بحث في النشأة والعقيدة والتاريخ والقيادة والتحالفات حتى أكتوبر 2026
بقلم الباحث والكاتب : أمين السكافي .
أولاً: من هم أنصار الله؟
أنصار الله، المعروفون إعلامياً وسياسياً باسم الحوثيين، حركة دينية وسياسية وعسكرية يمنية نشأت في شمال اليمن، واتخذت من محافظة صعدة مركزاً أساسياً لها، قبل أن تتحول إلى قوة تسيطر على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من البلاد. ويعني اسم «أنصار الله» مؤيدي الله أو ناصريه، أما تسمية «الحوثيين» فتعود إلى أسرة الحوثي التي برزت في تأسيس الحركة وقيادتها.
لم تظهر الحركة فجأة نتيجة الحرب السعودية اليمنية عام 2015، بل سبقتها عقود من التحولات الدينية والسياسية والاجتماعية، كان من أبرزها سقوط الإمامة الزيدية عام 1962، وتراجع نفوذ المؤسسات الدينية الزيدية، وتصاعد التنافس على هوية اليمن ومستقبله السياسي.
ثانياً: الجذور المذهبية والعقيدة
ينتمي أنصار الله إلى المذهب الزيدي، وهو أحد فروع التشيع الإسلامي الذي ترسخ تاريخياً في شمال اليمن منذ القرن التاسع الميلادي، وحكمت الإمامة الزيدية مناطق واسعة منه قروناً، حتى سقوطها مع قيام الجمهورية عام 1962.
ويختلف المذهب الزيدي عن المذهب الاثني عشري السائد في إيران؛ فالزيدية لا تؤمن بسلسلة الأئمة الاثني عشر وفق التصور الاثني عشري، ولها تقاليد فقهية وكلامية متميزة، كما اقتربت بعض مدارسها تاريخياً من مدارس أهل السنة في عدد من المسائل.
أما أنصار الله بصورتهم المعاصرة، فقد جمعوا بين إحياء الهوية الزيدية، ومناهضة النفوذ الأميركي والإسرائيلي، ورفض ما يعتبرونه هيمنة خارجية على القرار اليمني. ويتضمن خطابهم شعارات دينية وسياسية حادة، أبرزها العداء للولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن من الضروري التمييز بين الزيدية بوصفها مذهباً دينياً له تاريخ واسع وتنوع داخلي، وبين حركة أنصار الله بوصفها تنظيماً سياسياً وعسكرياً؛ فليس كل زيدي حوثياً، ولا تمثل الحركة جميع أبناء المذهب.
كذلك لا تتطابق عقيدة أنصار الله تماماً مع العقيدة الاثني عشرية الإيرانية، رغم تأثرهم ببعض أفكار الثورة الإيرانية ونموذجها السياسي، وتطور علاقاتهم بطهران. ثالثاً: كيف تأسست الحركة؟
تعود بدايات الحركة إلى ثمانينيات القرن العشرين، عندما نشطت مبادرات لإحياء التعليم والهوية الزيدية في صعدة، في مواجهة تراجع نفوذها وانتشار تيارات دينية منافسة. وكان بدر الدين الحوثي، العالم الزيدي، من أبرز الشخصيات المؤثرة في هذا المسار، إلى جانب ابنه حسين بدر الدين الحوثي.
وفي تسعينيات القرن الماضي، برز تنظيم «الشباب المؤمن»، الذي اهتم بالتعليم الديني واستعادة التراث الزيدي. ثم اتجه حسين الحوثي إلى مسار سياسي أكثر صدامية مع حكومة الرئيس علي عبد الله صالح، حتى اندلعت المواجهات المسلحة عام 2004، وقُتل حسين في سبتمبر من العام نفسه.
تولى بدر الدين الحوثي دوراً قيادياً بعده، ثم برز ابنه عبد الملك الحوثي قائداً للحركة. وشهدت الفترة بين 2004 و2010 ست جولات من القتال بين الحكومة اليمنية والحوثيين، قبل أن تتسع الحركة مستفيدة من المظالم المحلية وضعف الدولة.
رابعاً: من صعدة إلى صنعاء
شكّلت انتفاضة 2011 نقطة تحول، إذ أضعفت سلطة صالح وفتحت الباب أمام صراعات على الحكم. وفي سبتمبر 2014 دخل أنصار الله صنعاء، ثم أحكموا قبضتهم على مؤسسات السلطة مطلع 2015، ما أدى إلى مغادرة الرئيس عبد ربه منصور هادي، واندلاع التدخل العسكري بقيادة السعودية في مارس 2015.
وفي ديسمبر 2017 انتهى تحالف الحوثيين مع صالح بمواجهات مسلحة قُتل خلالها الرئيس السابق. ومنذ ذلك الحين، عززت الحركة سيطرتها على صنعاء ومناطق شمالية غربية مكتظة بالسكان، وأقامت سلطة إدارية وأمنية خاصة بها، فيما بقيت مناطق أخرى تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً وقوى محلية متعددة.
خامساً: أين يتواجدون؟ ومن هم حلفاؤهم وخصومهم؟
يتركز نفوذ أنصار الله في صنعاء وصعدة والحديدة وأجزاء من عمران وحجة وذمار ومحافظات أخرى في الشمال والغرب. وتمنحهم السيطرة على مناطق ساحلية مطلة على البحر الأحمر أهمية استراتيجية، لكن السيطرة على الأراضي اليمنية لا تزال موزعة بين قوى متنافسة.
إقليمياً، تُعد إيران أبرز داعمي الحركة، وقد أسهم الدعم الإيراني العسكري والتقني في تطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرة. كما تطورت صلاتها بحزب الله اللبناني، في إطار تقاطع المصالح والخطاب السياسي والعسكري، من دون أن يعني ذلك تطابقاً كاملاً في القرار أو البنية التنظيمية.
أما خصومها، فيشملون الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وقوى يمنية محلية مناوئة لها، والسعودية التي قادت التدخل العسكري ضدها، والولايات المتحدة وإسرائيل اللتين استهدفتا مواقع مرتبطة بها في سياق التصعيد الإقليمي. وتبقى العلاقة مع القبائل اليمنية متغيرة، إذ تتداخل فيها المصالح المحلية والتحالفات السياسية والضغوط الاقتصادية.
سادساً: أبرز القيادات
* عبد الملك الحوثي: القائد الأبرز للحركة وصاحب الكلمة العليا في توجهاتها السياسية والعسكرية.
* حسين بدر الدين الحوثي: مؤسس الحركة بصورتها السياسية الصدامية الحديثة، وقُتل عام 2004.
* بدر الدين الحوثي: العالم الزيدي الذي أسهم في تشكيل الخلفية الفكرية للحركة، وتوفي عام 2010.
* مهدي المشاط: من أبرز الوجوه السياسية في السلطة التي يديرها أنصار الله في صنعاء، وتولى رئاسة المجلس السياسي الأعلى.
سابعاً: أنصار الله حتى أكتوبر 2026
تحولت الحركة من تيار إحياء ديني محلي إلى قوة عسكرية وسياسية ذات امتداد إقليمي. وبعد هجمات البحر الأحمر التي ربطتها الحركة بحرب غزة منذ أواخر 2023، اتسع حضورها في حسابات الأمن البحري والتنافس الدولي. وفي عام 2026 عاد التصعيد العسكري بينها وبين القوى المناوئة لها، مع استمرار التوتر مع السعودية وتداخل المواجهات اليمنية مع الصراع الإقليمي.
ومع ذلك، فإن فهم أنصار الله لا يكتمل بوصفهم مجرد امتداد لإيران، ولا بتقديمهم ممثلين لجميع اليمنيين. إنهم حركة ذات جذور يمنية ومشروع سياسي خاص، توسعت قوتها في ظل انهيار الدولة والحرب، لكنها تواجه أيضاً أسئلة تتعلق بالتعددية السياسية واحتكار السلاح وإدارة الاقتصاد وحقوق السكان.
الخلاصة: إن أنصار الله نتاج تاريخ يمني طويل من التحولات المذهبية والسياسية والصراعات على السلطة. ولا يمكن فهم حاضرهم من دون الجمع بين جذورهم الزيدية، وحروب صعدة، وسقوط صنعاء، والتدخل السعودي، والدعم الإيراني، والانقسام الداخلي. أما مستقبلهم، فيرتبط بقدرة اليمنيين على الوصول إلى تسوية تحفظ وحدة البلاد، وتنهي الحرب، وتعيد القرار السياسي إلى مؤسسات وطنية جامع .