كتب إسماعيل النجار،
تعز على حافة التحوّل من حكم الجنوب إلى الشمال،
فهل سيدفع تقدّم أنصار الله الرياض إلى التفاوض والإعتراف بحكومة صنعاء؟
تكشف التطورات العسكرية المتسارعة في ريف تعز الجنوبي، وفقاً للأنباء المتداولة، عن احتمال حدوث تحول مهم في ميزان القوى في اليمن، في ظل تقدّم قوات صنعاء وانهيار الفصائل الموالية للسعودية السريع وتراجعها، في ظل الضغوط المتزايدة على طرق الإمداد الرابطة بين تعز وعدن. فإذا تمكنت صنعاء من تثبيت مكاسبها، فقد تتجاوز تداعيات المعركة حدود المحافظة لتطال المشهد العسكري والسياسي في جنوب اليمن برُمَّته.
لا يمكن تفسير تراجع الفصائل الموالية للسعودية بانعدام الروح القتالية وحدها، إذ تتداخل عوامل عدة، أبرزها تعدد التشكيلات ومراكز القرار، وضعف التنسيق بينها، والضغط على خطوط الإمداد، وتزامن الهجمات على أكثر من محور. كما أن التفاهمات القبلية والمحلية لعبت دوراً كبيراً في خط سير المعركة، وهذه قد تسهم في تقليص المقاومة في بعض المناطق. وتكمن خطورة فقدان الطرق الاستراتيجية في عزل الوحدات العسكرية المواليه للرياض ويحدّ من قدرتها على تلقي التعزيزات والذخائر، وقد يحوّل الانسحاب المحدود إلى تراجع متتابع، والقوات المتبقيه لن تبقى قدرتها كبيرة على إعادة تنظيم صفوفها والصمود وهذا يشكلُ عاملاً حاسماً في مسار المعركة. إذ تستند قوات صنعاء إلى خبرة قتالية تراكمت خلال سنوات الحرب، وقدرة على استثمار التضاريس الجبلية والممرات الاستراتيجية، فضلاً عن المبادرة الهجومية وتوزيع الضغط على جبهات متعددة. كما تمنحها الصواريخ والطائرات المسيّرة قدرة على تهديد أهداف بعيدة ورفع كلفة المواجهة.
وتبرز أهمية هذه العوامل عندما تتزامن مع اضطراب خطوط الإمداد لدى الخصم والتفاهمات المحلية التي قد تقلل الحاجة إلى خوض معارك مباشرة في بعض المناطق. ومع ذلك، فإن الاختراق العسكري لا يساوي الحسم النهائي؛ فتثبيت السيطرة وتأمين الطرق وإدارة المناطق تمثل تحديات لا تقل أهمية عن التقدم نفسه.
وقد يؤدي استمرار التقدم عبر ريف تعز باتجاه لحج إلى زيادة الضغط على المداخل الشمالية المؤدية إلى عدن، وإجبار القوات المدافعة على إعادة توزيع تشكيلاتها واحتياطياتها.
من هنا نستطيع الجزم بأن الوصول إلى عدن يظل احتمالاً مرتبطاً بمسار العمليات، وليس نتيجة محسومة في العمليات الحاليه. وقد يكون الهدف المباشر لصنعاء توسيع نطاق السيطرة، أو تفكيك دفاعات خصومها، أو تحسين شروطها التفاوضية، من دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار فوري باقتحام المدينة.
السعودية لم تعُد تملك خيارات عسكرية وسياسية تتيح لها الوقوف بوجه صنعاء بقوة، حتى لو قامت بتكثيف الدعم الجوي واللوجستي، وإعادة تنظيم القوات الموالية لها وتحسين التنسيق بين تشكيلاتها، أو محاولاتها فتح مسار تفاوضي يحد من اتساع المواجهة لأن صنعاء لن تُخدع مرتين. وفاعلية الدعم العسكري السعودي تتوقف على قدرة القوات المستفيدة منه على الاحتفاظ بالأرض والعمل ضمن قيادة متماسكة. فالقوة الجوية قد تبطئ التقدم، لكنها لا تضمن وحدها استعادة المواقع أو تثبيت خطوط الدفاع.
وإذا تكررت الانسحابات غير المنسقة وفشلت محاولات إعادة التنظيم، فقد تواجه الرياض مشكلة تتجاوز خسارة المواقع إلى ضعف قدرة حلفائها على تنفيذ استراتيجية عسكرية موحدة.
بالإضافه إلى ذلك قد يؤدي استمرار الخسائر الميدانية وارتفاع كلفة المواجهة إلى زيادة دوافع الرياض نحو التفاوض، خصوصاً إذا تعذّر احتواء تقدم صنعاء وأصبحت حماية المواقع الاستراتيجية أكثر صعوبة. فقد تسعى السعودية حينها إلى الجمع بين تعزيز حلفائها والتحرك الدبلوماسي، بهدف احتواء التصعيد والحفاظ على مصالحها الأمنية. وفي المقابل، قد تمنح المكاسب الميدانية صنعاء أوراق ضغط إضافية، ولكن ستسعى الرياض الى حوار يرتبط أيضاً بالخلافات السياسية، وتقاسم السلطة والموارد، وأمن الحدود والملاحة الإقليمية.
بعدما ثبتت مكاسب صنعاء وتعذّر على خصومها استعادة المبادرة، فقد تدخل الحرب اليمنية مرحلة جديدة تتزايد فيها الضغوط على القوات الموالية للسعودية، وتتقلص الخيارات العسكرية المتاحة أمام الرياض، فيما يصبح التفاوض وتقديم التنازلات أحد المسارات المطروحة بقوة أكبر.
لكن الحسم لا يزال مرتبطاً بقدرة صنعاء على تثبيت مواقعها، وقدرة خصومها على إعادة تنظيم دفاعاتهم، وطبيعة التدخلات الإقليمية. أما عدن، فستبقى مرتبطة بمآلات المعارك في تعز ولحج، من دون أن يكون الوصول إليها أمراً محسوماً قبل إنكشاف الضباب في تعز.
وفي نهاية المطاف، قد تعيد التحولات العسكرية رسم موازين القوة، لكنها لا تضمن وحدها تسوية مستدامة بسبب حقد آل سعود وغدرهم السياسي، فاستقرار اليمن يتطلب معالجة جذور الصراع والتوصل إلى تفاهمات سياسية وأمنية تحمي المدنيين وتفتح الطريق أمام إنهاء الحرب.
الأيام القادمة ستخبرنا بما هو قائم.
بيروت في،،، 3/10/2026