ألقى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في مقر المجلس، طريق المطار، في ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦م. خطبة الجمعة وقد جاء فيها ما يلي:
الطمأنينة والاستقرار وبناء الدولة
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله، سيدنا وحبيبنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الأخيار المنتجبين، ومن والاه واتّبعه بإحسان إلى يوم الدين.
الطمأنينة
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
تتناول هذه الآية الكريمة قضية أساسية في حياة الإنسان، هي الطمأنينة التي ينشدها في عالم تتزايد فيه مشاعر الخوف والقلق والاكتئاب، وتتصاعد فيه الصراعات والنزاعات وأعمال القتل والعدوان. وهي تهدينا إلى سبيل الخروج من القلق إلى سكينة القلب، ومن الاضطراب إلى الاستقرار؛ فالاستقرار النفسي خطوة أساسية في بناء الطمأنينة، والطمأنينة بدورها ركيزة ضرورية لحياة الإنسان المتوازنة والفاعلة.
إن الكون قائم على نظام دقيق تتكامل فيه السنن والعلاقات التي تحفظ استمراره وانتظامه. ولولا هذا النظام، لتحولت الحياة إلى فوضى، ولتعذّر استمرارها بالصورة التي نعرفها. ولم يخلق الله الإنسان عبثًا، ولم يتركه بلا غاية، بل حمّله مسؤولية خلافة الأرض وإعمارها، ودعاه إلى القيام بدوره في بناء الحياة وصون مقوماتها. وهذه المسؤولية لا تقتصر على الفرد وحده، بل تشمل الجماعات البشرية والمجتمعات والدول، إذ لا يتحقق الاستقرار الحقيقي إلا حين تتكامل الأدوار، وتنتظم العلاقات، وتنسجم القيم والممارسات مع متطلبات الحياة الإنسانية الكريمة.
ومن هنا تبرز أهمية العامل النفسي في تحقيق الاستقرار؛ فهو يؤثر في نظرة الإنسان إلى نفسه والعالم، وفي فهمه لوجوده وغاياته ومسؤولياته. فما الذي يدفع الإنسان إلى الحياة؟ وما الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها؟ وما الغاية التي من أجلها خُلق؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تشكّل أساسًا فيد بناء الرؤية التي تمنح الحياة معناها، وتساعد الإنسان على مواجهة الصعوبات بثبات ووعي.
الإيمان والأمان
لا يمكن أن يكون عمل الإنسان هادفًا على نحو متكامل إذا افتقر إلى رؤية واضحة وعقيدة راسخة تمنحانه الشعور بالمعنى والاتزان. فحتى في الظروف التي يسودها الاضطراب، يستطيع المؤمن أن يحافظ على قدر من الطمأنينة والاستقرار النفسي، مستندًا إلى إيمانه بالله تعالى وثقته بحكمته وعدله.
نحن نعيش في ظل ما نشهده من ظلم وعدوان، وهي ظروف قد تولّد الخوف والقلق لدى الإنسان، ولا سيما حين يشعر بالعجز عن تغيير واقعه أو التحكم في مجريات الأحداث. غير أن الإيمان يمنح الإنسان قدرة على مواجهة المحن، ويعينه على التمسك بالأمل والثبات. ونرى في أهلنا المؤمنين، على الرغم مما مرّوا به من آلام وتجارب قاسية، نماذج من الصبر والتمسك بالعقيدة، مستمدّين قوتهم من ارتباطهم بالله تعالى، واتباعهم للنبي محمد وآله الطاهرين عليهم السلام.
إن الإيمان بالآخرة والعدالة الإلهية يوسّع أفق الإنسان، فلا يحصر الحياة في حدود الدنيا، ولا يجعل الخسارة المادية أو المعاناة الآنية نهاية لكل شيء. فالإيمان يزرع في النفس رجاءً بأن العدل الإلهي أوسع من حدود التجربة البشرية، وأن الحياة لا تنتهي عند ما نشهده من ظلم أو إخفاق.
أما حين ينظر الإنسان إلى الحياة باعتبارها صراعًا دائمًا، ويختزل البقاء في منطق القوة والغلبة، فهو يعيش أسير القلق والخوف على مصالحه ومستقبله، ولا يجد في تقلبات الواقع ما يمنحه الأمان.
وعندما تصبح الحياة الدنيا، في نظر الإنسان، القيمة الوحيدة التي تستحق التمسك بها، يغدو مستعدًّا للتضحية بقيمه من أجل المحافظة على مصالحه، ويعجز عن بذل ماله أو جهده في سبيل غاية أسمى.
أمّا المؤمن، فيدرك أن المال والعمر وسائر الأرزاق أمانات ومسؤوليات، وأن بذلها في مواضع الحق والخير قد يكون طريقًا إلى تحقيق غايات تتجاوز المنفعة الفردية المباشرة. ومن شأن هذه الرؤية أن تمنحه الطمأنينة، حتى عندما يتعرض للخسارة، لأنه يؤمن بأن الأرزاق والأعمار بيد الله تعالى، وأن قيمة الإنسان لا تختزل فيما يملك.
الاستقرار الإنساني والنظام القيمي
ومن الجدير بالذكر أن الاستقرار في الحياة البشرية لا يقتصر على الفرد أو على جانب محدد من جوانب الحياة، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتكامل الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبمدى انسجامها مع السنن الكونية التي يقوم عليها انتظام الوجود واستمرار الحياة. فكما يخضع الكون لسنن ثابتة تحكم حركته وتحفظ توازنه، بما يضمن استمرارية الوجود وانتظام مظاهره، كذلك ينبغي للنظام السياسي، الذي يتولى إدارة شؤون الناس ويؤسس لبناء الدولة وتنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسساته، أن يستند إلى مبادئ راسخة وقيم أخلاقية ثابتة، لا تخضع لتقلبات المصالح الآنية أو لأهواء السلطة والقائمين عليها.
وفي مقدمة هذه المبادئ قيم الحق والعدل، وصون الكرامة الإنسانية، واحترام الحقوق وحمايتها، وترسيخ المسؤولية والمساواة أمام القانون. فهذه القيم ليست شعارات ظرفية تُستحضر عند الحاجة، ولا أدوات تُوظَّف لخدمة مصالح فئة دون أخرى، بل هي أسس معيارية ينبغي أن تضبط ممارسة السلطة، وتوجّه السياسات العامة، وتحدّد العلاقة بين الدولة والمجتمع، وهذا يؤدي بدوره الى استقرار الكيانات السياسية ومجتمعاتها بدلا من تولد الصراعات والنزاعات من فترة الى أخرى تبعا للمصالح والأهواء، وبالتالي يؤسس لاستقرار مستدام يتيح للإنسان أن يعيش بكرامة وأمان، ويسهم في بناء مجتمع متوازن وقادر على مواجهة التحولات والتحديات.
السلام والتكافل
إن تعاون الناس على البر والتقوى يسهم في تعميم الاستقرار والطمأنينة، لأن الإنسان لا يعيش بمعزل عن الآخرين، بل يتأثر بما يسود المجتمع من علاقات وقيم وسلوكيات. ومن هنا تأتي أهمية نشر السلام، وإشاعة المودة، وتعزيز الثقة المتبادلة، والابتعاد عن أسباب العداوة والتنازع.
فالسلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو بناء متكامل يقوم على احترام الإنسان وحقوقه، وتحقيق العدالة، وصون الكرامة، وإيجاد الظروف التي تمكّن الأفراد من العيش بأمان. وفي المقابل، تؤدي الصراعات والنزاعات المستمرة إلى إضعاف الروابط الاجتماعية، وزعزعة الاستقرار النفسي، وتراجع الشعور بالأمان والانتماء.
وفي هذا المعنى يُروى عن الإمام علي عليه السلام: «فعلمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأننت».
تعكس هذه الحكمة معنى التوكل الواعي الذي يحرر الإنسان من القلق المفرط على الرزق، ويدعوه إلى أداء واجبه، والأخذ بأسباب العمل، والرضا بما لا يملك تغييره، من غير أن يتخلى عن السعي والمسؤولية.
