كتاب واراء

تكلم فلا أحد يسمع

 

 

كتب رياض الفرطوسي 

 

لم يكن العراقي بحاجة إلى من يشرح له معنى الصمت. تعلّمه مبكراً، في البيت والمدرسة والشارع، حتى صار أقرب إلى حاسة إضافية: يعرف أي جملة تُقال وأي جملة تُبتلع، ومن يجلس إلى جواره على المائدة.

 

في زمن البعث كان الكلام هو الجريمة. اللسان عضو خطر، وثمن حركته معروف سلفاً. ثم تبدّلت الوجوه وبقيت الملامح، وجاء عهد يقول لنا: تكلّموا. فتكلمنا. في المقاهي والصفحات والمجالس، في كل مكان إلا في المكان الذي يُصغى فيه إلى ما نقول. صرنا نطلق كلامنا كما تُطلق البالونات في السماء، ترتفع ملوّنة ثم تغيب، ولا يسأل أحد أين ذهبت ولا لمن كانت.

 

هنا يصلح أن نستعير من نيل بوستمان (ناقد إعلامي أمريكي، صاحب كتاب "التسلية حتى الموت") مقارنته الشهيرة بين جورج أورويل (روائي بريطاني، صاحب "1984") وألدوس هكسلي (روائي بريطاني، صاحب "عالم جديد شجاع"). خشي أورويل من سلطة تحرق الكتب، وخشي هكسلي من سلطة لا تحتاج إلى حرقها لأن الناس سيفقدون الرغبة في قراءتها. الأولى تحكم بالمنع، والثانية بالإغراق. ما عشناه في العراق أننا مررنا بالنموذجين على التوالي، من قاعة الصمت إلى سوق الضجيج، ووجدنا أن النتيجة واحدة: كلام كثير لا يغيّر شيئاً.

 

وربما كان الأمر أعمق من تعاقب سلطات. فالفيلسوف بيونغ-تشول هان (فيلسوف كوري ألماني، صاحب "مجتمع التعب") يرى أن القمع الحديث لم يعد يأتي من الخارج بالسوط، بل يتسلل إلى الداخل في صورة حرية. يُقنعك النظام بأنك حر، فتستنزف نفسك بنفسك وتظن أنك تمارس اختيارك. وحين تضيق بما حولك لا تجد خصماً تواجهه، فتلوم نفسك أو جارك أو القدر. وهذا ما يجعل الحرية الموهومة أخطر من الكبت الصريح، لأن الكبت يصنع ذاكرة للألم، أما الوهم فيصنع رضا.

 

وقبل ذلك بقرون كتب إتيين دي لا بويسي (فيلسوف فرنسي من القرن السادس عشر) عن (العبودية الطوعية)، وسأل سؤالاً لم يقدّم أحد جواباً قاطعاً عنه: كيف يستطيع واحد أن يتسلط على ملايين لو لم يعاونه الملايين على ذلك؟ وجاء عبد الرحمن الكواكبي (مفكر سوري من رواد النهضة، صاحب "طبائع الاستبداد") فقال شيئاً قريباً، إن الاستبداد يتغذى على جهل المحكومين، ويحرص على أن يبقوا غير مدركين لحقيقة موقعهم. المعنى أن الأمر ليس حكراً على حاكم، بل شراكة صامتة بين من يتصدر ومن يتأقلم.

 

فماذا حدث لنا؟ انتقلنا، كما يبدو لي، من «الازدراد» إلى (الاجترار). في الأولى كانت اللقمة تُفرض علينا فنبتلعها صامتين، وفي الثانية صرنا نعيد مضغ ما ابتلعناه بلا نهاية: المظالم نفسها، والأحاديث نفسها، والخيبات نفسها. نتشاجر حولها ونتحمس ونملّ، وتبقى مكانها. الاجترار حركة بلا انتقال، يشبه الحياة من بعيد.

 

والمجتمع الذي يصل إلى هذه الحال يُصنع، لا يولد هكذا. يُصنع بوعي مستلب ومواد حافظة، من خوف قديم وتعليم يلقّن ولا يسائل وإعلام يشغل ولا يُنوّر، تتيح له البقاء طويلاً، كما تُحفظ المومياء. وما تحتاجه المومياء ليس العلاج، بل المتحف، مكان محكم تُحجب عنه كل رياح التغيير. فهي لا تخشى الموت، بل تخشى الأوكسجين، لأنه وحده القادر على إعادتها إلى الحياة.

 

وأنسي الحاج (شاعر لبناني من رواد قصيدة النثر العربية)، حين تحدث عن التغيير، أشار إلى أنه لا يأتي من الخارج مهما انتظرناه، بل ينبثق من الداخل. وهذا الكلام جميل ومخيف معاً: جميل لأنه يعيد إلينا القدرة، ومخيف لأنه ينزع عنا العذر. فلا منقذ يأتي، ولا لحظة سحرية تقلب الصورة، وإنما هي أفعال صغيرة متراكمة: سؤال يُطرح بدل أن يُكتم، وقراءة تُنجز بدل أن تؤجل، وحوار يُسمع فيه الآخر قبل أن يُرد عليه، ومساحة يُدافع عنها بصبر.

 

ولا أزعم أن هذا مضمون الحدوث. فقد تطول الغيبوبة، وقد يختار كثيرون البقاء في المتحف مطمئنين إلى زجاجه. لكن بين اليقين واليأس مساحة اسمها المحاولة، وهي المساحة الوحيدة التي لا يستطيع أحد أن يصادرها كلها. فالكلمة التي تُقال إلى فراغ تبقى كلمة، أما الصمت فلا يترك شيئاً.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي