كتب /سعيد فارس السعيد:
ما جرى في قبتان الجبل ونبل وجوارهما يجب ألا يمرّ كحادثة عابرة، لأن القضية كشفت عن خطر أكبر من مجرد بلاغ كاذب؛ كشفت عن قابلية المجتمع للانجرار سريعًا وراء الشائعة والفزعة والتحشيد، وعن خطورة أن تتحول حادثة فردية إلى مواجهة بين جماعات ومناطق ومكونات اجتماعية.
لقد بدأ الأمر ببلاغ عن اختطاف طفلة، ثم تحولت الرواية إلى حالة من الغضب والتحشيد والاتهامات، قبل أن يتبين، وفق ما أعلنته الجهات الأمنية، أن البلاغ كان كاذبًا وأن الطفلة بخير.
وهنا يجب أن يكون السؤال الحقيقي:
كيف يمكن لبلاغ لم تثبت صحته أن يدفع الناس إلى حافة الفتنة، وأن يجعل أبناء منطقة يواجهون أبناء منطقة أخرى، وأن يضع المجتمع أمام احتمال مجازر لا قدر الله؟
هذه ليست مسؤولية الأفراد وحدهم، بل هي مسؤولية الدولة والفعاليات الاجتماعية والدينية والمحلية معًا.
أولًا: مسؤولية الدولة
مسؤولية الدولة في مثل هذه الظروف لا تبدأ بعد وقوع الفتنة، وإنما تبدأ من اللحظة الأولى لظهور البلاغ أو الشائعة.
ومشكورة جدا وزارة الداخلية والأمن العام على ماقامت به قبل وقوع الكارثة او المجازر المخطط لها مسبقا ...
لذلك على مؤسسات الدولة أن تكون المرجعية الوحيدة للتحقق من الوقائع، وأن تصل المعلومة الصحيحة إلى الناس بسرعة ووضوح، حتى لا تترك فراغًا تملؤه الشائعات والتحريض والتأويلات.
وفي الوقت نفسه، فإن تقديم بلاغ كاذب في قضية حساسة، يمكن أن يؤدي إلى تحريض جماعي أو اقتتال، ليس أمرًا بسيطًا؛
لأنه قد يعرّض حياة الناس للخطر ويستنزف أجهزة الدولة ويهدد السلم الأهلي كما يهدد الأمن الوطني كله .
لذلك فإن تطبيق القانون يجب أن يكون واضحًا وحازمًا على كل من يثبت تورطه في البلاغ الكاذب أو التحريض أو الاعتداء أو التحشيد المسلح، بغض النظر عن انتمائه أو موقعه أو جماعته.
والأهم أن تكون المحاسبة فردية لا جماعية.
【فلا يجوز أن يتحول خطأ فرد إلى اتهام لمدينة، 】
【ولا أن يتحول فعل شخص إلى مسؤولية جماعة بأكملها】.
الدولة القوية هي التي تحاسب الفرد على فعله، وتحمي الجماعة من العقاب الجماعي.
وهذا ما نأمله بالسرعة الممكنة وكشف ذلك للرأي العام ..
ثانيًا: مسؤولية الفعاليات الاجتماعية والعشائرية والدينية.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الوجهاء والشخصيات الاجتماعية والعشائرية والدينية، وعلى كل من يمتلك تأثيرًا في الناس.
إن الفعاليات التي تتمتع بالاحترام والتأثير ليست موجودة فقط لتقود «الفزعة»، بل يفترض أن يكون دورها الأول منع الفزعة عندما تكون مبنية على معلومات غير مؤكدة.
__عندما تنتشر شائعة، يجب أن يكون صوت الحكمة أعلى من صوت الغضب.
__وعندما تظهر اتهامات، يجب أن يكون السؤال الأول:
【أين الدليل؟】
وعندما يتعرض أحد للظلم، يجب أن يكون الطريق إلى العدالة هو القانون، لا الحشد والسلاح.
___إن الوجهاء والشخصيات المؤثرة يتحملون مسؤولية أخلاقية كبيرة؛
___ لأن كلمة واحدة منهم قد تهدئ مئات الناس، كما أن كلمة غير مسؤولة قد تدفع مئات الناس إلى الشارع.
ولذلك، فإن استخدام المكانة الاجتماعية للتحريض أو التعبئة على أساس رواية لم يتم التحقق منها يمثل خطرًا على المجتمع كله.
__الفزعة ليست رجولة وليس لها اية علاقة بالإسلام وبالمبادئ والقيم الاسلامية او الانسانية …
والتهدئة ليست ضعفًا
لقد آن الأوان لإعادة تعريف بعض المفاهيم.
【ليست الرجولة أن تحشد الناس قبل معرفة الحقيقة】.
【وليست الشجاعة أن تحمل السلاح في مواجهة أبناء منطقة أخرى】.
【وليست نصرة المظلوم أن تنتصر له قبل أن تعرف من الظالم ومن المظلوم】.
_____الشجاعة الحقيقية أن تمنع الدم قبل أن يسيل، وأن توقف أبناءك عن الظلم قبل أن يقع، وأن تقول لجماعتك:
【انتظروا الحقيقة ولا تظلموا أحدًا】.