ومن أخطر ما قد يواجه الإنسان أن يفقد الأمل في إمكان تحقيق أهدافه، أو أن يشعر بأن حياته خالية من المعنى والجدوى. وقد يقوده اليأس الشديد إلى التفكير في إنهاء حياته، وهو ما يبرز أهمية الرعاية النفسية والاجتماعية، وتعزيز الأمل، وتوفير الدعم لمن يمرون بأزمات قاسية. وقد أكّد الإسلام قيمة الحياة الإنسانية، ودعا إلى الرحمة والتكافل والتعاون، بما يحفظ كرامة الإنسان ويعينه على تجاوز المحن واستعادة ثقته بنفسه وبالحياة.
مسؤولية الدولة
لا يقتصر الاستقرار على الجانب النفسي أو الروحي، بل يتصل اتصالًا وثيقًا بالواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فمن أهم وظائف النظامين السياسي والاقتصادي توفير مقومات الاستقرار، وتنظيم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات، وحماية الحقوق، وتحقيق المصالح العامة. ولذلك يحتاج الإنسان إلى دولة فاعلة، تقوم مؤسساتها على القانون، وتعمل سلطاتها على تأمين الأمن والعدالة والخدمات، وتتيح للمواطنين فرص العيش الكريم والمشاركة المسؤولة.
كما أن اتخاذ المواقف وإطلاق الأقوال يفرضان على الإنسان مسؤولية التفكير في النتائج، والموازنة بين الإيجابيات والسلبيات، والتمييز بين ما يحقق المصلحة العامة وما يخدم المصالح الضيقة. وهذه المسؤولية تزداد أهمية لدى المؤمن، لأن الإيمان لا يقتصر على الاعتقاد والقول، بل يقتضي العمل والتطبيق والوفاء بالواجبات.
وهنا تبرز إحدى مشكلات الاجتماع السياسي اللبناني؛ إذ لا تقع المسؤولية على السلطة ورجالها وحدهم، بل تشمل المجتمع بأسره. فبناء الدولة مسؤولية مشتركة، تقوم على احترام القانون، والالتزام بالواجبات، والوفاء بالتعهدات، وممارسة المواطنة على أساس الحقوق والمسؤوليات. ولكل فرد دوره في حماية المصلحة العامة، كما تتحمل السلطات مسؤولية خاصة بحكم صلاحياتها وقدرتها علىط اتخاذ القرارات وتنفيذ السياسات.
وتتمثل وظيفة النظام السياسي في تحقيق الأهداف العامة للمجتمع، لا في استثمار الانقسامات من أجل المحافظة على المصالح الخاصة.
غير أن إثارة العصبيات وتحريك النعرات الطائفية يؤديان إلى تعميق الانقسام، وإضعاف الثقة بين المواطنين، وتعطيل إمكان بناء دولة جامعة. فالدولة التي تريد تحقيق الاستقرار ينبغي أن تعزز المواطنة، وتحتضن التنوع، وتمنع تحويل الاختلافات إلى أدوات للصراع السياسي.
الدستور والدولة
قبل الحرب، كان لبنان يعاني أزمة في بنية الدولة ووظائفها، قبل أن تتفاقم أزماته السياسية والأمنية وتتداخل مع الاحتلال والصراعات. وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال جوهري: هل الدستور مجرد كلمات تُكتب على الأوراق، أم أنه عقد وطني ملزم، ينبغي أن تنعكس أحكامه على المؤسسات والممارسات والسياسات؟
لقد تضمّن اتفاق الطائف إصلاحات دستورية أساسية، من بينها إعادة تنظيم العلاقات بين السلطات، وإقرار المناصفة في التمثيل النيابي بين المسلمين والمسيحيين في المرحلة التي تناولها الاتفاق، والتأكيد على العمل من أجل إلغاء الطائفية السياسية، إلى جانب التوجه نحو اللامركزية الإدارية. غير أن تطبيق هذه الإصلاحات ظل ناقصًا في جوانب أساسية، الأمر الذي أبقى عددًا من الإشكاليات السياسية والمؤسساتية من دون معالجة مكتملة.
ومن هنا، يمكن القول إن إحدى المشكلات الأساسية التي يواجهها لبنان تتمثل في الفجوة بين النص الدستوري والتطبيق العملي. فعندما لا تُنفّذ الإصلاحات المتفق عليها، وتُقدَّم التسويات السياسية على بناء المؤسسات، تتحول الدولة تدريجيًّا من دولة مؤسسات وقانون إلى ساحة لتوازنات ومساومات متكررة، ويتعطل الإصلاح، وتضعف المحاسبة، وتتراجع ثقة المواطنين بمؤسساتهم.
إن استعادة عافية الدولة تقتضي احترام الدستور، وتنفيذ أحكامه، واستكمال الإصلاحات التي نص عليها، وتعزيز استقلال المؤسسات وفاعليتها، وترسيخ مبدأ المساءلة. فلا يمكن بناء دولة مستقرة بمجرد تغيير الحكومات أو إعادة توزيع المناصب، ما لم تتوافر إرادة سياسية جدية تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية، وتحوّل النصوص الدستورية إلى ممارسة فعلية.
الإصلاح ومكافحة الفساد
لقد أشار البنك الدولي، في تقاريره المتعلقة بالأزمة اللبنانية، إلى جملة من الاختلالات والعوائق التي تحول دون التعافي والإصلاح. والمشكلة في لبنان ليست نقص النصوص القانونية والدستورية فحسب، بل تكمن أيضًا في غياب الإرادة السياسية الكافية لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وفي ضعف المساءلة، واستمرار الممارسات التي تعرقل بناء المؤسسات واستعادة الثقة.
إن لبنان لن يستعيد عافيته تلقائيًّا، ولن تخرج البلاد من أزماتها بمجرد مرور الزمن أو تبدّل الأشخاص في مواقع السلطة. وهنا يحق للمواطن أن يسأل المسؤولين: ماذا فعلتم من أجل إنقاذ الدولة وصون حقوق الناس؟ وماذا أنجزتم لمعالجة الأزمات المتراكمة في القطاعات العامة والمالية والاقتصادية؟
هناك قطاع مصرفي يحتاج إلى إصلاح جدي، وحقوق للمودعين ينبغي التعامل معها وفق خطة عادلة وشفافة، ومؤسسات عامة تحتاج إلى إعادة تنظيم وتطوير، وقطاعات اقتصادية تتطلب سياسات قادرة على استعادة النشاط والإنتاج. ولا يجوز اختزال الأزمة في أرقام ومؤشرات مالية، لأن وراء هذه الأرقام حياة الناس ومعيشتهم ومستقبلهم.
فالبطالة تحرم أعدادًا من المواطنين من فرص العمل والاستقلال الاقتصادي، وتراجع الدخول يضعف القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، كما أن الأعباء الضريبية تصبح أكثر قسوة حين لا تقابلها خدمات عامة كافية أو فرص اقتصادية عادلة.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن ينطلق من الإنسان، وأن يجعل كرامته وحقوقه واحتياجاته في صلب السياسات العامة.
العدالة الاجتماعية
إننا نعتبر أن السلطة تتحمل مسؤولية أساسية في إيجاد الأساليب المناسبة لمعالجة هذه الأزمات، ووضع السياسات التي توزع الأعباء بصورة عادلة، وتحمي الفئات الأكثر ضعفًا، وتمنع تحميلها وحدها نتائج الانهيار. وهنا تبرز أسئلة مشروعة لا يجوز تجاهلها: كيف ستُحمى الفئات الأكثر هشاشة؟ وكيف ستُعالج قضية النازحين بما يراعي الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية؟ وكيف ستُستعاد أموال المودعين وتُصان حقوقهم؟ وما الخطط التي ستُعتمد لاستعادة الثقة بالقطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة؟
إن هذه الأسئلة تتطلب تعاونًا جديًّا بين السلطات والقوى السياسية والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والمواطنين، ضمن رؤية وطنية واضحة، تتحدد فيها المسؤوليات، وتُرتَّب الأولويات، وتُعتمد آليات التنفيذ والمحاسبة.
ولا يكفي أن تقتصر السياسات الاقتصادية على إعادة توزيع الدخل، على أهميتها، بل ينبغي أن تترافق مع برامج فعالة لتوفير الخدمات العامة، وتوسيع فرص العمل، وتحسين التعليم والصحة والنقل والحماية الاجتماعية، وتعزيز الإنتاج والاستثمار. فالمواطن يحتاج إلى دخل يضمن له العيش الكريم، وإلى خدمات عامة تخفف الأعباء عنه، وإلى دولة تحمي حقوقه وتوفر له فرصًا عادلة للمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ولذلك، لا بد من وضع خطة وطنية متكاملة تستجيب للاحتياجات الأساسية، وتحدد مصادر التمويل، وترسم مراحل التنفيذ، وتخضع لرقابة ومحاسبة فعليتين. فالإصلاح لا يتحقق بالشعارات، بل بالإرادة والعمل والتخطيط، ولا تُستعاد الثقة بالوعود، بل بالإنجازات الملموسة.
السيادة والإصلاح
قد تنشأ تسويات سياسية في هذا الاتجاه أو ذاك، وقد تفرض الظروف تفاهمات مرحلية لمعالجة بعض الأزمات. غير أن التسويات، مهما كانت ضرورية في ظروف معينة، لا ينبغي أن تتحول إلى بديل دائم عن بناء الدولة أو إلى وسيلة لتأجيل الإصلاح.
وتبقى مسؤولية الدولة في حماية الوطن وأرضه وسيادته، والدفاع عن حقوق مواطنيه، وتوفير الأمن والاستقرار لهم. وإذا عجزت الدولة عن القيام بدورها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية وحماية الأرض، فإن من الطبيعي أن تتعاظم تساؤلات الناس حول قدرتها على أداء مسؤولياتها. فالناس ينتظرون من دولتهم أن تكون مرجعيتهم الوطنية الجامعة، وأن تعمل على صون السيادة وتحقيق الأمن والعدالة، وفق ما تقتضيه مسؤولياتها وإمكاناتها.
ومن هنا، تبرز قضية جوهرية: إن الذين يرفعون مطالب الإصلاح ينبغي أن يترجموا هذه المطالب إلى التزام فعلي بمكافحة الفساد، ومحاسبة المقصرين، واحترام القانون، والامتناع عن توظيف مؤسسات الدولة لمصالح خاصة أو فئوية. فالإصلاح ومكافحة الفساد مساران متلازمان، ولا يمكن بناء دولة عادلة من دون إرادة حقيقية في مواجهة الفساد، أيًّا كان مصدره أو الجهة التي تقف وراءه.
إن التحدي كبير، لكن الاستسلام له لا يصنع مستقبلًا أفضل. فبناء الدولة يحتاج إلى إيمان بقدرة الإنسان على التغيير، وإلى وعي جماعي بالمسؤولية، وإلى عمل مؤسساتي يتجاوز الانقسامات والمصالح الضيقة. كما يحتاج إلى عدالة اجتماعية تحفظ كرامة المواطن، وإلى نظام سياسي يحترم الدستور، وإلى اقتصاد منتج يوفر فرص العمل ويصون الحقوق، وإلى ثقافة وطنية تجعل الإنسان غاية التنمية ووسيلتها.
ختامًا، إن الطمأنينة التي ينشدها الإنسان لا تنفصل عن إيمانه، ولا عن عدالة المجتمع الذي يعيش فيه، ولا عن قدرة الدولة على حماية حقوقه وصون كرامته. فالإيمان يمنحه المعنى والأمل، والاستقرار النفسي يعينه على مواجهة المحن، والعدالة الاجتماعية تعزز شعوره بالأمان، والدولة العادلة تهيئ له شروط الحياة الكريمة.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا جميعًا أن نعمل من أجل مجتمع يسوده البر والتقوى، وتُصان فيه كرامة الإنسان، وتُحترم فيه الحقوق والواجبات، وتُبنى فيه الدولة على أساس الدستور والقانون والمحاسبة. فلا يكفي أن نطالب بالإصلاح ما لم نلتزم به، ولا أن ندعو إلى مكافحة الفساد ما لم نواجهه بالفعل، ولا أن نتحدث عن الوحدة الوطنية ما لم نرفض كل ما يثير العصبيات والانقسامات.
نسأل الله تعالى أن يمنحنا البصيرة والثبات، وأن يوفقنا لما فيه خير لبنان وشعبه، وأن يحفظ أرضنا وكرامة أهلنا، ويعيننا على استعادة حقوقنا وصون سيادتنا، وأن يجعل عملنا خالصًا في سبيل الحق والعدل والإصلاح.
والله وليّ التوفيق.