كتب إسماعيل النجار،
ترامب وإيران ونتنياهو،
بين التصعيد العسكري وحسابات التسوية مَن سيرسم مستقبل الشرق الأوسط؟
وآلى أين ستؤول الأمور في المنطقة؟.
لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي فقط، بل ذهبَ نحو اختبارٍ عميق لموازين القوة في الشرق الأوسط، ولطبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ولمستقبل المنطقة الممتدة من لبنان والعراق إلى سوريا والخليج واليمن.
وفي قلب هذه المواجهة يقف مجموعة أطراف على رؤوس أصابعهم ويُشرِعون أسِنَّة رماحهم، لكل فريق منهم حساباته وأهدافه،
دونالد ترامب الذي يوازن بين استخدام القوة وإمكانية التوصل إلى اتفاق،
وإيران التي تسعى إلى الحفاظ على موقعها الإقليمي وقدراتها الاستراتيجية،
وبنيامين نتنياهو الذي يربط أمن إسرائيل بمواجهة إيران وشبكة القوى المتحالفة معها.
لكن السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه هو هل يستطيع التصعيد العسكري أن ينتج تسوية سياسية مستقرة، أم أنه يفتح أبواباً لمواجهات جديدة تتجاوز حدود الدول المتحاربة؟
أولاً،،، بين ترامب وإيران التهديد العسكري لم يلغي باب التفاوض وتُظهر التطورات الأخيرة أن سياسة ترامب تجاه إيران تجمع بين الضغط العسكري والضغط الاقتصادي، والتهديد بتوسيع المواجهة، والإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر/أيلول 2026، وجّه ترامب تحذيرات شديدة إلى طهران، وربط تجنّب تصعيد أكبر بإمكان التوصل إلى اتفاق. كما تحدث عن اتصالات ومحادثات تجري بين الطرفين. فهذه المعادلة تعكس محاولة أميركية لتحقيق أهداف استراتيجية من خلال الجمع بين الضغط والتفاوض. غير أن نجاحها ليس مضمونًا فالتصعيد قد يدفع الطرف الآخر إلى تقديم تنازلات ليست ذات قيمه، لكنه قد يدفعه أيضًا إلى التشدد والتمسك بأوراق القوة الإستراتيجيه التي يمتلكها.
وتواجه واشنطن بدورها معضلة واضحة فالحرب الواسعة لا تقتصر تكلفتها على العمليات العسكرية، بل تمتد إلى أسواق الطاقة والملاحة الدولية وأمن الحلفاء والاستقرار الاقتصادي.
لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كان ترامب قادراً على إطلاق التهديدات، بل ما إذا كان يستطيع تحويل التفوق العسكري الأميركي إلى اتفاق سياسي قابل للاستمرار، من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة.
ثانيًا،،، نتنياهو وترامب بينهما تحالف استراتيجي ولكن هذا لا يعني تطابق في الحسابات السياسيه، وكُلٌ منهم يُغَنِّي على ليلآه، صحيح أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تجمعهمآ شراكة استراتيجية عميقة، لكن هذه الشراكة لا تعني بالضرورة أن الطرفين يتفقان في كل مرحلة على توقيت الحرب وحدودها وتفاصيلها وشروط إنهائها.
فنتنياهو ينظر إلى إيران باعتبارها تهديداً استراتيجياً لإسرائيل، ويضع إضعاف قدراتها العسكرية والنووية في صلب سياسته الأمنية. أما ترامب، فعليه أن يوازن بين أهداف إسرائيل، والحسابات الأميركية المباشرة، وكلفة استمرار الحرب، ومواقف الدول الحليفة لواشنطن.
وفي خطابه أمام الأمم المتحدة في 24 سبتمبر/أيلول، أشاد نتنياهو بدور ترامب وبالتعاون العسكري الأميركي الإسرائيلي، ودافع عن العمليات ضد إيران. وفي المقابل، لم يعقد الرجلان لقاءً على هامش اجتماعات الجمعية العامة، وفق التقارير المنشورة عن الزيارة في الصحف المحليه والدوليه، هذا التطور لا يكفي وحده للقول إن التحالف بين الرجلين قد انهار أو إن خلافاً حاسماً قد وقع بينهما، لكنه يسلط الضوء على حقيقة سياسية مهمة قد تتفق واشنطن وتل أبيب على توصيف التهديد، بينما تختلف حساباتهما بشأن إدارة الحرب ومآلاتها. وهنا تكمن إحدى العقد الأساسية في المشهد الإقليمي. فإذا كانت إسرائيل تريد ضمانات بعيدة المدى بشأن أمنها، فإن الإدارة الأميركية تحتاج إلى تحديد ما الذي يمكن اعتباره إنجازاً سياسياً وعسكرياً، وما الثمن الذي يمكن تحمله لتحقيقه.
ثالثاً،،، خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة… الرسائل الموجّهة إلى الخارج والداخل
لم يكن خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة مجرد عرض للموقف الإسرائيلي من إيران. فقد تناول أيضاً الحرب في غزة، والاتهامات الدولية الموجهة إلى إسرائيل، وعلاقاتها مع دول غربية، وموقفه من خصومه السياسيين. وقد شهد الخطاب مغادرة أغلبية الوفود من القاعة، فيما دافع نتنياهو عن العمليات الإسرائيلية ورفض اتهامات الإبادة الجماعية، وهاجم منتقدي حكومته بصلافه، وفي هذا السياق، تبرز أهمية التمييز بين الرسالة الموجهة إلى المجتمع الدولي والرسالة الموجهة إلى الجمهور الإسرائيلي. فالخطاب الذي يسعى إلى إظهار الحزم أمام الداخل قد لا يحقق بالضرورة الغاية نفسها في الخارج، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية والرأي العام. كما أن تصوير الصراع على أنه مواجهة عسكرية فقط لا يجيب عن الأسئلة السياسية التي ستظهر بعد توقف العمليات، ويبقى السؤال ما هو شكل الترتيبات الأمنية؟ وما هو مصير الملفات النووية؟ وكيف ستُعالج تداعيات الحرب على السكان والاقتصادات والعلاقات بين دول المنطقة؟
إن قيمة أي إنجاز عسكري لا يمكن فصلها عن نتائجه السياسية. فقد يغيّر استخدام القوة ميزاناً ميدانياً، لكنه لا يضمن وحده قيام نظام إقليمي مستقر.
رابعاً،،، لبنان وجريمة البيجر التي بدأت في الاختراق الأمني وصولاً إلى معادلة الردع،
هذه التجربة الأمنية الصهيونيه تكتسب أهمية خاصة عند تناول العلاقة بين التفوق التكنولوجي والأمن الإقليمي. فقد كشفت عملية تفجير أجهزة الاتصال، المعروفة إعلاميًا بقضية البيجر، عن جانب بالغ الحساسية من الصراع إمكانية انتقال المواجهة من الجبهات التقليدية إلى البنية التقنية وشبكات الاتصال والأمن الداخلي.
لكن الدلالة الأوسع لا تتعلق بالأجهزة وحدها، بل بما تطرحه من أسئلة عن أمن الاتصالات وسلاسل التوريد، وعن حدود قدرة التنظيمات والدول على حماية بنيتها التحتية من الاختراق. ومن هنا، فإن عنوان نتنياهو والبيجر يفتح باباً لتحليل أوسع بشأن توظيف التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي في الصراع، ومدى قدرة العمليات النوعية على تغيير معادلات الردع على المدى الطويل.
فالنجاح في توجيه ضربة أمنية أو عسكرية لا يعني بالضرورة إنهاء التهديد المقابل، كما أن إضعاف حزب الله في مرحلة معينة لا يضمن زواله ولا أسباب الصراع.
وبالنسبة إلى لبنان، تبقى المسألة مرتبطة بكلفة المواجهة على الدولة والمجتمع والاقتصاد، وبقدرة المؤسسات اللبنانية على حماية المدنيين وتجنب تحوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. لإن مستقبل لبنان لا يمكن اختزاله في نتائج المواجهة بين إسرائيل وإيران؛ فهو يتصل أيضاً بحقوق اللبنانيين القاطنين على جانب الحدود الفاصله مع الكيان المصطنع وباستقرار مؤسساته، وسيادته، وأمن حدوده، وقدرته على تجنيب شعبه جولات جديدة من الدمار.
خامساً،،، العراق وسوريا والخليج واليمن همآ امتدادات المواجهة الإقليمية الحاصله اليوم ولا تقف تداعيات هذا الصراع عند حدود إيران وإسرائيل. فالعراق وسوريا ودول الخليج واليمن تقع جميعها ضمن المجال الذي يمكن أن تتأثر توازناته بأي تصعيد واسع.
*العراق بدورهِ يواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في حماية سيادته واستقراره الداخلي، وتجنب تحوله إلى ساحة تتقاطع فيها المواجهة الأميركية الإيرانية مع الصراعات المحلية. وأي تصعيد يضع الدولة العراقية أمام أسئلة تتعلق بأمن أراضيها ومصالحها الاقتصادية وعلاقاتها الخارجية.
*أما سوريا تظل الجغرافيا السورية ذات أهمية استراتيجية في حسابات القوى الإقليمية، سواء في ما يتعلق بأمن الحدود أو طرق الإمداد أو التنافس على النفوذ. وأي تغير في ميزان القوة المحيط بإيران وإسرائيل قد ينعكس على الحسابات الأمنية والسياسية داخل سوريا وخارجها.
* حتى دول الخليج جميعها تتداخل مصالحها في أمن الطاقة والممرات البحرية واستقرار الأسواق مع ضرورة تجنب حرب إقليمية واسعة. وتزداد أهمية الجهود الدبلوماسية كلما ارتفعت مخاطر استهداف المنشآت الحيوية أو تعطيل الملاحة.
*وأخيراً اليمن الذي يكتسب موقعه أهمية إضافية كُبرىَ بسبب ارتباط أمن البحر الأحمر وباب المندب بالتجارة الدولية وإمدادات الطاقة. وأي اتساع للمواجهة قد يرفع مستوى المخاطر البحرية ويزيد الترابط بين جبهات الصراع المختلفة.
وقد أظهرت التقارير المنشورة في أواخر سبتمبر/أيلول 2026 أن الوساطات الرامية إلى إنهاء الحرب شملت ملفات تتصل بوقف القتال، والعقوبات، والبرنامج النووي، والممرات البحرية. وهذا الترابط يؤكد أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على اتفاق ثنائي يتجاهل تداعيات الحرب على بقية دول المنطقة.
سادساً،،، هل تستطيع هذه الحرب أن تحسم الصراع؟ ولطالما تستند الحسابات العسكرية عادة إلى القدرة على إلحاق الضرر بالخصم، وتدمير منشآته، وإضعاف قدراته، ورفع كلفة استمراره في المواجهة. لكن الحسم العسكري شيء، وإنهاء الصراع سياسياً شيء آخر.
فحتى عندما تحقق العمليات العسكرية أهدافاً محددة، تبقى مسائل الردع والضمانات الأمنية والبرنامج النووي والعقوبات والعلاقات الإقليمية بحاجة إلى تسويات تتجاوز ميدان القتال.
كما أن استمرار الحرب قد يخلق مصالح ومواقف جديدة تجعل العودة إلى الوضع السابق مستحيلة، من دون أن يجعل البديل أكثر استقرارًا بالضرورة.
ومن هنا، فإن أي تفاهم أميركي إيراني محتمل سيواجه أسئلة جوهرية، أولها ما هي الضمانات المتبادلة؟ وكيف ستُراقب الالتزامات النووية؟ وما مصير العقوبات؟ وكيف يمكن منع انتقال الخلاف إلى جبهات أخرى؟
*أما إسرائيل، فستكون معنية بمدى انعكاس أي اتفاق على أمنها وتوازن القوى المحيط بها. وستكون دول المنطقة معنية كذلك بما إذا كانت التسوية ستؤسس لمرحلة أقل توتراً، أم أنها ستؤجل المواجهة من دون معالجة أسبابها.
* في النهايه المنطقة أمام مفترق طرق
والمشهد الذي يجمع ترامب ونتنياهو وإيران لا يمكن فهمه باعتباره مواجهة بين ثلاثة أشخاص فحسب؛ إنه صراع على الأمن والنفوذ والردع، وعلى شكل النظام الإقليمي الذي سيتبلور بعد الحرب.
ترامب يواجه اختبار تحويل الضغط إلى اتفاق، ونتنياهو يسعى إلى تثبيت نتائج المواجهة ضمن معادلة أمنية طويلة الأمد، فيما تحاول إيران الحفاظ على مصالحها وقدراتها في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية.
وبين هذه الحسابات، يبقى لبنان والعراق وسوريا ودول الخليج واليمن معنيين مباشرة بما ستؤول إليه المواجهة، حتى وإن لم تكن قرارات الحرب والسلم بأيديهم جميعًا. لإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة هو أن تتحول القوة العسكرية من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية محددة إلى مسار مفتوح يعيد إنتاج الصراع في كل مرة، وينقل كلفته من الحكومات إلى الشعوب. والسؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة ليس مَن يعلن انتصاره أولاً، بل مَن يستطيع تحويل نتائج المواجهة إلى تسوية تمنع اندلاع حرب جديدة.
وإذا كان التصعيد قد أصبح لغة حاضرة في إدارة الصراع، فإن السؤال الذي سيبقى مفتوحًا هو هل يستطيع ترامب تحويل الضغط إلى اتفاق، وهل يستطيع نتنياهو ضمان أمن إسرائيل من دون إبقاء المنطقة في حالة استنفار دائم، وهل تستطيع إيران حماية مصالحها من دون دفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة؟
تلك هي الأسئلة التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، لا التصريحات النارية وحدها ولا الإعلانات المتبادلة عن الانتصار.
فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى انتصار إعلامي جديد بقدر ما يحتاج إلى تسوية سياسية تمنع الحرب التالية.
بيروت في،،، 30/9/2026