كتاب واراء

 خطبة الشيخ علي الخطيب وتحذير القرآن من استبدال الأمم التي تتخلى عن مسؤوليتها

من رحاب المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى:

 

 خطبة الشيخ علي الخطيب وتحذير القرآن من استبدال الأمم التي تتخلى عن مسؤوليتها

 

كتب / 

سعيد فارس السعيد

 

 

في خطبة الجمعة بتاريخ 16 تشرين الأول 2026، تبرز المعاني الإيمانية والوطنية التي تناولها سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، بوصفها دعوة إلى التأمل في واقع الأمة ومسؤوليتها عن مصيرها، في ضوء الهدي القرآني الذي يحذّر من التنازع، ويدعو إلى طاعة الله ورسوله، والتعاون على البر والتقوى، والتمسك بالسلم ووحدة الصف.

لكن بين هذه المعاني القرآنية تبرز آية تحمل تحذيرًا بالغ الدلالة، ينبغي أن يتوقف عنده العرب والمسلمون طويلًا، وأن يقرؤوه باعتباره دعوة إلى مراجعة الذات قبل فوات الأوان، لا مجرد آية تُتلى من دون أن تتحول إلى موقف وعمل.

يقول الله تعالى في سورة محمد:

 

﴿هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ۖ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.

 

إنها آية تضع الإنسان والأمة أمام حقيقة لا يجوز تجاهلها: 

إن دين الله لا يتوقف على قوم، وإن مسؤولية حمل الأمانة ليست امتيازًا أبديًا، وإن من يتولى عن واجباته ويفرّط في طاعة الله والعمل بما أمر به، لا يمنحه تاريخه أو اسمه أو ثروته ضمانة للبقاء في موقعه.

ومن هنا، فإن الرسالة التي نستخلصها من محاور الخطبة تتجاوز حدود الوعظ، لتصبح دعوة إلى محاسبة الذات، وإعادة النظر في أسباب ضعف الأمة، وفي الفجوة الكبيرة بين ما تمتلكه من ثروات وإمكانات وما تعانيه من انقسام وجهل وتراجع في ميادين العلم والعمل والإنتاج.

 

أولًا:

 الاستبدال الإلهي...

 

 حين تتخلى الأمة عن مسؤوليتها

إن قوله تعالى:

 ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾

 ليس تفصيلًا هامشيًا في الخطاب القرآني، بل تحذير شديد من التولي عن الإيمان والطاعة والتكاليف التي تترتب عليهما.

فالآية، في سياقها، تربط بين البخل بالتكاليف المالية والتولي عن طاعة الله، وتؤكد أن الله غني عن خلقه، وأن البشر هم المحتاجون إلى هدايته ورحمته. وقد أورد الطبري في تفسيرها أن الله قادر على أن يأتي بقوم آخرين يطيعونه ولا يكونون مثل من تولّى عن أمره.

 

وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا، نحن العرب والمسلمين: هل نؤدي مسؤولية الإيمان كما ينبغي؟ وهل نستخدم ما وهبنا الله من ثروات وعقول ومواقع وإمكانات لبناء الإنسان وحماية المجتمع وتحقيق العدل، أم نبددها في صراعاتنا وانقساماتنا وحساباتنا الضيقة؟

إن الاستبدال في الآية تحذير من أن المكانة لا تُصان بمجرد الانتساب، وأن الأمانة لا يحملها الاسم وحده، وأن من يتخلى عن مقتضياتها قد يفسح المجال لغيره ليحملها بصورة أفضل.

ولا يجوز الجزم بأن الآية تعيّن العرب أو المسلمين وحدهم بوصفهم المقصودين بالاستبدال، أو تحديد قوم بعينهم على أنهم البديل؛ لكن التحذير القرآني موجّه إلينا جميعًا كي لا نغتر بتاريخنا، ولا نعدّ ثرواتنا أو كثرة أعدادنا أو مكانتنا ضمانة دائمة، فيما نتخلى عن الواجبات التي تمنح هذه النعم معناها وقيمتها.

فالسؤال الأخطر ليس: من سيأتي بعدنا؟ 

 

بل: ماذا نفعل نحن اليوم حتى لا نكون ممن فرّطوا بالأمانة واستحقوا التحذير؟

ثانيًا: العرب والمسلمون يدمّرون أنفسهم بأيديهم

إن ما نشهده في أجزاء واسعة من عالمنا العربي والإسلامي يدعونا إلى مصارحة أنفسنا بلا مجاملة: إننا لا نخسر بسبب ما يفعله الآخرون بنا وحده، بل نخسر أيضًا عندما نضعف أنفسنا من الداخل، ونحوّل خلافاتنا إلى صراعات، وثرواتنا إلى أسباب للتنافس المدمر، وإمكاناتنا البشرية إلى طاقات معطلة أو مهاجرة.

إننا، في كثير من الحالات، نتصرف وكأننا ننتحر جماعيًا؛ لا بالمعنى الحرفي، بل بمعنى أننا نهدم بأيدينا شروط قوتنا ومستقبل أبنائنا.

نمتلك ثروات طبيعية هائلة، لكن امتلاك الثروة لا يعني بالضرورة امتلاك المعرفة التي تحسن إدارتها، ولا يعني بناء اقتصاد منتج، أو منظومة تعليم متقدمة، أو مؤسسات قادرة على حماية المال العام وتوجيهه نحو التنمية.

ونمتلك طاقات بشرية وعقولًا شابة، لكننا نخسر قسمًا منها عندما تتراجع فرص العلم والعمل، أو تتقدم المحسوبيات على الكفاءة، أو تصبح الولاءات الضيقة أقوى من الانتماء إلى الوطن والمصلحة العامة.

ونملك تاريخًا حضاريًا عظيمًا، لكن التاريخ لا يعوّض عن غياب البحث العلمي، ولا يصنع المستقبل إذا اكتفينا بالفخر بالماضي ولم نحول دروسه إلى معرفة وإنتاج وإبداع.

والأشد خطورة أن تتبدد ثرواتنا وطاقاتنا في الحروب والانقسامات والخصومات المذهبية والسياسية، بينما يحتاج الإنسان العربي والمسلم إلى التعليم والصحة والعمل والسكن والأمان والعدالة.

إن الثروة التي لا تتحول إلى معرفة وتنمية تصبح فرصة مهدورة، والقوة التي لا تضبطها الحكمة قد تتحول إلى أداة هدم، والإيمان الذي لا ينعكس عدلًا ورحمة ومسؤولية يفقد أثره في إصلاح حياة الناس.

ولا يعني هذا أن جميع المجتمعات العربية والإسلامية متشابهة، أو أن أسباب أزماتها واحدة؛

 

 فهناك عوامل خارجية وصراعات وتدخلات وظروف تاريخية واقتصادية معقدة. لكن الاعتراف بهذه العوامل لا يعفينا من مراجعة أخطائنا الداخلية، ولا يبرر استمرار الانقسام أو سوء إدارة الثروات أو إهمال العلم والعمل.

فلا يجوز أن نجعل الآخرين مسؤولين عن كل إخفاق، فيما نرفض الاعتراف بما نصنعه نحن بأيدينا من أسباب الضعف.

 

ثالثًا: 

«ولا تنازعوا»... القرآن يحذّر من صناعة الهزيمة من الداخل

يقول الله تعالى:

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

إن هذه الآية تضع علاقة واضحة بين الطاعة، وتجنب التنازع، والحفاظ على القوة. وقد شرح المفسرون معنى ذهاب الريح بذهاب القوة والمنعة والنصر، في دلالة على أن الانقسام يضعف قدرة الجماعة على تحقيق أهدافها ومواجهة الأخطار. 

 

وهنا تلتقي الآية مع واقع العرب والمسلمين؛ فكم من طاقة أُهدرت بسبب خلافات كان يمكن إدارتها بالحوار؟ وكم من فرصة للتنمية ضاعت بسبب الصراع على النفوذ؟ وكم من مجتمع استنزف موارده في مواجهة أبنائه بدلًا من توجيهها إلى العلم والإنتاج وحماية الإنسان؟

إن الاختلاف في الرأي ليس عيبًا، والتعدد ليس ضعفًا، لكن تحويل الاختلاف إلى عداوة، والمنافسة إلى إقصاء، والانتماء إلى تعصب أعمى، هو ما يبدد القوة ويمنح الأزمات فرصة للتوسع.

ولا تعني طاعة الله ورسوله تبرير أخطاء البشر أو تعطيل العقل، بل تعني الالتزام بما أمر الله به من عدل وأمانة ورحمة، والابتعاد عما نهى عنه من ظلم وعدوان وفساد. فالإيمان مسؤولية أخلاقية وعملية، وليس غطاءً للمصالح الشخصية أو الولاءات التي تتعارض مع حقوق الناس.

إن الأمة التي تريد أن تستعيد قوتها لا يكفيها أن ترفع شعارات الوحدة؛ عليها أن تمارسها، وأن تحترم اختلاف أبنائها، وأن تجعل الحوار بديلًا عن التحريض، والمؤسسات بديلًا عن الفوضى، والقانون والعدالة بديلين عن الانتقام والإقصاء.

رابعًا: الثروات أمانة... وليست ضمانة للنجاة

إن من أكثر المفارقات إيلامًا أن تمتلك مجتمعاتنا موارد طبيعية كبيرة، فيما تعاني قطاعات من شعوبها الفقر والبطالة وضعف الخدمات، وأن تنفق موارد هائلة على التسلح والصراعات، بينما تحتاج إلى الاستثمار في الإنسان والتعليم والصحة والبحث العلمي.

والثروة في المنظور القرآني ليست مجرد امتلاك، بل أمانة ومسؤولية، ويكتسب هذا المعنى أهمية خاصة في الآية التي تسبق الحديث عن الاستبدال، حين تربط بين الدعوة إلى الإنفاق والبخل والتولي عن الواجب.

فالله سبحانه وتعالى غني عن أموال البشر، والإنسان هو المحتاج إلى الهداية والتوفيق، ولذلك فإن البخل بالمال عن وجوه الخير لا يضر بالله، بل يحرم الإنسان والمجتمع من فرص النفع والإصلاح.

ومن هنا، فإن المسؤولية تقتضي إدارة الثروات بشفافية، ومكافحة الفساد، وتوجيه الموارد إلى التنمية، وإتاحة فرص عادلة للتعليم والعمل، ودعم الإنتاج والابتكار، ومساعدة الفئات الضعيفة، وبناء مؤسسات تحمي المال العام وتخدم المواطنين.

ولا يكفي أن نتحدث عن ثروات الأمة إذا لم نسأل: ماذا أنتجنا بها؟ وكم فرصة عمل خلقناها؟ وكم مدرسة وجامعة ومركز أبحاث بنينا؟ وكم مريضًا عالجنا؟ وكم أسرة حمتها سياسات عادلة؟ وكم جسرًا من التعاون بنينا بين مجتمعاتنا؟

إن الثروة التي لا تخدم الإنسان قد تتحول إلى رقم كبير في الحسابات، لكنها تظل صغيرة في ميزان النهضة والكرامة.

خامسًا: الجهل وغياب العلم والتعاون... طريق إلى تضييع المكانة

لا يمكن لأمة أن تحافظ على مكانتها إذا أهملت العلم، أو ضيّقت على التفكير، أو جعلت الولاء بديلًا عن الكفاءة، أو تعاملت مع المعرفة باعتبارها أمرًا ثانويًا.

فالجهل ليس مجرد نقص في المعلومات، بل قد يتحول إلى عجز عن فهم الواقع، وسوء تقدير للمخاطر، وقابلية للاستغلال والتحريض، وإهدار للفرص. أما العلم فلا يثمر وحده ما لم تدعمه مؤسسات عادلة، وحرية مسؤولة في البحث، واستثمار في الإنسان، وتعاون بين الجامعات ومراكز المعرفة والاقتصاد.

وكذلك فإن التعاون ليس خيارًا ثانويًا في عالم تتداخل فيه المصالح والاقتصادات والتقنيات، بل ضرورة لبناء قدرة حقيقية على المنافسة والتقدم.

إن أمة تملك الثروة والعقول والمواقع الجغرافية، لكنها تعجز عن التعاون في التعليم والبحث والإنتاج والتجارة ومعالجة الأزمات، تترك جانبًا كبيرًا من قدرتها معطلًا، وتمنح غيرها فرصًا أوسع للتقدم.

وهذا هو أحد المعاني التي ينبغي أن نتوقف عندها في ضوء التحذير القرآني من الاستبدال: لا قيمة دائمة لمكانة لا تحميها المعرفة والعمل والأمانة، ولا يكفي الانتساب إلى حضارة عظيمة إذا لم نحمل مسؤولية تطويرها وتجديدها.

سادسًا: الإيمان والطاعة والتعاون... شروط النهوض لا شعاراته

يقول الله تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

ويقول سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.

تضع هاتان الآيتان طريقًا واضحًا للخروج من دوائر التنازع: التعاون على الخير، والابتعاد عن العدوان، واعتماد السلم في العلاقات والمواقف.

لكن التعاون المطلوب لا يقتصر على المبادرات الفردية أو المساعدات الآنية؛ بل يشمل التعاون في بناء المؤسسات، وتطوير التعليم، ومواجهة الفساد، وحماية الحقوق، وتبادل المعرفة، وإقامة علاقات عربية وإسلامية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

كما أن الطاعة لا تنفصل عن تحمل المسؤولية، ولا يصح اختزالها في أقوال أو مظاهر؛ فمقتضيات الإيمان تشمل الأمانة والعدل والوفاء بالحقوق، وتحمّل المسؤولية تجاه الفقراء والضعفاء، وعدم الإضرار بالمجتمع أو استنزاف ثرواته.

إن الإيمان الذي يدعو إلى البر لا ينسجم مع الفساد، والطاعة التي تأمر بالعدل لا تبرر الظلم، والدعوة إلى وحدة الأمة لا تنسجم مع التحريض المذهبي أو احتقار الآخرين.

ومن هنا، فإن تجديد حضور الإيمان في حياتنا يبدأ حين يتحول إلى عمل: في الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ومكان العمل، والإدارة العامة، والعلاقات بين الدول والمجتمعات.

سابعًا: ماذا تعني هذه الرسالة للبنان؟

في لبنان، تتقاطع هذه المعاني القرآنية مع واقع يواجه فيه المواطنون آثار الحروب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتحمل عائلات كثيرة أعباء النزوح وفقدان مصادر الرزق وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية.

ومن هنا، فإن التحذير من التنازع ليس بعيدًا عن واقعنا الوطني؛ فلبنان يحتاج إلى حماية السلم الأهلي، وتعزيز الثقة بين مكوناته، وتقديم مصلحة المواطنين على الحسابات الضيقة، وتوجيه الجهود إلى إعادة الإعمار ودعم المتضررين واستعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

كما أن التعاون على البر والتقوى يعني أن تتضافر جهود المؤسسات الرسمية والدينية والاجتماعية والأهلية، وأن تتقدم حاجات الإنسان على الخلافات، وأن تُصان حقوق المواطنين وكرامتهم من دون تمييز.

وفي هذا السياق، يبرز دور المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بما يحمله من إرث ديني ووطني ارتبط بالإمام السيد موسى الصدر، في تعزيز الحوار والتكافل والعيش المشترك، وتأكيد أن صون حقوق أبناء الطائفة لا ينفصل عن الشراكة الوطنية واحترام حقوق جميع اللبنانيين.

وتكتسب رسالة سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب أهمية في هذا الإطار، لأنها تضع القيم الدينية في صلة مباشرة بمسؤولية المجتمع والوطن: وحدة تحمي من الانقسام، وتعاون يخفف المعاناة، وسلام يصون الإنسان، وإيمان يترجم إلى عدل ورحمة وعمل.

فلبنان، مثل سائر المجتمعات العربية، لا يحتاج إلى مزيد من استنزاف طاقاته في الخصومات، بل إلى إدارة رشيدة لموارده، ومؤسسات فاعلة، وفرص عمل، وتعليم جيد، وشراكة تحمي حقوق المواطنين وتمنح الأجيال الجديدة أملًا بمستقبل أفضل.

خاتمة: هل نحمل الأمانة أم نترك غيرنا يحملها؟

إن الرسالة الأعمق التي ينبغي أن نتوقف عندها في ضوء خطبة سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، ومحاورها القرآنية، هي أن الإيمان ليس ضمانة تمنح الإنسان أو الأمة مكانة أبدية مهما فعلوا، وأن التاريخ والثروة والكثرة لا تعوّض عن التفريط بالمسؤولية.

لقد حذّر القرآن من التنازع الذي يذهب بالقوة، ودعا إلى التعاون على البر والتقوى، وأمر بالدخول في السلم، وأكد وحدة الأمة، ثم وضع أمامنا التحذير الصريح:

﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.

إنها دعوة إلى أن نراجع أنفسنا قبل أن نلوم الآخرين، وأن نسأل عن واجباتنا قبل أن نتحدث عن حقوقنا، وأن نضع العلم والعمل والعدل والتعاون في صلب مشروعنا للنهوض.

فالعرب والمسلمون لا يجوز أن يستمروا في تبديد ثرواتهم، وإهدار عقولهم، واستنزاف مجتمعاتهم في صراعاتهم، ثم يتساءلوا عن أسباب تراجعهم. ولا يجوز أن يكتفوا بالفخر بماضيهم فيما يتركون حاضرهم ومستقبل أبنائهم عرضة للجهل والفساد والانقسام.

إننا لا ننتحر حين نفقد الثروة وحدها، بل حين نسيء إدارتها؛ ولا حين نختلف فحسب، بل حين نجعل خلافاتنا طريقًا إلى تدمير مجتمعاتنا؛ ولا حين نضعف وحدنا، بل حين نرفض التعلم من أخطائنا والتعاون على إصلاحها.

ولا يعني التحذير من الاستبدال إعلان اليأس من الأمة، بل على العكس، إنه نداء لإيقاظها قبل فوات الأوان: ما زالت أمامنا فرصة أن نحول الثروة إلى تنمية، والعلم إلى قوة، والإيمان إلى عدل، والاختلاف إلى حوار، والتعاون إلى مشروع نهضة.

إن الله لا يحتاج إلى أمة بعينها كي يقيم دينه، ولا تتوقف سننه على أسماء الشعوب وأنسابها وتاريخها. أما نحن، فنحتاج إلى طاعته، وإلى العمل بما أمر به، وإلى الوفاء بأمانة الإنسان والعمران والعدل.

فإما أن ننهض بمسؤولية الإيمان، ونصون ثرواتنا، ونحترم عقولنا، ونتعاون على الخير، ونحمي وحدة مجتمعاتنا؛ وإما أن نواصل إهدار ما نملك، فنترك لغيرنا فرصة حمل الأمانة التي فرّطنا بها.

وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في ضمير العرب والمسلمين: لا مكانة دائمة بلا مسؤولية، ولا قوة مستدامة بلا علم وعمل، ولا نهضة بلا طاعة وعدل وتعاون، ولا قيمة للانتساب إلى الإيمان إذا لم يظهر أثره في حياة الإنسان وكرامته ومستقبل وطنه.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب باحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني

صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام

تاريخ النشر: 16 تشرين الأول 2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي