بقلم : أمين السكافي .
هناك لحظات في تاريخ الأمم لا يجوز أن تُقرأ بعين الحاضر وحده، لأن ما يبدو اليوم ضعفاً قد يكون، في ميزان التاريخ، لحظة إعادة ولادة للقوة.
ومن هنا، حين يُطرح السؤال: ما جدوى المقاومة؟ ولماذا يجب الحفاظ عليها؟ لا يصح أن نبدأ من آخر معركة، ولا من آخر ضربة، ولا من آخر شهيد، بل علينا أن نعود أربعة عقود إلى الوراء، إلى لبنان الذي كان الاحتلال فيه حقيقة يومية، وإلى الجنوب الذي كان يدفع ثمن الجغرافيا والتاريخ فيما كان العالم يكتفي بالبيانات والقرارات.
قبل المقاومة الإسلامية لم يكن لبنان بلا مقاومة. كانت هناك مقاومات فلسطينية ولبنانية، وأحزاب حملت السلاح وخاضت معارك وقدمت شهداء، وبعضها ترك صفحات مضيئة في تاريخ المواجهة. لكن تلك المرحلة كانت موزعة بين قوى متعددة، متفاوتة في التنظيم والقدرة والقرار والامتداد.
أما المقاومة الإسلامية، فقد ولدت من رحم المعاناة نفسها، لكنها اختارت أن تجعل من التجربة مدرسة، ومن الشهادة قوة، ومن الألم تنظيماً، ومن القلة بداية مشروع طويل.
بدأت ثلة قليلة.
كانوا أقرب إلى أصحاب بدر في عددهم من جيش مكتمل الأركان، لكنهم دخلوا إلى الميدان بما هو أثقل من العدد: بالإيمان بالأرض، وبقناعة أن الاحتلال لا يخرج من وطن لأن العالم طلب منه ذلك، بل عندما تصبح كلفة بقائه أعلى من قدرته على احتماله.
وهنا بدأ التحول.
قبل المقاومة، كان الجنوب يُقصف فنشتكي، ويُحتل فنستنجد، وتُخرق سيادتنا فننتظر اجتماعاً دولياً جديداً.
أما بعد المقاومة، فقد دخل عنصر جديد إلى المعادلة: الاحتلال أصبح أمام قوة تقاتله على الأرض.
كبرت تلك الثلة.
كبرت تحت النار، وفي الوديان والتلال والقرى، وفي ليالي المطاردة والكمائن والشهادة. صارت أصلب من الحديد والصوان؛ لا لأن الحديد لا ينكسر، بل لأن الفولاذ الذي يصنع في النار يتعلم كيف يتحمل النار.
وهكذا تحولت المقاومة، في نظر مؤيديها، من مجموعة مقاتلين إلى قوة ردع ودفاع، ومن تجربة محلية إلى عنصر أساسي في معادلة الصراع اللبناني ـ الإسرائيلي.
ثم جاء عام 2000.
وهنا ينبغي ألا نمحو التاريخ باسم البيانات.
قرار مجلس الأمن 425 صدر في 19 آذار 1978، وطالب إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية والانسحاب فوراً من الأراضي اللبنانية، وأنشأ اليونيفيل للمساعدة في تأكيد الانسحاب واستعادة سلطة الدولة اللبنانية.
لكن القرار لم يُنفذ في حينه.
بقي الاحتلال سنوات طويلة.
بقيت مزارع وقرى وأرض لبنانية تحت السيطرة الإسرائيلية، وبقيت المقاومة تقاتل وتدفع الدم وتراكم الخبرة وتستنزف الاحتلال.
ثم جاء عام 2000، فانسحبت إسرائيل.
الأمم المتحدة وثّقت أن الانسحاب تم وفق الخط الذي حددته الأمم المتحدة، وأن القوات الإسرائيلية بدأت في أيار بإخلاء مواقعها، وسط تبادل إطلاق النار، وأن الانسحاب تسارع بصورة كبيرة، حتى تمكنت الأمم المتحدة في حزيران من تأكيد اكتماله.
لكن السؤال الذي يحق للبناني أن يطرحه هو:
لو كان القرار 425 وحده كافياً، فلماذا احتاج تنفيذه إلى اثنين وعشرين عاماً؟
هنا تبدأ قراءة أخرى للتاريخ.