وهذا أقرب إلى روح الإسلام وإلى مقاصد العدالة من كل فزعة تقوم على العصبية.
ما حدث يجب أن يكون درسًا لسورية كلها ...
_______إن خطورة ما جرى في قبتان الجبل ومدينة نبل لا تكمن فقط في تفاصيل الحادثة، وإنما في السرعة التي يمكن أن تنتقل بها سورية من بلاغ إلى شائعة، ومن شائعة إلى اتهام، ومن اتهام إلى فزعة، ومن فزعة إلى تحشيد، ومن التحشيد إلى اقتتال ومجازر.
_وهذه السلسلة يجب أن تتوقف تحت اي عنوان كان ولأي سبب كان .
والدولة مطالبة بأن تكون حاضرة، واضحة، سريعة، وحازمة في مواجهة الشائعات والتحريض والاعتداءات.
والفعاليات مطالبة بأن تكون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة.
والإعلام ووسائل التواصل مطالبة بألا تتحول إلى أدوات لنقل الاتهامات قبل التحقق.
والمواطن نفسه مسؤول عن ألا يكون ناقلًا للفتنة.
_____الدولة أولًا:
سورية لا يمكن أن تُبنى بمنطق أن لكل حادثة «فزعة» ولكل جماعة قوة تحميها.
فإذا أردنا دولة فعلًا، فعلينا أن نقبل بمبدأ بسيط:
【الدولة تحقق، والقضاء يحكم، والقانون يحاسب، والمجتمع يحترم النتيجة】.
فلا يجوز أن تكون هناك عدالة خاصة بكل منطقة، ولا قانون خاص بكل جماعة، ولا عقوبة يفرضها الناس بأيديهم.
وفي المقابل، فإن الدولة مطالبة بأن تثبت للمواطن أن اللجوء إلى القانون ليس مضيعة للوقت، وأن العدالة لا تتأخر إلى درجة تجعل الناس يبحثون عن بدائل خارج مؤسساتها.
وهنا تلتقي مسؤولية الدولة مع مسؤولية المجتمع.
الدولة التي تطبق القانون بعدالة تقلل الحاجة إلى الفزعات، والمجتمع الذي يحترم القانون يساعد الدولة على تثبيت الأمن والسلم الأهلي.
____إن حادثة قبتان الجبل ونبل يجب أن تكون إنذارًا مبكرًا، لا مجرد خبر ينتهي بانتهاء الحدث.
فإذا تكررت مثل هكذا "فزعات"
وتحت اي عنوان كان فإن ذلك هو تقويض لهيبة الدولة وهو ان كل من قام بالفزعة لا يعترف بالدولة وهو ضد الدولة كائن من يكون ...
لقد كادت رواية ثبت كذبها أن تدفع مجتمعين إلى مواجهة خطيرة.
فماذا لو سقط أول قتيل؟
ومن كان سيستطيع إيقاف الثأر بعد ذلك؟
ومن كان سيعيد الضحايا؟
ومن كان سيعيد الثقة بين الناس؟
لهذا فإن المسؤولية اليوم تقع على الجميع، ولكن بدرجات مختلفة:
الدولة مسؤولة عن الأمن والقانون والمحاسبة.
والفعاليات مسؤولة عن التهدئة ومنع التحريض.
والإعلام مسؤول عن التحقق قبل النشر.
والمواطن مسؤول عن ألا يكون أداة في يد الشائعة.
أما الفزعة التي تقوم على العصبية، وعلى الفكر والنهج الجاهلي وتضع الجماعة فوق القانون، فهي طريق خطير لا ينبغي لسورية أن تسلكه مرة أخرى.
____لا نريد دولة تتدخل بعد وقوع المجزرة؛ نريد دولة تمنع أسبابها.
وهو ماحصل في مدينة نبل .
فكل التقدير والثناء والاحترام لمسؤولي الأمن بحلب و لقوى الأمن العام
ولكن لا نريد فعاليات تقف بعد سقوط الضحايا لتدعو إلى التهدئة؛
___ نريدها أن تمنع التحشيد قبل سقوط الضحية الأولى.
ولا نريد فزعات تنصر الجماعة؛ نريد مجتمعًا ينصر الحق.
___فالسلم الأهلي في سورية ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، وليس مسؤولية الدولة وحدها، وليس مسؤولية الوجهاء والفعاليات وحدهم.
___إنه مسؤولية مشتركة، لكن الدولة تبقى صاحبة المسؤولية الأساسية في فرض القانون وحماية الناس ومنع تحويل الشائعات إلى مواجهات.
سورية الجديدة لا تحتاج إلى فزعات جديدة.
سورية تحتاج إلى دولة قوية بالقانون، ومجتمع قوي بالحكمة، وفعاليات قوية في منع الفتنة، وعدالة لا تفرق بين سوري وسوري.
فالدم السوري واحد،
والفتنة لا تسأل عن اسم من أشعلها عندما تبدأ…
لكنها لا تتوقف بسهولة عندما تبدأ.
سعيد فارس السعيد
كاتب باحث استراتيجي مستقل
صوت من أجل شرق يولد من الرماد وليس من تحت الركام