كتاب واراء

مقالات يكتبها سوري لايحب الهجرة والنزوح

 

 

بقلم /

الشيخ جعفر حسين / بيروت 

 

【هل السوريون الشيعة بحاجة إلى زعيم تفرضه قوى خارجية بقوة المال والنفوذ؟】

 

السيد عبدالله نظام بين المرجعية الدينية والنفوذ المالي والتمثيل الاجتماعي والسياسي

 

 

إن الحديث عن واقع السوريين الشيعة ومستقبلهم في سورية لا يمكن فصله عن سؤال جوهري: 

 

___من يملك حق تمثيلهم؟ 

 

ومن أين يستمد أي شخص شرعيته الدينية والاجتماعية والسياسية؟ وهل تكفي العلاقات الخارجية والقدرة المالية والحضور الإعلامي لصناعة زعامة تحظى بثقة الناس، أم أن التمثيل الحقيقي لا يقوم إلا على إرادة المجتمع واحترام كرامة أبنائه ومصالحهم الوطنية؟

السوريون الشيعة مكوّن أصيل من مكونات المجتمع السوري، لهم تاريخهم وخصوصيتهم الاجتماعية والثقافية والدينية، وهم مواطنون سوريون قبل أي اعتبار آخر. 

 

ولا يجوز اختزالهم في شخص أو مجموعة أو مرجعية خارجية، أو التعامل معهم باعتبارهم كتلة واحدة يمكن توجيهها والتحدث باسمها من دون الرجوع إلى إرادتهم الحرة.

 

___ومن هذا المنطلق، يبرز اسم السيد عبدالله نظام ودوره الديني والاجتماعي خلال الفترة الممتدة من عام 2006 إلى عام 2026، وما يرتبط بهذا الدور من علاقات وامتدادات ونفوذ، بوصفه موضوعاً يستحق النقاش العام والتقييم الموضوعي، بعيداً عن التقديس الشخصي، وبما يحفظ حق السوريين الشيعة في معرفة حقيقة الأدوار التي تُمارس باسمهم أو تؤثر في خياراتهم ومستقبلهم.

 

فالمرجعية الدينية، وتمثيلها مهما بلغت مكانتها، لا تمنح صاحبها تلقائياً حق احتكار التمثيل الاجتماعي والسياسي، كما أن العلاقة بمؤسسات دينية خارج سورية لا تعني امتلاك تفويض من جميع أبناء الطائفة. فالتعدد في المرجعيات والاجتهادات والخيارات حق ينبغي احترامه، ولا يجوز تحويل الاختلاف إلى وسيلة للإقصاء أو التخوين أو فرض الوصاية على الناس.

 

___بين تمثيل المرجعية الدينية والزعامة السياسية.

 

إن السيد عبدالله نظام، المقيم في لبنان والمتنقل بين بيروت وبغداد وطهران، يظهر في لقاءات إعلامية عبر منصات خاصة بصفة توحي بأنه زعيم للسوريين الشيعة، في حين أن طبيعة دوره وعلاقاته الدينية والتنظيمية تستدعي توضيحاً دقيقاً للفارق بين التمثيل الديني والتمثيل الاجتماعي والسياسي.

 

___وتتمثل المسألة الأساسية في تحديد طبيعة هذا الدور وحدوده: 

 

【هل هو دور ديني ومرجعي، أم دور إداري وتنفيذي مرتبط بمرجعية دينية خارج سورية، أم أنه يُقدَّم للرأي العام بوصفه زعامة شاملة للسوريين الشيعة؟】

 

إن هذه الأسئلة ليست انتقاصاً من مكانة أي رجل دين، ولا اعتراضاً على حقه في ممارسة دوره الديني، وإنما هي مطالبة بتوضيح الحدود بين المرجعية الدينية والتمثيل العام.

 

 فالتفويض الديني، إن وُجد، لا يتحول تلقائياً إلى تفويض اجتماعي أو سياسي من جميع أبناء المكوّن، ولا يمنح صاحبه حق احتكار الحديث باسمهم.

 

__كما أن العلاقات مع إيران أو العراق أو غيرهما من الدول والمؤسسات الدينية لا ينبغي أن تكون موضع اتهام لمجرد وجودها، لكنها لا تعفي أي جهة من واجب الشفافية، ولا تمنحها حق التأثير في القرار الوطني السوري على حساب إرادة المواطنين واستقلال خياراتهم.

العزلة عن المجتمع ومحاولات احتكار التمثيل

تثار في أوساط من السوريين الشيعة انتقادات بشأن طبيعة العلاقة بين السيد عبدالله نظام وبعض المحيطين به، ومدى انفتاحهم على الشخصيات الوطنية والاجتماعية والفكرية الفاعلة داخل المجتمع.

وتذهب هذه الانتقادات إلى أن الدائرة المحيطة به أصبحت حاجزاً يفصل بينه وبين قطاعات من الناس والفعاليات الوطنية، وأن هذا الانغلاق يحدّ من فرص الحوار والتواصل، ويثير مخاوف من حصر التمثيل الديني والاجتماعي ضمن مجموعة محددة.

 

كما يتهم منتقدون بعض العاملين في هذه الدائرة بمحاربة شخصيات وطنية سورية شيعية، والسعي إلى التشكيك في مواقفها أو التقليل من تأثيرها الشعبي، ولا سيما عندما يُنظر إليها بوصفها قادرة على تقديم خيارات مستقلة أو اكتساب ثقة الناس بعيداً عن هذه الدائرة.

 

___إن مثل هذه الممارسات تؤدي إلى تعميق الانقسامات وإضعاف الثقة، وتحويل الاختلاف الطبيعي بين الشخصيات والفعاليات إلى صراع على النفوذ والتمثيل.

 

إن المجتمع السوري الشيعي ليس ساحة مغلقة، ولا يحق لأي مجموعة أن تحتكر علاقاته أو تحدد من يحق له التعبير عن قضاياه. 

 

فالشخصيات الوطنية والاجتماعية والفكرية لا تستمد قيمتها من رضا هذه الدائرة أو رفضها، وإنما من تاريخها ومواقفها وعملها ومدى ثقة الناس بها.

 

ولا يجوز أن يتحول الاختلاف مع أي شخصية إلى حملة لتشويه صورتها أو إقصائها، كما لا يجوز تصوير المجتمع وكأنه لا يملك بديلاً أو خياراً سوى الالتفاف حول شخص واحد. 

 

فالتعدد مصدر قوة، والاحتكار مصدر خلل، والحوار هو الطريق الطبيعي لتنظيم الاختلاف.

الهيئة العلمائية لأتباع أهل البيت: أسئلة حول الصفة والتمثيل

وفي هذا السياق، يبرز موضوع «الهيئة العلمائية لأتباع أهل البيت»، التي تضم عدداً من رجال الدين المتقاربين في مواقفهم مع السيد عبدالله نظام، وتصدر عنها بيانات ومواقف دينية وسياسية موقعة باسم رئيسها السيد عبدالله نظام.

 

وهنا تبرز أسئلة تتعلق بطبيعة هذه الهيئة، وكيفية تشكيلها، وأعضائها، ونظام عملها، وصفة تمثيلها، ومدى وجود ترخيص رسمي لها أو مقر ومكاتب معلنة تمارس من خلالها نشاطها.

إن إصدار البيانات باسم هيئة علمائية، والتعبير عن مواقف دينية وسياسية من خلالها، يقتضيان وضوحاً في تعريف الجمهور بطبيعة الهيئة وتكوينها وصلاحياتها، وبما إذا كانت تمثل أعضاءها حصراً أم تتحدث باسم عموم السوريين الشيعة.

فالمشكلة ليست في حق رجال الدين في الاجتماع أو إصدار المواقف، وإنما في حدود الصفة التي يتحدثون بها، ومدى دقة تقديمها للرأي العام، وما إذا كان اسم الهيئة يُستخدم للإيحاء بوجود تمثيل شامل لمجتمع متنوع لم يمنح أحداً تفويضاً عاماً بالتحدث باسمه.

 

إن احترام رجال الدين لا يتعارض مع السؤال عن الصفة القانونية للمؤسسات التي يعملون من خلالها، كما أن احترام المرجعيات لا يعني تعطيل حق المجتمع في معرفة من يمثله، وكيف تُتخذ القرارات، وعلى أي أساس تصدر البيانات والمواقف.

المال والمساعدات ومخاطر شراء الولاءات

ومن القضايا التي يثيرها السوريون الشيعة ما يتعلق بالنفوذ المالي، وتوزيع المساعدات، وطبيعة العلاقة بين الجهات القائمة على تقديم الدعم والأشخاص المستفيدين منه.

لقد تحدث سوريون شيعة عن تفاوت كبير في الأوضاع المعيشية بين المحتاجين وبعض الأشخاص المحيطين بالسيد عبدالله نظام، وأثاروا تساؤلات بشأن مصادر الأموال، وآليات إدارتها، ومعايير توزيع المساعدات، ومدى وصولها إلى مستحقيها.

كما تحدثوا عن ممارسات مالية وأخلاقية غير سليمة لدى بعض المحيطين به وكوادر العمل التابعة له، وعن استغلال حاجات الناس لتحقيق مصالح شخصية، فضلاً عن ممارسات غير أخلاقية منسوبة إلى بعض المسؤولين عن توزيع المساعدات.

 

إن ما يتحدث عنه السوريون الشيعة من فساد مالي وأخلاقي لدى بعض المحيطين بالسيد عبدالله نظام وكوادر العمل التابعة له، ومن استغلال لحاجات الناس لتحقيق مصالح شخصية، ليس مجرد أحاديث عابرة أو اتهامات متداولة، بل هو، وفق ما لمسه وشاهده عدد من السوريين الشيعة وما قاموا به من متابعة وتحقق، واقع يستدعي المكاشفة والمساءلة.

وقد أثارت ممارسات بعض المسؤولين عن توزيع المساعدات تساؤلات جدية حول آليات إدارتها، ومدى وصولها إلى مستحقيها، وما إذا كانت حاجات المحتاجين قد استُخدمت في بناء النفوذ الشخصي وتكوين شبكات من المصالح والولاءات.

فمن حق كل محتاج أن يعرف المعايير التي تُوزع على أساسها المساعدات، ومن حق المجتمع معرفة كيفية إدارة الأموال التي تُجمع باسمه أو تُخصص لخدمته. 

 

كما أن من واجب الجهات المعنية توضيح مصادر التمويل وآليات الصرف، والتحقيق في التجاوزات، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.

 

إن المساعدات الإنسانية ليست وسيلة لشراء الولاء، ولا يجوز أن تتحول حاجة الفقير إلى أداة لفرض الوصاية عليه أو إلزامه بموقف ديني أو اجتماعي أو سياسي. فكرامة الإنسان تقتضي أن يحصل على المساعدة المستحقة من دون مقابل سياسي أو معنوي، وأن يبقى حراً في خياراته وانتماءاته.

وعندما تُثار تساؤلات جدية عن مصادر الأموال، أو تضارب المصالح، أو عدالة توزيع المساعدات، تصبح الشفافية ضرورة لحماية الناس وصون الثقة العامة. فالعمل الديني والاجتماعي لا يكتسب شرعيته من الشعارات، بل من النزاهة وخدمة الناس واحترام كرامتهم.

 

السوريون الشيعة ليسوا تابعين لأحد

إن الخلط بين المرجعية الدينية والزعامة الاجتماعية والتمثيل السياسي يمثل إحدى أبرز المشكلات التي ينبغي معالجتها عند الحديث عن مستقبل السوريين الشيعة.

 

فقد يحظى رجل دين باحترام شريحة من الناس، وقد تنجح مؤسسة في تقديم خدمات دينية أو تعليمية أو اجتماعية، لكن ذلك لا يعني أن جميع أبناء المجتمع ملزمون باتباعها، أو أن القائمين عليها يملكون حق التحدث باسم الجميع.

 

السوريون الشيعة ليسوا تابعين لشخص، ولا ملكاً لمؤسسة، ولا امتداداً سياسياً لأي دولة. 

 

وهم، مثل سائر السوريين، يملكون الحق في اختيار ممثليهم بحرية، وفي الاعتراض على أداء أي شخصية عامة، وفي المطالبة بالمحاسبة والشفافية، من دون خوف أو ضغوط أو تشهير.

 

ولا يمكن بناء تمثيل اجتماعي سليم من خلال استبعاد الكفاءات الوطنية، أو احتكار العلاقات، أو حصر فرص العمل والمساعدات والخدمات ضمن دوائر محددة. 

