كتب /نبيل الشريف.
كان وسيبقى منبر خطبة يوم الجمعة في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى منبرًا لفكر ونهج الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيته عليهم السلام.
ومنبرًا للوحدة الوطنية والعيش المشترك والشراكة الوطنية الصادقة.
ومنبرًا لكلمة الحق وعدم السكوت عن الخطأ، داخليًا وعربيًا وإسلاميًا.
ومنبرًا لتكريس قيم ومبادئ ومفاهيم إنسانية الإنسان، من أجل حياة يسودها الأمن والاستقرار والتنمية والازدهار، ونصرة المظلوم في كل أمة وكل مجتمع.
ومن هذا المنطلق، تأتي مواقف سماحة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب، لتؤكد أن هذا المنبر ليس منبرًا للمجاملة أو الصمت عن الخلل، بل منبر للمسؤولية الوطنية، وقول كلمة الحق عندما تستدعي الظروف ذلك.
وقد كان تحذيره من خطورة التعاطي مع الطائفة الشيعية على أساس أنها «طائفة مهزومة» رسالة واضحة إلى ضرورة الابتعاد عن كل ما من شأنه تعميق الانقسام اللبناني، أو تكريس منطق الغالب والمغلوب داخل مؤسسات الدولة.
وهنا لا بد من التوقف عند ملف أساسي وحساس، هو الشغور في عدد من وظائف الفئة الأولى المخصصة للطائفة الشيعية.
إن ملء هذا الشغور ليس مطلبًا فئويًا أو امتيازًا لطائفة، وإنما هو تطبيق لمبدأ الشراكة الوطنية التي قام عليها لبنان، واحترام للتوازنات التي تحكم مؤسسات الدولة.
وإذا كانت الدولة ماضية في معالجة الشغور وإجراء التعيينات في إداراتها ومؤسساتها، فإن المطلوب أن يشمل ذلك أيضًا المواقع المخصصة للطائفة الشيعية، وفق الأصول القانونية والدستورية، وبعيدًا عن الانتقائية أو الاستنسابية.
فليس من المقبول أن تبقى مواقع من الفئة الأولى شاغرة لفترات طويلة، بينما تستمر التعيينات في مواقع أخرى، لأن استمرار الشغور من دون مبررات واضحة قد يفتح الباب أمام قراءات سياسية لا يحتاجها لبنان في هذه المرحلة.
والأهم من ذلك أن تتجنب السلطة أي ممارسة يمكن أن تُفهم على أنها كيدية سياسية أو إقصاء لمكوّن لبناني بسبب خياراته أو مواقفه السياسية.
الدولة ليست مكانًا لتصفية الحسابات.
والإدارة العامة ليست ملكًا لفريق سياسي.
والوظيفة العامة ليست وسيلة للعقاب أو المكافأة السياسية.
إن المطلوب من السلطة الحالية هو أن تتعامل مع جميع اللبنانيين ومكوناتهم الوطنية بمنطق الدولة، لا بمنطق الخصومة السياسية.
فإذا كان الهدف هو مكافحة الفساد وإصلاح الإدارة، فليكن ذلك شاملًا وعادلًا وعلى أساس معايير واضحة وموحدة، لا أن يتحول شعار الإصلاح إلى مدخل للاستنسابية أو الإقصاء.
كما أن ملء الشغور في وظائف الفئة الأولى المخصصة للطائفة الشيعية يجب أن يتم على أساس الكفاءة والنزاهة والخبرة، وبما ينسجم مع قواعد الشراكة الوطنية، بعيدًا عن أي محاصصة أو كيدية.
وهذا تحديدًا هو معنى الدولة العادلة.
لا نريد امتيازات لطائفة، ولا نريد إقصاءً لطائفة.
نريد دولة تحترم حقوق الجميع، وتطبّق قواعد الشراكة على الجميع، وتختار الأكفأ والأصلح لخدمة مؤسساتها.
إن الدفاع عن حقوق أبناء الطائفة الشيعية لا يعني أبدًا الدعوة إلى الانقسام أو الانتقاص من حقوق الآخرين؛ بل يعني رفض أن يتحول الانتماء الطائفي إلى سبب للإقصاء أو التهميش.
وكذلك، فإن احترام حقوق الشيعة هو جزء من احترام حقوق كل مكونات لبنان.
ومن هنا تأتي أهمية منبر الجمعة في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي يبقى منبرًا للوحدة الوطنية، لا للتعبئة الطائفية؛ ومنبرًا للشراكة، لا للإلغاء؛ ومنبرًا لكلمة الحق، لا للمجاملة؛ ومنبرًا للدفاع عن الإنسان وكرامته وحقوقه.
لبنان اليوم بحاجة إلى تخفيف الاحتقان، لا إلى إنتاج أسباب جديدة له.
بحاجة إلى مؤسسات تجمع اللبنانيين، لا إلى ممارسات تزيد المسافات بينهم.
وبحاجة إلى دولة قوية وعادلة، يشعر فيها كل مكوّن بأنه شريك كامل، لا مهزوم ولا مغلوب.
لذلك، فإن الرسالة واضحة:
املأوا الشغور في وظائف الفئة الأولى المخصصة للطائفة الشيعية، وفق الأصول والكفاءة والشراكة الوطنية، وأوقفوا كل ممارسة يمكن أن تُفهم على أنها كيدية سياسية أو إقصاء.
فالدولة لا تقوى بإضعاف مكوّن من مكوناتها، ولا تُبنى بتصفية الحسابات السياسية داخل مؤسساتها.
الدولة تقوى بالعدالة.
وتستقر بالشراكة.
وتحميها المساواة.
ويحفظها احترام كرامة جميع أبنائها وحقوقهم.
وسيظل منبر الجمعة في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى منبرًا لفكر ونهج الرسول وأهل بيته عليهم السلام، ومنبرًا للوحدة الوطنية والعيش المشترك، وكلمة الحق، ونصرة المظلوم، وتكريس إنسانية الإنسان؛ من أجل لبنان أكثر أمنًا واستقرارًا، وشرق أكثر سلامًا وتنمية وازدهارًا.
__نبيل الشريف__