القرار الدولي كان موجوداً منذ 1978، لكن الذي تغيّر على الأرض بين 1978 و2000 لم يكن نص القرار؛ الذي تغيّر هو ميزان القوة وكلفة الاحتلال.
وحتى في المصادر الإسرائيلية، تُنسب إلى هجمات حزب الله ضغوط مباشرة على إسرائيل أسهمت في إخلاء المنطقة الأمنية عام 2000، وإن كانت الرواية الرسمية الإسرائيلية تؤكد في الوقت نفسه أن الانسحاب جاء بقرار من الحكومة الإسرائيلية وبالتنسيق مع الأمم المتحدة وتنفيذه وفق القرار 425.
وهنا لا يحتاج المرء إلى أن يكون صديقاً للمقاومة كي يفهم الفكرة الأساسية: القرارات الدولية تحتاج دائماً إلى قوة سياسية أو عسكرية أو دبلوماسية تجعل تنفيذها ممكناً.
ومن هنا تأتي جدوى المقاومة في القراءة التي يتبناها مؤيدوها.
هي ليست مجرد بند عسكري.
إنها ورقة قوة للبنان.
لكن ما الذي يعنيه ذلك اليوم، بعد كل الضربات التي أصابت المقاومة؟
هنا تصل بنا الطريق إلى أُحد.
في أُحد، لم يكن الألم بسيطاً. استشهد رجال، وجُرح آخرون، وتعرض المسلمون لنكسة عسكرية قاسية. وكان يمكن للحظة أن تتحول الهزيمة إلى انهيار نفسي وسياسي كامل.
لكن الرسول الأعظم ﷺ لم يقل: انتهى كل شيء.
ولم يقل: خسرنا المعركة فلنسلم ما بقي من السلاح.
ولم يغلق المسجد ويطلب من أصحابه أن يذهب كل منهم إلى شأنه.
بل جاءت حمراء الأسد.
والقرآن نفسه يخلّد هذه اللحظة:
«الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ».
أي بعد الجراح.
ليس قبل الجراح.
بعد أن نزفوا، خرجوا.
وبحسب الروايات التفسيرية، بلغ النبي ﷺ أن قريشاً كانت تفكر في العودة بعد أُحد، فدعا من شهد أُحد إلى الخروج معه، فتحرك المسلمون إلى حمراء الأسد وهم مثخنون بالجراح، لإظهار أن الهزيمة لم تسقط قدرتهم على المواجهة. وانتهى الأمر بانصراف قريش وعدم عودتها إلى المدينة.
وهنا تكمن عظمة حمراء الأسد.
لم تكن معركة انتقام.
كانت معركة استعادة التوازن النفسي والاستراتيجي.
كانت تقول للعدو: نعم، لقد أصبتنا، لكنك لم تكسرنا.
وهذا هو الفرق بين الجرح والهزيمة.
فالجرح قد يسكن الجسد، أما الهزيمة الحقيقية فتسكن الإرادة.
ولهذا تصبح أُحد وحمراء الأسد درساً في التاريخ قبل أن تكونا حادثتين في السيرة.
فالأمم لا تنهض لأنها لم تُهزم يوماً؛ بل لأنها عندما تُهزم تعرف كيف تقوم.
والأهم أن المسافة بين أُحد وفتح مكة لم تكن مسافة أجيال. وقعت أُحد سنة 3 للهجرة، ثم جاء فتح مكة سنة 8 للهجرة؛ أي إن السنوات التي تفصل الجرح الكبير عن لحظة دخول مكة كانت سنوات معدودة، امتلأت بإعادة بناء القوة وتثبيت التحالفات وتغيير موازين الصراع، حتى دخل النبي ﷺ مكة ومعه عشرة آلاف مقاتل.
ومن هنا تأتي الصورة التي يريدها أنصار المقاومة اليوم: لا تجعلوا من الضربة نهاية التاريخ.
فمن يرى أن المقاومة خسرت لأنها تلقت ضربة، عليه أن يتذكر أن أُحد لم تكن نهاية الإسلام.
ومن يرى أن السلاح أصبح بلا جدوى لأن المقاومة أصيبت، عليه أن يسأل: هل وظيفة القوة أن تمنع كل ضربة، أم أن تكون قادرة على النهوض بعد الضربة؟
أما القول إن السلاح يجب أن يُسلّم قبل انتهاء الاحتلال أو قبل بناء استراتيجية دفاع وطنية تضمن عدم تكرار الاعتداء، فهو، في خطاب مؤيدي المقاومة، يُنظر إليه بوصفه تنازلاً عن إحدى أوراق القوة اللبنانية، بل ويمسّ معنى السيادة نفسها.
لكن هذا يبقى موقفاً سياسياً من الداخل اللبناني يتماهى مع موقف الكيان إتجاه السلاح الذي ردعه تاريخيا ولا زال يشكل حاجزا لأطماعه حتى الآن .
أما الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها فهي أن إسرائيل لم تكن خلال تاريخ لبنان الحديث قوة يمكن الاطمئنان إلى جانبها. تاريخ الاجتياحات والاحتلال والغارات والاعتداءات يجعل مسألة الدفاع عن السيادة قضية فعلية وليست نظرية.
ولهذا يرى مؤيدو المقاومة أن الحديث عن نزع السلاح قبل إزالة أسباب الحاجة إليه يشبه هدم السور قبل التأكد من أن العدو لم يعد يقف خلفه.
أما لبنان الذي يريد أن يكون سيد نفسه، فلا يستطيع أن يبني سيادته على الذاكرة القصيرة.
إنه يحتاج إلى جيش قوي، ودولة قوية، واستراتيجية دفاع واضحة، وكل عناصر القوة التي تمنع الاعتداء.
وهنا يعود السؤال الأول:
ماذا كنا قبل المقاومة؟ وماذا أصبحنا بعدها؟
كنا نملك الأرض ونفتقد القدرة على حماية كل شبر منها.
ثم جاءت المقاومة، فدخل الدم في معادلة الردع، ودخلت العمليات في حسابات الاحتلال، وأصبح الجنوب، الذي كان ساحة مفتوحة للجيش الإسرائيلي، ساحة مكلفة بالنسبة إليه.
ولذلك فإن الذين يعتبرون المقاومة ضرورة وطنية لا ينظرون إليها كسلاح فقط، بل كذاكرة وتجربة وتراكم وورقة قوة.
وقد يختلف اللبنانيون في كيفية تنظيم هذه القوة، وفي علاقتها بالدولة، وفي مستقبل سلاحها، وفي القرار الوطني الذي يحكم استخدامها.
لكن هناك فرقاً بين أن تختلف على كيفية إدارة القوة، وبين أن تتصرف وكأن لبنان لا يحتاج إلى قوة.
فالتاريخ اللبناني نفسه يقول إن الاحتلال لا يحترم الضعف.
وحمراء الأسد تقول شيئاً أبعد من ذلك:
إن الأمة التي تنزف ليست أمة مهزومة، ما دامت تعرف كيف تقوم.
ولهذا، فإن أُحد لا تُقرأ بوصفها دعوة إلى تجاهل الأخطاء، ولا إلى إنكار الخسائر، ولا إلى تقديس القوة لمجرد أنها قوة.
إنها درس في شيء أعمق:
أن الهزيمة لا تصبح قدراً إلا عندما تتحول في الوعي إلى استسلام.
وأن الجرح لا يصبح موتاً إلا عندما نفقد القدرة على النهوض.
وبين أُحد وحمراء الأسد، وبين حمراء الأسد وفتح مكة، تمتد تلك الحقيقة التي لا يملّ التاريخ من تكرارها:
قد تسقط الراية لحظة، وقد ينزف حاملها، وقد يشتد الليل… لكن الأمة التي لا تسلّم إرادتها تستطيع أن تجعل من جرحها بداية طريق جديد.
وفي لبنان، حيث لم تُحسم بعد معادلة الأمن والسيادة والدفاع الوطني، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع:
ليس فقط: متى نسلّم السلاح؟
بل قبل ذلك:
من يضمن ألا يعود الاحتلال؟ ومن يضمن أن تكون السيادة اللبنانية محمية بالفعل، لا محفوظة فقط في نصوص القرارات؟
فهنا تبدأ القضية الحقيقية.