دائماً بكيفية تذكر التاريخ له، ويقارن نفسه باستمرار بأعظم الرؤساء الأمريكيين، بينما يخشى في الوقت ذاته -وبعمق- أن يذكره التاريخ كواحدٍ من أسوأ الرؤساء.

وهذا هو السبب، على سبيل المثال، وراء توقيعه على "مذكرة التفاهم" (MOU) -التي أثارت جدلاً واسعاً- مع إيران في 17 يونيو 2026، بهدف إنهاء الحملة العسكرية؛ إذ خشي ترامب أن يواجه مصيراً تاريخياً مشابهاً لمصير الرئيس هربرت هوفر، الذي ارتبط اسمه في الذاكرة التاريخية بكونه المسؤول عن "الكساد الكبير".

وفي الوقت ذاته، يروق لترامب نشر تصنيفات للرؤساء يضع فيها نفسه، بطبيعة الحال، في المرتبة الأولى.

العامل الثاني: السباق مع الصين والذكاء الاصطناعي.

يُعد الصراع من أجل الهيمنة العالمية مع الصين مصدر قلقٍ دائمٍ لترامب ، ويقدّر بعض الخبراء أن "نقطة التفرد" (singularity) —وهي اللحظة التي يتفوق فيها الذكاء الاصطناعي على أمهر المبرمجين البشر— قد تحين بحلول أكتوبر 2027 تقريباً، أي في مرحلة متقدمة من ولاية ترامب الثانية.

وقد نجحت الصين في فرض سيطرتها على نحو 70% من العناصر والمعادن المستخدمة في تصنيع رقائق الحاسوب على مستوى العالم.

وفي الوقت ذاته، تدفع أزمة الطاقة -الناجمة عن الطلب الهائل على الكهرباء لتشغيل مراكز البيانات- ترامب إلى البحث عن حلول مبتكرة.

عليه أن يجد سبلًا لتخفيف الضغط عن البنية التحتية للطاقة في أمريكا، مع ضمان احتفاظ الولايات المتحدة بتفوقها على الصين في هذا السباق التكنولوجي.

العامل الثالث: ما الفائدة التي ستعود عليّ؟

لفهم ولاية ترامب الثانية، من الضروري النظر في الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا في يوليو 2024 ، فقد قضت المحكمة، بأغلبية 6 أصوات مقابل 3، بأن الرؤساء يتمتعون بحصانة مطلقة من الملاحقة الجنائية فيما يتعلق بالأفعال التي تقع ضمن صلاحياتهم الدستورية الجوهرية، وبحصانة افتراضية فيما يخص أعمالهم الرسمية الأخرى ،كما عزز هذا الحكم التمييز بين المساءلة السياسية -عبر إجراءات العزل- وبين الملاحقة الجنائية.

وقد منح هذا الحكم ترامب ما يشبه "درعًا دستوريًا"، ففي ولايته الثانية، بات يستخدم هذه الحماية بشكل أكثر انفتاحًا، سعيًا لتحقيق أقصى قدر ممكن من المنافع الشخصية والعائلية من خلال وجوده في البيت الأبيض ، ولم يسبق أن كان الخط الفاصل بين الواجب العام والمصالح الخاصة غامضًا إلى هذا الحد.

على سبيل المثال، وفي وقت مبكر من ولايته الحالية، نشر ترامب توصية يحث فيها الأمريكيين على شراء منتجات شركة "ديل" (Dell)، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسهم الشركة، وذلك بعد أن كان هو نفسه قد اشترى أسهمًا فيها بقيمة ملايين الدولارات دون الكشف عن حيازاته.

وبالمثل، أطلق مشروع "وورلد ليبرتي فاينانشال" (World Liberty Financial) للعملات المشفرة، الذي تمتلك عائلته حصة كبيرة فيه، كما طرح هاتفاً محمولاً يحمل علامة "ترامب" التجارية ويتميز بلون ذهبي.

ويشارك ابناه الأكبران أيضاً بشكل مكثف في استثمارات متنوعة، من بينها صندوق عقاري يركز على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

والآن، دعونا نربط هذه العوامل الثلاثة ببعضها في سياق القصة المتعلقة بالمملكة العربية السعودية. بالنسبة للعامل الأول، عندما يتحدث دونالد ترامب عن اتفاق سلام ينهي صراعاً "يمتد لثلاثة آلاف عام"، هل توقفت يوماً لتتساءل عما يقصده بذلك؟

الفكرة الأساسية.

تتمحور الفكرة الأساسية حول ثلاث عوامل :

· العامل الأول.

 أن "صاحب الشعر الأحمر الذي يحمل المفتاح" هو وحده القادر على تحقيق سلام تاريخي ذي أبعاد توراتية بين ابني إبراهيم: إسماعيل وإسحاق.

إن إبرام اتفاق سلام بين سلالة إسماعيل — المتمثلة في المملكة العربية السعودية، مهد النبي محمد — وسلالة إسحاق، المتمثلة في إسرائيل المعاصرة، من شأنه أن يضع حداً لصراعٍ امتد لأكثر من 3000 عام.

وفي نظر ترامب، فإن اتفاقاً كهذا لن يضمن له الفوز بجائزة نوبل للسلام التي طالما تطلع إليها فحسب، بل سيضمن له أيضاً مكانةً في ذروة التاريخ البشري.

ومن منظور بناء الإرث، فإن تحقيق إنجازٍ يحمل دلالات لاهوتية وجيوسياسية عميقة كهذه، من شأنه أن يرسخ مكانته التاريخية بطريقة غير مسبوقة، ويمنح رئاسته إرثاً خالداً عبر الزمن.

· العامل الثاني.

أما فيما يتعلق بالعامل الثاني، فيبرز هنا "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" (IMEC) ، يهدف هذا المشروع إلى ربط الهند — عبر الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية — بالأردن وإسرائيل، وصولاً في نهاية المطاف إلى اليونان.

وبالنسبة لترامب، الذي يرى نفسه في المقام الأول كرائد أعمال ومطور عقاري وبنّاء، يمثل هذا المشروع فرصةً لقيادة واحدٍ من أكثر مشاريع البنية التحتية والهندسة طموحاً وضخامةً في التاريخ البشري.

ولا يقتصر دور هذا المشروع الضخم على كونه بديلاً أو ثقلاً موازناً لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية فحسب، بل إنه سيجذب أيضاً حصةً كبيرة من البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، التي يأمل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تطويرها في إطار "رؤية 2030".

ومن شأن ذلك أن يتيح نقل قدرات حوسبية هائلة إلى نقطة التقاء آسيا وأوروبا عبر المملكة العربية السعودية، مما يبقي السيطرة على هذه القدرات في أيدٍ غربية، مع تخفيف الضغط في الوقت ذاته على البنية التحتية القائمة.

· العامل الثالث.

أما بالنسبة للعامل الثالث، فيظهر هنا دور جاريد كوشنر، الذي يعمل خلف الكواليس للدفع باتجاه إبرام صفقات على طول هذا الممر.

ومن المتوقع أن تتدفق مئات المليارات من الدولارات إلى هذا المشروع الضخم؛ وفي المقابل، قد تحقق هذه المعاملات أرباحاً تجارية ومكاسب مالية كبيرة لعائلته.

إذًا، إلى أين نتجه من هنا؟ وكيف قد تبدو هذه الصفقة؟

وفقًا لتقديراتي، التي تستند جزئيًا إلى محادثات مع أشخاص مقربين من الإدارة الأمريكية، فإن الأمر يتلخص في الآتي:

كلما طال أمد الجمود في النظام السياسي الإسرائيلي، زاد احتمال تدخل ترامب شخصيًا في الشؤون السياسية الداخلية لإسرائيل.

ولن أتفاجأ على الإطلاق إذا رأيته يستدعي المرشحين الرئيسيين لمنصب رئيس الوزراء — نفتالي بينيت، وغادي آيزنكوت، وبنيامين نتنياهو — إلى واشنطن.

سيجمعهم في غرفة واحدة، ويمارس عليهم أسلوبه المعهود في الضغط، مطالبًا إياهم بالتوصل إلى صيغة سياسية تتيح له المضي قدمًا في تحقيق رؤيته.

ففي نهاية المطاف، لا يملك ترامب سوى نافذة زمنية لا تتجاوز العامين لتحقيق ذلك.

وتتمثل هذه الرؤية في توسيع "اتفاقيات أبراهام" لتصل إلى مرحلة "اتفاقيات أبراهام 2 "، بحيث يكون التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية هو الإنجاز الأبرز، تمامًا كما صرّح هو نفسه يوم الجمعة.

 

و ختاماً ، إن الدرس الأكثر خطورة الذي يستخلصه الدكتور باردا في تحليله ليس يتعلق بما تريده واشنطن، بل بما هو مستعد ترامب لفعله للحصول عليه.

في ولايته الثانية، لم يعد ترامب يمارس السياسة بأسلوب "الدبلوماسية الهادئة"، بل يتدرب على إدارة العالم بعقلية "رئيس مجلس إدارة يملك حق الفيتو المطلق وحصانة قضائية شاملة"، وإذا كانت المؤسسة السياسية في تل أبيب تعتقد أن بإمكانها تعطيل طموحاته عبر لعبة التوازنات الداخلية أو المناورات الحزبية، فإنها تسيء فهم "ترامب 2".

لن يتردد ترامب -وهو الذي حُرر من قيود إعادة الانتخاب وحُمي بقرارات المحكمة العليا- في الاستدعاء المباشر لقادة إسرائيل إلى واشنطن، وضعهم في غرفة واحدة، وإغلاق الباب بمفتاح مالي وسياسي حاد، مخيراً إياهم بين التوقيع على خريطته للشرق الأوسط الجديد، أو مواجهة بائع العقارات الأشرس في التاريخ عندما يُسحب السجاد من تحت أقدامهم.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي