كتاب واراء

من الاطمئنان والاستقرار إلى مسؤولية الدولة و أزمة لبنان وحقوق مواطنيه

 

كتب/ سعيد فارس السعيد :

 

تفتح خطبة الجمعة للعلامة الشيخ علي الخطيب، بما تناولته من مفاهيم الاطمئنان والاستقرار، نافذةً للتأمل في العلاقة بين نظام الكون وإبداع الخالق، وبين وظيفة الإنسان في الحياة، ومسؤولية المجتمعات والدول في بناء واقعٍ يوفّر للإنسان الأمن النفسي والاجتماعي والاقتصادي، ويمنحه القدرة على العيش بكرامة وطمأنينة.

 

فمنذ خلق الكون، تتجلى عظمة الخالق المبدع في نظامه وتناسقه، وفي العلاقات التي تحفظ توازنه واستمراره. ولم يكن الإنسان في هذا الكون مجرد كائن يعيش فيه، بل حمّله الله مسؤولية الاستخلاف في الأرض، وجعل لحياته غايةً ومعنى، ومنحه العقل والرؤية والقدرة على الاختيار، وفتح أمامه أبواب المعرفة والإيمان والعمل الصالح.

ومن هنا، فإن الاطمئنان ليس حالةً نفسية منفصلة عن واقع الحياة، بل هو ثمرة التوازن بين الإيمان والعقل، وبين الغاية والسلوك، وبين حقوق الإنسان وواجباته، وبين ما يؤمن به وما يمارسه في حياته الفردية والاجتماعية.

وحين يستقيم الإنسان مع نفسه، ويدرك مسؤوليته تجاه الآخرين، يصبح أكثر قدرةً على بناء علاقات قائمة على الثقة والتعاون والتكافل. وحين تنتظم حياة المجتمع على قواعد العدل والحق، تتعزز الطمأنينة، ويصبح الاستقرار نتيجةً طبيعيةً لاحترام الإنسان وكرامته، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات.

وفي هذا السياق، يستحضرنا قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، بما يحمله من دلالة على ارتباط صلاح الإنسان بمسؤوليته في الأرض، وبما يقدمه من عملٍ نافعٍ وإصلاحٍ وعدل.

وإذا كان النظام الكوني قائماً على سنن تحفظ توازنه، فإن حياة الإنسان والمجتمع تحتاج بدورها إلى منظومة من القيم والضوابط والقوانين التي تنظّم العلاقات، وتحمي الحقوق، وتحدّد المسؤوليات. فالدستور والقوانين التي يضعها الإنسان ليست غايةً بحد ذاتها، وإنما أدوات لتنظيم الحياة وتحقيق العدالة وصون الكرامة الإنسانية، شريطة أن تُحترم وتُطبّق على الجميع من دون انتقائية أو استنسابية.

وهنا تبرز أهمية التوافق بين القول والفعل، وبين المبادئ والممارسة، وهو ما يختصره التحذير الإلهي الواضح: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.

فلا يمكن للإنسان أن يطلب الطمأنينة وهو يهدم أسبابها، ولا للمجتمع أن ينشد الاستقرار فيما تتراجع الثقة بين أفراده ومؤسساته، ولا للدولة أن تعد بالإصلاح بينما تتعثر في تنفيذ ما التزمت به.

لبنان بين أزمة الدولة وغياب الانسجام بين القول والفعل

من هذه الرؤية، يمكن مقاربة جانب أساسي من الأزمة اللبنانية؛ إذ إن ما يعانيه لبنان لا يقتصر على أزمة اقتصادية أو مالية، ولا ينحصر في خلافات سياسية حول الصلاحيات والمواقع، بل يمتد إلى أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات، وإلى خلل في العلاقة بين الدستور وتطبيقه، وبين القرارات المعلنة والنتائج الملموسة في حياة الناس.

لقد أصبح الاطمئنان والاستقرار مطلبين أساسيين للبنانيين، في ظل ما يواجهونه من مخاوف على مدخراتهم ومستقبلهم، ومن تراجع القدرة الشرائية، واختلال الأجور والرواتب، وتراكم الأعباء المعيشية، فضلاً عن استمرار تداعيات الأزمة المصرفية والمالية على المودعين وحقوقهم.

ولا يمكن بناء استقرار حقيقي فيما تبقى حقوق المودعين موضع انتظار، وفيما تتآكل قيمة الرواتب والأجور أمام تكاليف الحياة، وفيما يعجز الاقتصاد عن توفير فرص العمل والإنتاج، أو تتعثر السياسات المطلوبة لاستعادة الثقة بالقطاع المصرفي والمالي وبمؤسسات الدولة.

إن الإصلاح الاقتصادي ليس أرقاماً تُعلن، ولا خططاً تُكتب، بل مسار متكامل يبدأ بتحديد المسؤوليات، ويمرّ بمعالجة الخلل المالي والمصرفي، وحماية الحقوق المشروعة، وإعادة تنظيم الاقتصاد على أسس الإنتاج والعدالة وتكافؤ الفرص، وينتهي بنتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

أما الإصلاح السياسي والدستوري، فلا يجوز أن يتحول إلى مجموعة من النصوص التي يُستحضر بعضها عند الحاجة، ويُغفل بعضها الآخر عندما تتعارض متطلباته مع الحسابات والمصالح السياسية.

فوثيقة الوفاق الوطني، المعروفة باتفاق الطائف، لم تقتصر على تنظيم العلاقة بين السلطات، بل تضمنت مبادئ وإصلاحات تتصل بإلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، واعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة ضمن الأحكام التي نصت عليها الوثيقة، وتوسيع اللامركزية الإدارية، وتعزيز الإنماء المتوازن، وترسيخ العدالة الاجتماعية وسيادة القانون. وهذه التوجهات ليست تفصيلاً ثانوياً، بل جزء من مشروع بناء الدولة واستقرارها.

وعليه، فإن المطلوب هو تطبيق الإصلاحات بروحها ومقاصدها، لا التعامل معها بانتقائية. فلا يستقيم الحديث عن إلغاء الطائفية السياسية من دون السير في المسار الدستوري الذي حدده اتفاق الطائف، ولا عن الكفاءة من دون إتاحة الفرص على أساسها، ولا عن الإنماء المتوازن من دون سياسات عادلة تشمل المناطق والمجتمعات اللبنانية كافة.

إن اتفاق الطائف ليس قائمةً من البنود التي تُختار منها الأحكام الملائمة لكل مرحلة، بل وثيقة وفاق وطني ينبغي أن تكون مرجعاً للعمل على استكمال الإصلاحات التي نصت عليها، بما يحفظ الشراكة الوطنية ويعزز ثقة اللبنانيين بدولتهم.

الإرادة السياسية والخبرات المعطّلة

إلى جانب ذلك، تبرز مشكلة تعثّر الإرادة السياسية في تحويل التفاهمات والوعود إلى خطوات تنفيذية واضحة، ومشكلة استمرار الفجوة بين حاجات المجتمع وما تنتجه المؤسسات من سياسات وقرارات.

فالدولة لا تُبنى بالخطابات وحدها، ولا تستطيع السلطات مواجهة الأزمات المعقدة من دون الاستعانة بالخبرات العلمية والمهنية والتخصصية، ومن دون فتح المجال أمام أصحاب المعرفة والتجربة لتقديم آرائهم ومقترحاتهم، ومناقشتها بجدية، والاستفادة منها في رسم السياسات العامة.

ومن المؤسف أن تبقى طاقات وخبرات كثيرة خارج دوائر التأثير الفعلي، أو أن يُنظر إلى المبادرات الفكرية والتخصصية من زاوية الانتماءات والحسابات الضيقة، بدلاً من تقييمها على أساس الكفاءة والجدوى والمصلحة العامة.

إن العلاقة السليمة تبدأ من الفرد، الذي يمتلك المعرفة والاستعداد للمشاركة، وتمر بالمؤسسة التي تستوعب خبراته وتنظم عمله، وصولاً إلى الدولة التي تحوّل الأفكار والمقترحات إلى خطط وقرارات قابلة للتنفيذ والتقييم والمساءلة.

وهذا هو الانسجام المطلوب بين الفرد والمؤسسة، وبين المؤسسة والدولة، وبين الدولة وواجبها في العمل والإنجاز. أما حين تنقطع هذه السلسلة، وتُهمّش الخبرات، وتغيب آليات الاستماع والمشاركة والمحاسبة، فإن المجتمع يخسر طاقات ضرورية لحل أزماته، وتتراجع ثقة المواطن بمؤسساته، ويتعمق الشعور بالعجز وعدم الاطمئنان.

حقوق أبناء الطائفة الشيعية جزء من حقوق اللبنانيين

وفي هذا الإطار الوطني والدستوري، لا يمكن تجاهل مسألة حقوق أبناء الطائفة الشيعية في المؤسسات العامة وسلطات الدولة، ولا التعامل معها باعتبارها مسألةً هامشية أو مطلباً فئوياً منفصلاً عن بناء الدولة.

إن احترام حقوق أبناء الطائفة الشيعية، وصون حضورهم ومشاركتهم في المؤسسات والسلطات وفق الدستور والقوانين والآليات المعتمدة، هو جزء من احترام حقوق اللبنانيين جميعاً، ومن تكريس الشراكة الوطنية التي يقوم عليها لبنان.

فالمواطنة لا تكتمل بالشعارات، بل بضمان الحقوق، وتكافؤ الفرص، واحترام الاستحقاقات الدستورية، وتطبيق القوانين بعدالة، وعدم إخضاع الحقوق المشروعة لأي مواطن أو مكوّن لحسابات سياسية متغيرة.

وإذا كان المطلوب من الجميع الالتزام بالدستور والقانون، فإن من واجب المؤسسات أيضاً أن تحترم الدستور والقانون، وأن تؤدي مسؤولياتها من دون تمييز أو انتقائية. فلا يجوز أن يُطلب من المواطن الثقة بالدولة فيما يشعر بأن حقوقه لا تجد طريقها إلى التطبيق، ولا أن تُرفع راية الشراكة الوطنية بينما تتعثر الممارسة في ضمان مقتضياتها.

ومن هنا، أؤكد أن الدفاع عن حقوق أبناء الطائفة الشيعية في مؤسسات الدولة وسلطاتها ليس خروجاً على الدولة، ولا تناقضاً مع المصلحة الوطنية، بل هو دفاع عن دولة عادلة تحترم مواطنيها، وعن شراكة لا تستقيم إلا بصون الحقوق والواجبات معاً.

لن نسكت عن أي تجاوز للحقوق المشروعة، ولن نقبل أن تصبح حقوق أبناء الطائفة الشيعية موضع تجاهل أو انتقاص أو تأجيل بلا مسوّغ دستوري وقانوني. وسيبقى التعبير عن هذه المطالب حقاً مشروعاً، بالوسائل السلمية والدستورية، وبالاحتكام إلى القانون والمؤسسات، بعيداً عن التحريض أو الانتقاص من حقوق أي مكوّن لبناني آخر.

فلا استقرار لطائفة على حساب طائفة، ولا اطمئنان لمكوّن إذا شعر مكوّن آخر بالغبن، ولا دولة قوية من دون عدالة تشمل الجميع.

من الاطمئنان إلى الفعل

إن ما تطرحه خطبة العلامة الشيخ علي الخطيب من معانٍ حول الاطمئنان والاستقرار يفتح الباب أمام قراءة أوسع لمسؤولية الإنسان والمجتمع والدولة. فالاطمئنان لا يُفرض على الناس بخطاب سياسي، والاستقرار لا يتحقق بمجرد الدعوة إليه، بل يحتاجان إلى عدالة ملموسة، وقوانين مطبّقة، ومؤسسات فاعلة، وإرادة سياسية تضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

ولذلك، فإن المطلوب من لبنان اليوم هو الانتقال من الأقوال إلى الأفعال: استكمال الإصلاحات الدستورية، ومعالجة الأزمة المالية والمصرفية، وحماية حقوق المودعين، والعمل على تحسين الأجور والرواتب والقدرة الشرائية، والاستفادة من الخبرات الوطنية، وتعزيز الرقابة والمساءلة، وصون حقوق المواطنين ومختلف المكوّنات في مؤسسات الدولة.

إن الدولة التي تنشد الاستقرار مطالبة بأن تكون نموذجاً في الالتزام بما تقوله، وأن تجعل القانون مرجعاً للجميع، وأن تحوّل الوعود إلى إنجازات، والحقوق المكتوبة إلى حقوق مصانة، والخبرات المعطّلة إلى طاقات فاعلة في خدمة المجتمع.

فبين هندسة الخالق للكون، ومسؤولية الإنسان في الأرض، ومسؤولية الدولة في تنظيم الحياة العامة، خيطٌ جامع هو التوازن والغاية والعمل. وحين ينسجم القول مع الفعل، والحق مع الواجب، والمواطن مع مؤسساته، والمؤسسات مع الدولة، يصبح الاطمئنان ممكناً، ويغدو الاستقرار ثمرةً لعملٍ مسؤول، لا شعاراً مؤجلاً.

إن لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر حاجته إلى الوفاء بها، ولا إلى مزيد من الحديث عن الشراكة بقدر حاجته إلى تجسيدها، ولا إلى شعارات الاستقرار بقدر حاجته إلى إزالة أسبابه المهدِّدة. فالدولة القادرة هي التي تحمي الحقوق، وتستوعب الخبرات، وتنفّذ الإصلاحات، وتساوي بين مواطنيها في الكرامة والعدالة وسيادة القانون.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب باحث استراتيجي مستقل


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد