مَن يخترعُ الخطرَ لِيَربحَ به انتخاباً، يكشفُ أنّه خسرَ كلَّ شيءٍ سواه.
المقدمة
وقفَ نتنياهو في قاعدةٍ جوية، وخلفَه مقاتلةٌ كديكور، محذّراً من «هجومٍ معادٍ قبل الانتخابات» متوعّداً بردٍّ عنيف. ثمّ حدثَ ما لم يكن في الحسبان: مؤسستُه الأمنيةُ نفسُها كذّبته، وقالت لا معلوماتِ تحذيرٍ جديدة. حين يُكذّبُ الجيشُ قائدَه، لا يبقى للتهديدِ معنًى إلا واحد: إنها طوارئُ مفتعلةٌ لِصناعةِ صوتٍ في صندوق.
#أولاً: أينَ نحن الآن؟
نحن في ذروةِ توتّرٍ انتخابيةٍ مُدارة، لا في ساعةِ حربٍ حقيقية. الرجلُ الذي تُظهرُ الاستطلاعاتُ خسارتَه في السابعِ والعشرين من تشرين، يصنعُ الخوفَ صناعةً: يخترعُ إنذاراً يكذّبُه جنرالاتُه، ويطرحُ - كما كشفَ إعلامُ العدوّ - احتمالَ تعطيلِ الانتخاباتِ بذريعةٍ أمنية. والمعارضةُ تردّ على لسانِ لابيد: «قواعدُ الجيشِ ليست ديكوراً لفيديوهاتٍ انتخابية». هذه ليست دولةً تستعدُّ لحرب؛ إنها زعيمٌ يستعدُّ لِهزيمة.
#ثانياً: الحلفُ الانقضاضيُّ الهشّ
وبالتوازي، يهربُ نتنياهو إلى الأمام: زيارةٌ سرّيةٌ لأبوظبي، واجتماعٌ ضمّ عشرَ دولٍ لبناءِ شبكةِ تطويقٍ للمحور، وصورةِ «الزعيمِ الإقليمي» قبلَ الاقتراع. لكنّ هذا حلفُ مصالحَ لا حلفُ حرب: أعضاؤه يريدون احتواءَ إيرانَ اقتصادياً، لا حرباً تُشعِلُ مصراعَي الطاقةِ - هرمزَ وبابَ المندبِ - فوقَ رؤوسِهم. حلفٌ يُبنى على رملٍ متحرّك، أعضاؤه أنفسُهم منكشفون على نارِ من يريدون تطويقَه.
#ثالثاً: هيبةٌ تتضعضع
خلفَ كلِّ هذا الصخبِ حقيقةٌ باردة: أميركا ظهرت عاجزةً عن حسمِ إيران، والنفطُ فوقَ المئة، وحلفاؤها يستجدون الهدنة، وترامب انتقلَ من «الاستسلام غير المشروط» إلى «صفقةٍ بعد الانتخابات». هذا تراجعُ هيبةٍ وردعٍ، لا خروجٌ من المعادلة - لكنّه كافٍ لِيفهمَ الإقليمُ أنّ زمنَ الإملاءِ بالقوةِ يتآكل. من لا يملكُ حسماً في الميدان، يستعيرُ الصورةَ من المنبرِ ومن قاعدةِ الطيران.
#رابعاً: نافذةُ الخطر
المؤسسةُ الإسرائيليةُ نفسُها تُقدّرُ أنّ الخطرَ في الفترةِ الفاصلةِ بين انتخاباتِها (27 تشرين) والانتخاباتِ الأميركيةِ (3 تشرين الثاني): أسبوعٌ يكون فيه نتنياهو ساقطاً أو مُصرِّفَ أعمال، وترامب منشغلاً بناخبِه - فراغُ ردعٍ قد يُغري بتصعيد. لكنّ الأرجحَ أنّه حسابُ ردعٍ متبادلٍ لا موعدُ حربٍ محتوم.
#خامساً: أينَ الضربةُ القاضيةُ على نتنياهو؟
ليست الضربةُ القاضيةُ صاروخاً من الخارج، بل **من صنعِ يدِه**. حين يخترعُ طوارئَ يكذّبُها جيشُه، يتحوّلُ من «صانعِ الأمن» إلى «مُفتعِلِ الذعر» - وهذه أقتلُ تهمةٍ لزعيمٍ بنى مجدَه على وهمِ أنّه حامي إسرائيل. الضربةُ القاضيةُ أن يُكشَفَ أنّه يقايضُ أمنَ دولتِه ببقائِه في كرسيّه: يفتعلُ الحربَ لِيؤجّلَ الانتخابات، ويستعرضُ المقاتلاتِ لِيُخفيَ الاستطلاعات. الغريقُ الذي يلوّحُ بالطوارئِ يُغرقُه التلويحُ نفسُه؛ فمن يُرعِبُ شعبَه لِيبقى، يخسرُه ويخسرُ الكرسيَّ معاً.
#الخاتمة
إلى أينَ تتّجهُ الأمور؟
نحو لحظةٍ مفصلية: إمّا سقوطُ نتنياهو في الصندوق، وإمّا مقامرتُه الأخيرةُ لِتعطيلِه.
وفي الحالين، المشروعُ الذي رُسِمَ على قبرِ الشهداءِ يترنّح:
لا تطبيعٌ اكتمل، ولا ردعٌ استُعيد،
ولا حلفٌ صَلُب، ولا جبهةٌ حُسِمت.
أمّا نحن، فالثابتُ أنّ من يصنعُ الخوفَ لا يملكُ القوة،
ومن يستعيرُ الصورةَ يفتقدُ الحقيقة.
الصبرُ والوعيُ يكفيان لِنرى أنّ عدوّاً يفتعلُ طوارئَه هو عدوٌّ يقفُ على حافّةِ سقوطِه.
قولوا يا رب.
د. وسيم جابر -