كتب / نبيل الشريف:
منذ عام 2011، استقبل لبنان أكثر من مليون سوري لجؤوا إليه بسبب الحرب في سورية، واستفادت أعداد كبيرة منهم من برامج المساعدات والرعاية التي تقدمها الجهات الرسمية والمنظمات الدولية والإنسانية، وفق البرامج والمعايير المعتمدة.
لكن خلف هذا المشهد الإنساني، تبرز معاناة فئة سورية لا تحظى، بحسب المعطيات المتوافرة، بالاهتمام والمتابعة نفسيهما؛ وهم السوريون الشيعة المقيمون في لبنان، الذين لم يتجاوز عددهم مئة ألف نسمة خلال السنتين الماضيتين.
تعيش أسر من هذه الفئة ظروفًا معيشية صعبة، وتواجه مشكلات في الإقامة والوثائق ومخاوف من الترحيل، فيما تضم بينها أيتامًا ونساءً معيلات وجرحى وأشخاصًا ذوي إعاقة يحتاجون إلى الرعاية الصحية والاجتماعية. وتزداد معاناة هذه الأسر عندما لا تجد جهة واضحة تتوجه إليها، أو قناة مباشرة تتيح لها شرح أوضاعها ومتابعة قضاياها.
وهنا يبرز التناقض الذي يستحق التوقف عنده: كيف تتوافر برامج واسعة للرعاية والمساعدة لفئات من السوريين المقيمين في لبنان منذ عام 2011، بينما يشعر سوريون شيعة بأنهم خارج دائرة الاهتمام، رغم ما يواجهونه من احتياجات إنسانية ومعيشية؟
إن المقارنة هنا ليست دعوة إلى الانتقاص من حقوق أي سوري، ولا إلى المفاضلة بين إنسان وآخر، بل إلى فهم أسباب هذا التفاوت في الوصول إلى الرعاية والمتابعة. وإذا كانت هناك عوائق إدارية أو اختلافات في شروط الاستفادة من البرامج، فمن حق المتضررين أن تتضح لهم أسبابها، وأن تتاح لهم فرص عادلة لعرض حالاتهم ومراجعتها.
أما إذا كانت الانتماءات الطائفية تؤثر في فرص الوصول إلى المساعدة أو في مستوى الاهتمام بالحالات الإنسانية، فإن ذلك يثير مخاوف جدية تستوجب التحقق والمعالجة. فالعدالة لا تُقاس بعدد المستفيدين وحده، بل أيضًا بوضوح المعايير، وإمكان الوصول إلى الجهات المختصة، وعدم ترك الفئات الأقل قدرة على إيصال صوتها من دون متابعة.
إن السوريين الشيعة في لبنان ليسوا أرقامًا هامشية، بل عائلات وأطفال وأشخاص أنهكتهم ظروف الحرب والفقر والقلق على المستقبل. بعضهم يحتاج إلى مساعدة عاجلة، وبعضهم إلى حل لمشكلة إقامة أو وثائق، وبعضهم إلى جهة تستمع إليه وتوضح له الخيارات المتاحة وفق القوانين.
إن المعالجة لا تحتاج إلى شعارات كبيرة، بل إلى متابعة إنسانية واضحة، وإتاحة قنوات للشكاوى والمراجعات، والتعاون بين الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية لتقييم الاحتياجات الفعلية، وضمان أن تكون المساعدة متاحة وفق معايير معلنة وعادلة.
إن إنصاف السوريين الشيعة في لبنان ليس مطلبًا فئويًا، ولا دعوة إلى تفضيل جماعة على أخرى، بل هو اختبار لعدالة المعايير الإنسانية وصدق التضامن بين البشر. فالدولة التي تحرص على كرامة الإنسان مطالبة بأن تتيح لكل محتاج فرصة الوصول إلى الرعاية، وأن تضمن وضوح الإجراءات وعدالة التعامل، بعيدًا عن الطائفة والانتماء والاعتبارات السياسية.
واستمرار معاناة أسر سورية شيعية من الفقر ومشكلات الإقامة ومخاوف الترحيل، في ظل شعورها بغياب المتابعة، يستدعي مراجعة جادة تكشف أسباب هذا الواقع وتفتح أبواب المعالجة. فلا يجوز أن تتحول قلة العدد أو ضعف الصوت إلى سبب لتراجع الاهتمام، ولا أن تبقى معاناة الأيتام والنساء المعيلات والجرحى والأشخاص ذوي الإعاقة خارج دائرة الأولويات الإنسانية.
إن لبنان، بما يحمله من تجربة طويلة في التعامل مع الأزمات والنزوح، يستطيع أن يجعل العدالة في الرعاية عنوانًا يحمي المجتمع ويعزز الثقة بالمؤسسات. كما أن مسؤولية الجهات الإنسانية لا تكتمل إلا بوصول المساعدة إلى من يحتاج إليها فعلًا، وفق معايير واضحة ومنصفة.
فالإنسان لا يفقد حقه في الكرامة لأنه ينتمي إلى طائفة معينة، ولا ينبغي أن يصبح ضعيف الصوت أقل حظًا في الرعاية. إنصاف السوريين الشيعة المحتاجين هو جزء من إنصاف كل إنسان، وحماية كرامتهم ليست امتيازًا يُمنح، بل واجب إنساني وأخلاقي.
وغايتنا أن يعيش الجميع بكرامة وأمان، وأن تُعالج المشكلات بالقانون والعدل، لا بالتجاهل أو التمييز، وأن يبقى التضامن الإنساني جسرًا بين الناس لا حاجزًا يفصل بينهم.
نبيل الشريف
16 تشرين الأول 2026