 

فالتمثيل الحقيقي يتطلب الانفتاح على مختلف الفعاليات والشخصيات والكفاءات، واحترام التعدد داخل المجتمع، والابتعاد عن منطق الوصاية والاحتكار.

 

ومن حق السوريين الشيعة أن تكون لهم شخصيات دينية واجتماعية وفكرية متعددة، تتنافس في خدمة المجتمع وتقديم الأفكار والمبادرات، من دون أن يتحول هذا التعدد إلى صراع أو تخوين أو إقصاء.

 

فالزعامة التي تحظى بثقة الناس لا تحتاج إلى عزلهم عن الشخصيات الأخرى، ولا إلى التشكيك في كل صوت مستقل، ولا إلى تصوير أي بديل على أنه تهديد للمجتمع.

 

 بل تنمو الثقة من خلال الانفتاح والإنجاز والقدرة على الاستماع إلى النقد واحترام حق الآخرين في الاختلاف.

 

سورية أولاً واستقلال القرار الوطني

 

إن المرحلة التي تمر بها سورية تتطلب إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، ورفض تحويل الانتماءات الدينية إلى أدوات للصراع أو التبعية.

 

ومن حق السوريين الشيعة ممارسة شعائرهم وتنظيم شؤونهم الدينية والاجتماعية في إطار القانون، والحفاظ على خصوصيتهم الثقافية، من دون أن يكون ذلك مدخلاً لفرض وصاية خارجية عليهم أو عزلهم عن مجتمعهم الوطني.

 

كما أن من واجب الدولة حماية حقوقهم وضمان المساواة بينهم وبين سائر المواطنين، والتعامل مع أي مخالفات مالية أو إدارية أو قانونية استناداً إلى الأدلة والقانون، بعيداً عن الاستهداف الطائفي والحسابات السياسية.

 

وفي المقابل، تقع على عاتق الشخصيات الدينية والاجتماعية مسؤولية احترام سيادة سورية، وعدم تحويل العلاقات الخارجية إلى أدوات نفوذ داخلي، والامتناع عن احتكار التمثيل أو استغلال حاجات المواطنين، والقبول بالنقد والمساءلة باعتبارهما حقاً من حقوق المجتمع.

 

ولا ينبغي أن يتحول النقاش حول السيد عبدالله نظام أو غيره إلى خصومة طائفية أو حملة شخصية، بل يجب أن يبقى نقاشاً وطنياً موضوعياً حول طبيعة الدور، ومصادر النفوذ، وحقوق الناس، وواجبات المؤسسات والشخصيات العامة.

إن المطلوب ليس إقصاء أحد أو مصادرة حقه في العمل الديني والاجتماعي، بل وضع حد لأي محاولة لاحتكار تمثيل السوريين الشيعة، وضمان أن تكون المؤسسات التي تتحدث باسمهم واضحة الصفة، معلومة التكوين، وخاضعة للقانون والمساءلة.

 

الخلاصة 

 

أن الزعامة لا تُصنع بالمال السياسي، ولا بالحضور الإعلامي وحده، ولا بالعلاقات الخارجية، ولا بتشكيل هيئات تصدر البيانات باسم المجتمع من دون تفويض واضح منه. 

 

فالتمثيل الحقيقي ينبع من إرادة الناس الحرة، ومن الثقة المتبادلة، والعمل الصادق، والشفافية، واحترام التعدد والكرامة الإنسانية.

 

إن السوريين الشيعة ليسوا بحاجة إلى زعامة تُفرض عليهم، بل إلى بيئة وطنية تتيح لهم اختيار من يثقون به، وإلى شخصيات ومؤسسات تخدمهم من دون استغلال حاجاتهم أو احتكار صوتهم، وإلى دولة تحمي حقوقهم باعتبارهم مواطنين متساوين.

 

【فلا شرعية اجتماعية تُفرض بالقوة، ولا تمثيل يُشترى بالمساعدات، ولا حق لأحد في احتكار الحديث باسم الناس.】

 

 سورية وطن جميع أبنائها، وقرار السوريين يجب أن يبقى سورياً، وكرامة الإنسان وحقه في الاختيار فوق كل نفوذ أو مصلحة.

 

 

 


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة