كتاب واراء

واشنطن وطهران أمام القرار الفاصل: الردع أم المواجهة الشاملة؟

 

 

كتب الاعلامي حسين مرتضى

 

تعيش منطقة الشرق الأوسط واحدة من أدق وأخطر المراحل الاستراتيجية في تاريخها الحديث، وهي مرحلة يمكن توصيفها بـ “لحظات اتخاذ القرار الفاصل”. ورغم أن العمليات الكبرى من هذا النوع لا تتبلور في دقائق معدودة، إلا أن طهران وواشنطن دخلتا فعلياً مرحلة حاسمة لا تحتمل التردد؛ فالامتناع عن اتخاذ القرار في هذا التوقيت هو بحد ذاته قرار كارثي يجر صاحبه ليفقد مقومات المبادرة ويكون مفعولاً به لا فاعلاً في الميدان.

 

أولاً: العقلية الاستراتيجية وتماسك القيادة الإيرانية

تُظهر طهران فهماً عميقاً ومبكراً لبنيتها الإقليمية، وتُصنف ضمن أكثر القوى خبرة في إدارة صراعات الوجود والدفاع عن السيادة أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المشتركة.

 

ورداً على السرديات الإعلامية والتصريحات الغربية التي تُروج لوجود انقسامات داخل هرم السلطة في إيران “كما يُلمح بعض المسؤولين الأمريكيين” تُدار الدولة الإيرانية وفق منظومة مركزية وغرفة عمليات موحدة وقادرة على إدارة المعركة بكفاءة وتماسك. هذا التماسك يتيح لها الاحتفاظ بزمام المبادرة وقراءة خارطة المنطقة بدقة متناهية.

 

 

ثانياً: الأفق الزمني والحسم الميداني

تشير المعطيات الميدانية إلى رفع مستويات التأهب العسكري والأمني إلى درجاتها القصوى لدى كافة الأطراف، بالتزامن مع يقين إيراني يقترب من أن واشنطن وتل أبيب تبلوران خياراتهما النهائية.

 

وفقاً لقواعد إدارة الأزمات الكبرى، تقاس التطورات حالياً بالأسابيع حصراً:

 

فرض الردع: إما عبر فرض إيران لردعها الميداني وإجبار الخصم على التراجع بحثاً عن مخرج سياسي.

 

المواجهة الشاملة: أو الذهاب نحو مسار صدامي مباشر تتوسع فيه الجبهات، ولا سيما مع دخول ساحات حاسمة كالجبهة اليمنية كعنصر جوهري في معادلة الصراع.

 

 

ثالثاً: دوافع نتنياهو والحرب النفسية الانتخابية

في المقابل، تشهد أروقة القرار حركة اتصالات مكثفة ونشاطاً استخباراتياً محموماً من قبل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تجاه الإدارة الأمريكية. وتسعى تل أبيب لإقناع واشنطن بنفاد الوقت وبضرورة شن ضربة استباقية تستهدف البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين.

 

وتعود هذه الهرولة التصعيدية إلى دوافع داخلية وانتخابية لدى نتنياهو:

 

ورقة “الأمن القومي”: يُعد ملف الأمن الورقة الانتخابية الأقوى لنتنياهو مقارنة بالملفات الاقتصادية أو التجنيد.

 

التهويل والترهيب: يستثمر نتنياهو في الحرب النفسية وإشاعة وجود أخطار وشيكة لتقديم نفسه للجمهور الداخلي كـ “المنقذ الوحيد” القادر على تحقيق الأمن.

 

 

رابعاً: استراتيجية “استهداف عقل الخصم” والتصعيد الأوروبي

لا تقف طهران موقف المتفرج، بل تتبنى حزمة إجراءات وقائية وميدانية تشمل الضغط على مراكز التفكير لدى الخصم وحرمانه من القدرة على اتخاذ قرار متماسك، من خلال إبقائه في حالة شك دائم وإرباك لأهدافه الميدانية.

 

في المقابل، تشهد الساحة الأوروبية (تحديداً في بريطانيا وفرنسا) حملات إعلامية وسياسية مكثفة تسعى لربط إيران بتهديدات أمنية واستفزازات خارجية، بهدف جرّ العواصم الغربية للضغط على واشنطن والاقتراب من الخيار العسكري.

 

 

خامساً: أوراق إيران الاستراتيجية.. أبعد من غزارة النيران

في حال الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، لا تتوقف الخيارات الإيرانية عند حدود القصف الصاروخي واستهداف القواعد والبوارج، بل تمتلك طهران أوراق ضغط فائقة الحساسية على المستوى العالمي:

 

مضيق هرمز والنفط: إغلاق الممر المائي واستهداف بنى الطاقة التحتية يؤدي لكارثة في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

 

كابلات الإنترنت البحرية: التأثير على كابلات البيانات الرئيسية السبعة التي تمر قرب الممرات المائية الحيوية بالمنطقة.

 

العقيدة النووية: إعادة النظر في العقيدة النووية والتلويح بالانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT).

 

 

خلاصة المشهد

تجد الإدارة الأمريكية نفسها بين مطرقة التعقيدات الانتخابية والضغوط الاقتصادية، وسندان الحسابات العسكرية المعقدة. تبقى كل الاحتمالات مفتوحة على كافة المسارات، بينما يظل ضبط الحسابات الدولية وسلاح الجغرافيا الاستراتيجي هما الحاكمين لما ستؤول إليه الأمور في الأيام والأسابيع القليلة القادمة.

 

 


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي