كتب إسماعيل النجار،
من طهران إلى صنعاء وبيروت الشرق الأوسط على حافة الانفجار الكبير
[قراءة سياسية واستراتيجية في المواجهة الأميركية الإيرانية، والتصعيد اليمني السعودي، وحسابات التحالفات الإقليمية، ومصير لبنان].
يشهد الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، مع التصعيد في اليمن، والتحركات السعودية لاستقطاب الدعم الإقليمي، والمخاوف من انتقال الحرب إلى لبنان. ولا تعني هذه التطورات بالضرورة أن حرباً شاملة أصبحت حتمية، لكنها تكشف عن تراجع هوامش المناورة وارتفاع كلفة أي خطأ في الحسابات العسكرية والسياسية لأي دولة؟.
تدور المواجهة الأميركية الإيرانية حول البرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، والنفوذ الإقليمي، وأمن الملاحة ومصالح الحلفاء. وتمتلك الولايات المتحدة تفوقاً واسعاً في الطيران والبحرية والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية، غير أن التفوق العسكري لم يضمن وحده تحقيق الأهداف السياسية أو فرض استسلام مستدام على الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تمتلك مؤسسات راسخة وقدرات ردع متعددة وعقيدة صلبة.
*في المقابل، تعتمد إيران على تطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرة، وتوسيع خيارات الرد، ورفع تكلفة الحرب على خصومها عبر تهديد المصالح العسكرية والاقتصادية والممرات البحرية.
فأمام الطرفين ثلاثة مسارات رئيسية،،، إما استمرار الضربات والاستنزاف، أوالعودة إلى التفاوض تحت ضغط الخسائر، أو اتساع الحرب إلى ساحات إقليمية إضافية. ويبقى المسار الأخير الأخطر، بسبب احتمالات اضطراب أسواق الطاقة والملاحة وتعرض المدنيين والبنية التحتية لأضرار فادحة.
أما اليمن تكشف المواجهة فيه عن صعوبة تحويل التفوق التسليحي والمالي السعودي إلى انتصار عسكري أو سياسي حاسم. فقد استطاعت جماعة أنصار الله تطوير قدرات صاروخية ومسيّرة، واستخدام أساليب الحرب غير المتكافئة، بما يرفع كلفة الدفاع عن المنشآت الحيوية والمطارات والمصالح الاقتصادية السعودية، وحققت نجاحات عسكرية على مدى سنوات. وتشير التقارير المتداولة إلى اشتداد المعارك في محيط تعز، ووقوع مواجهات في الجوف ومأرب والبيضاء ولحج، بالتزامن مع أنباء عن غارات سعودية وهجمات صاروخية ومسيّرة استخدفت مقار رسميه وخدمية ومدنيه ومستشفيات. غير أن السيطرة على المطار القديم وجبل هان في تعز، وإسقاط مروحية أباتشي سعودية،واستهداف مطار جدة،فاجئت الجميع بسرعة إنهيار دفاعات القوات المواليه للرياض وسرعة تقدم أنصار الله!.
*استراتيجياً، تواجه الرياض معضلة تتجاوز نتائج المعارك اليومية وهي تفكر كيف تحمي أمنها وحدودها ومنشآتها الحيوية، وتنهي حرباً طويلة، من دون تقديم أية تنازلات! والانجرار إلى استنزاف عسكري جديد لها؟ لأن القوة الجوية والتسليح السعودي المتطور لم يضمنآ الحسم العسكري، فعندما يمتلك الخصم قدرة على توزيع عملياته واستهداف نقاط حساسة بتكاليف أقل نسبياً يكون عمله ناجح أكثر.
*الرياض تستنجد مصر والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ابدى استعداد بلاده لتقديم دعم دفاعي للسعودية إذا وافق مجلس الشعب المصري على ذلك، إلى جانب تقارير عن تنسيق سعودي إماراتي بشأن اليمن، ودار بينهما النقاش حول مستقبل التحالفات الإقليمية. لذلك فقد تلجأ الرياض إلى شركائها للحصول على الإنذار المبكر، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والدعم اللوجستي، وحماية المجال الجوي والملاحة، وتوزيع الأعباء العسكرية والسياسية. في ظل عجز الجيش السعودي عن القيام بمهمات قتالية مباشرة على الجبهة، وقال مسؤولون سعوديون أن الدول الكبرى نفسها تعتمد على تحالفات دفاعية مبررين طلبهم المساعدة من الخارج.
لكن السؤال الجوهري هو ما إذا كانت هذه الشراكات ستُستخدم لحماية الأراضي السعودية وتهيئة تسوية سياسية، أم ستؤدي إلى توسيع الحرب وإدخال أطراف جديدة فيها؟.
ومع ذلك، فإن الإنفاق العسكري الضخم لا يعفي الدولة من مراجعة استراتيجيتها. فنجاح الدفاع الوطني لا يقاس بحجم الأموال والأسلحة فقط، بل بكفاءة القيادة والتدريب والجاهزية، والقدرة على حماية المواطنين وإنهاء الصراع بأقل تكلفة ممكنة.
وقد يؤدي توسُع الدعم المصري الإماراتي للقوات المناهضة لأنصار الله إلى تغيير موازين القوة في بعض الجبهات، لكنه قد يرفع أيضاً مخاطر التصعيد ويزيد الأعباء على الدول المشاركة.
وتكمن حساسية الموقف المصري في ارتباط أمن السعودية والخليج بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، مقابل مخاطر التورط في حرب طويلة ذات كلفة بشرية واقتصادية وسياسية. أما الإمارات، فتوازن بين مصالحها الأمنية والإقليمية وبين حسابات العلاقة مع الرياض والقوى اليمنية المحلية.
لذلك، لا يمكن تقييم أي تدخل محتمل من زاوية عسكرية فقط؛ بل يجب النظر إلى أهدافه، ومدته، وحدوده القانونية، واحتمالات التصعيد، وما إذا كان يخدم تسوية أم يطيل أمد الحرب.
على جضفة أخرى يقع لبنان في قلب معادلة إقليمية شديدة التعقيد بسبب المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، وعلاقة الحزب الاستراتيجية بإيران، وضعف الاقتصاد اللبناني، والانقسامات الداخلية، ومحدودية قدرة الدولة على تحمل حرب واسعة.
فإذا تعرضت إيران لهجوم أميركي إسرائيلي واسع، فقد يجد حزب الله نفسه أمام خيارات صعبة تتعلق بحجم التدخل وتوقيته وحدوده. لكن لا يمكن الجزم مسبقاً بأنه سيشارك بالحجم نفسه في كل سيناريو؛ فالقرار يتأثر بطبيعة الهجوم، وحسابات الردع، ومصالح لبنان، والضغوط السياسية والعسكرية.
وهنا تبرز ثلاثة احتمالات، احتواء التصعيد عبر الوساطات والترتيبات الأمنية؛ أو تبادل ضربات محدودة قد تتوسع نتيجة سوء التقدير؛ أو اندلاع حرب واسعة تتسبب بدمار البنية التحتية ونزوح السكان مجدداً وتفاقم الانهيار الاقتصادي. ولا تتوافر معلومات علنية كافية تسمح بالادعاء أن دوائر القرار الدولية حسمت سيناريو محدداً للبنان. لكن من المرجح أن تركز حساباتها على قدرات الأطراف، والاستعدادات العسكرية، ومواقف الدولة اللبنانية، وإمكان منع انتقال المواجهة الإيرانية الإسرائيلية إلى حرب شاملة. وتقتضي المصلحة اللبنانية حماية المدنيين لذلك ستكون حسابات حزب الله دقيقه للغايه إلا إذا فرضت عليه إسرائيل سيناريو آخر؟.
بالمُحصله تتجه المنطقة نحو مرحلة ترتفع فيها كلفة المواجهة على جميع الأطراف، من إيران وإسرائيل والولايات المتحدة إلى السعودية واليمن ولبنان. وقد يحقق كل طرف مكاسب عسكرية مؤقتة، لكن هذه المكاسب لا تضمن الاستقرار ولا تحسم الصراعات السياسية.
فالولايات المتحدة تستطيع إلحاق أضرار كبيرة بإيران، لكن ذلك لا يضمن تحقيق جميع أهدافها. وإيران تستطيع رفع كلفة الحرب على واشنطن والحاق الأذى بها ولا مفر من توقيع تفاهم او اتفاق يعترف لطهران بنفوذها وحقوقها. اما صنعاء فتستطيع إرباك الحسابات السعودية، والاستمرار في حصارها ما يجبر الرياض على رفع الرايه البيضاء والإعتراف بحقوقها، والرياض لا يكفيها استقطاب الحلفاء إذا لم تقترن قوتها باستراتيجية سياسية للخروج من عنق الزجاجه.
ويبقى لبنان الأكثر حاجة إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة لا يملك وحده قرارها أو القدرة على تحمل نتائجها.
إن الاختبار الحقيقي للقوة ليس القدرة على إشعال الحرب أو إطالة أمدها، بل القدرة على حماية الشعوب وتحويل موازين القوة إلى تسوية سياسية تضمن الأمن والسيادة والاستقرار.
بيروت في،،،18/10/2026