كتاب واراء

وحدة الموقف الشيعي… مسؤولية وطنية ودور جامع للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

 

 

في مرحلة لبنانية دقيقة، جاء موقف نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، من بلدة يونين، حاملاً رسالة تتجاوز حدود المناسبة، وتلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في الحياة اللبنانية: كيف يحافظ كل مكوّن على تماسكه من دون أن يتحول ذلك إلى انغلاق، وكيف تتحول الخصوصية الطائفية إلى قوة للشراكة الوطنية لا إلى سبب للانقسام.

حين أكد سماحته أن «وحدة الموقف الشيعي مقدسة في هذه المرحلة الدقيقة»، لم يطرحها عنواناً منفصلاً عن لبنان، بل ربطها صراحةً بوحدة لبنان والدفاع عن لبنان، كل لبنان. وحذّر في الوقت نفسه من إثارة الحساسيات واستحضار الوقائع المؤلمة من الماضي بطريقة تعيد إنتاج التوتر بين الناس.

وهنا تكمن أهمية الموقف: فالماضي يُقرأ لاستخدام دروسه في حماية الحاضر، لا لتحويل جراحه إلى وقود لخلافات جديدة.

موقف الخطيب… امتداد طبيعي لدور المجلس

لا يمكن فصل هذا الموقف عن الدور الذي يضطلع به المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، باعتباره مؤسسة دينية ووطنية معنية بشؤون أبناء الطائفة، وفي الوقت نفسه جزءاً من الحياة العامة اللبنانية.

فحين يدعو سماحة الشيخ علي الخطيب إلى حماية وحدة المجتمع ورفض التحريض وإثارة الحساسيات، فإنه يعبّر عن وظيفة أساسية للمجلس: الحفاظ على تماسك المجتمع، معالجة الإشكالات بالحوار، وتعزيز التواصل بين العائلات والفعاليات، وربط الشأن الشيعي بالمصلحة اللبنانية العامة.

والمجلس، بهذه الرؤية، ليس مجرد مرجعية تُصدر المواقف، بل مساحة للتلاقي والتواصل، وقد استطاع أن يكون جسراً بين أبناء الطائفة وسائر المكونات اللبنانية، وأن يجعل من حضوره الديني والاجتماعي مدخلاً إلى الحوار والشراكة والعيش المشترك.

وهذا هو المعنى الأوسع لوحدة الموقف: أن تجمع الكلمة أبناء المجتمع في ما يحمي مصالحهم وكرامتهم، وأن تفتح في الوقت نفسه أبواب التواصل مع بقية اللبنانيين.

الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف

إن وحدة الموقف لا تعني إلغاء التعدد في الرأي، ولا فرض موقف سياسي واحد على الجميع. فالاختلاف جزء طبيعي من الحياة العامة، لكن الخلاف السياسي ينبغي ألا يتحول إلى خصومة اجتماعية، ولا إلى قطيعة بين العائلات والقرى والمناطق.

ومن هنا تأتي أهمية التحذير من إعادة إنتاج الماضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الخطابات التي تستحضر الجراح القديمة وتقدمها للأجيال الجديدة بوصفها وقائع حاضرة.

فأي خلاف يمكن مناقشته، وأي موقف يمكن نقده، وأي صفحة من التاريخ يمكن قراءتها، لكن حماية السلم الأهلي يجب أن تبقى خطاً لا يُتجاوز.

من الخطاب إلى العمل

إذا كانت الرسالة هي تعزيز التماسك، فإن ترجمتها تحتاج إلى حضور اجتماعي مستمر. وهنا تبرز مسؤولية المجلس والفعاليات والعائلات معاً في بناء قنوات تواصل دائمة، من خلال لجان محلية تضم الشخصيات الدينية والاجتماعية والعائلية والبلدية، وتكون على صلة بالمجلس لمتابعة القضايا ومعالجة الإشكالات قبل تفاقمها.

كما أن اللقاءات الدورية بين العائلات والفعاليات ومختلف شرائح المجتمع يمكن أن تعيد بناء الثقة وتقرّب وجهات النظر، فيما يتيح تنظيم العمل الاجتماعي مساندة الأيتام والأرامل والعائلات المحتاجة والنازحين والمتضررين بصورة أكثر فاعلية واستدامة.

ويستطيع المجلس، بالتعاون مع هذه الفعاليات، أن يوسع دوره في المصالحات ومعالجة المشكلات الاجتماعية، وأن يمنح الشباب والطلاب والطاقات الجديدة مساحة أوسع للمشاركة في العمل الاجتماعي والثقافي والوطني.

وهذه ليست مسؤولية المجلس وحده؛ فنجاحها يحتاج إلى تعاون الجميع معه ومع بعضهم البعض. والمجلس أبوابه مفتوحة للجميع، وكلما تحولت هذه الأبواب إلى حركة تواصل دائمة، أصبح الخطاب أكثر قدرة على الوصول إلى الناس وتحقيق أثره في حياتهم.

البقاع… مسؤولية تتجاوز حدود المنطقة

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في البقاع، حيث للعلاقات العائلية والاجتماعية وزن كبير في الاستقرار المحلي.

فحماية السلم الأهلي في بعلبك الهرمل ليست قضية محلية منفصلة عن لبنان، وأي توتر يبدأ بين أفراد أو عائلات أو قرى يمكن أن تتسع آثاره إذا لم تتم معالجته بالحكمة والحوار في بدايته.

ومن هنا، فإن مسؤولية الفعاليات الدينية والاجتماعية والعائلية توازي مسؤولية المؤسسات، لأن حماية المجتمع لا تبدأ بعد وقوع المشكلة، بل تبدأ بمنع أسبابها، وقطع الطريق على كل خطاب يدفع الناس نحو الخصومة.

وحدة الطائفة… في خدمة وحدة لبنان

القيمة الوطنية لموقف سماحة الشيخ علي الخطيب تظهر بوضوح في ربطه بين وحدة الموقف الشيعي ووحدة لبنان.

فالمكوّن اللبناني المتماسك لا يصبح قوة وطنية عندما ينغلق على ذاته، بل عندما يحوّل تماسكه إلى قدرة على المشاركة والحوار والتعاون مع الآخرين.

ومن هنا، فإن قوة المجتمع الشيعي وتضامنه وتماسكه لا تتناقض مع وحدة لبنان، بل يمكن أن تكون جزءاً منها عندما تقوم على المواطنة، واحترام التنوع، وصون السلم الأهلي، والتعاون مع سائر اللبنانيين.

وهنا تحديداً يتجسد دور المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: أن تكون عنايته بأبناء الطائفة جسراً إلى وطنهم، وأن تكون وحدتهم الداخلية مدخلاً إلى شراكتهم الأوسع مع جميع اللبنانيين.

فالمجلس جزء من لبنان، والطائفة جزء من لبنان، وأي جهد لتعزيز تماسكها عندما يرتبط بالمصلحة الوطنية يصبح رافداً من روافد الاستقرار العام.

لبنان أولاً

إن موقف سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب يفتح الباب أمام فهم أوسع لدور المجلس في هذه المرحلة: حماية المجتمع من الانقسام، تعزيز التكافل، فتح قنوات الحوار، والمساهمة في تثبيت الاستقرار الوطني.

والمطلوب أن تبقى وحدة الموقف عنواناً للعمل لا مجرد شعار؛ عملاً يحمي الناس، ويقرب بينهم، ويعالج الإشكالات بالحوار، ويرفض تحويل الماضي إلى وقود للحاضر.

لبنان لا يحتاج إلى مكونات متصارعة، بل إلى مكونات متماسكة تتعاون. ولا يحتاج إلى إلغاء خصوصياته، بل إلى تحويل تنوعه إلى شراكة وطنية حقيقية.

ومن هنا، فإن وحدة الموقف الشيعي، عندما تحمي المجتمع وتفتح أبوابه على سائر اللبنانيين، تصبح جزءاً من وحدة لبنان؛ وعندما تقوم على الحوار والتكافل والمواطنة، تتحول من عنوان طائفي إلى مسؤولية وطنية.

مصلحة لبنان أهم من الجميع وفوق الجميع، واستقرار لبنان مسؤولية الجميع.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب باحث استراتيجي مستقل

8 تشرين الأول 2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة