كتاب واراء

الواقع السياسي اللبناني بعد خطاب الشيخ نعيم قاسم في الذكرى الثانية لسماحة السيد نصرالله.

 

 

ليست ذكرى عادية. في الذكرى الثانية لأستشهاد سماحة السيد حسن نصرالله، جاء الأحتفال ليقول أن المشهد لم يُطوَ، وأن المعادلة السياسية في لبنان لا تزال تُرسم من الضاحية والجنوب وبعلبك.

خطاب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم في هذه المناسبة يمكن قراءته على ثلاثة مستويات متداخلة، سترسم ملامح المرحلة المقبلة.

أولاً رسالة الحشود. 

ما حدث لم يكن مجرد إحياء ذكرى. الحضور الكثيف والمتزامن في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي الجنوب، وفي بعلبك الهرمل بنفس التوقيت، حمل دلالة سياسية مباشرة.

بعد عامين من الحرب والأغتيالات والضغوط، راهن الكثيرون على تراجع الحاضنة الشعبية أو إنكفائها. جاءت الصورة لتقول العكس، أن القاعدة لا تزال متماسكة، وأنها حاضرة بقوة عند أول استدعاء رمزي. هذا الحشد هو ورقة قوة تفاوضية داخلية قبل أن تكون رسالة للخارج. هو يقول للسلطة السياسية أن أي قرار إستراتيجي لا يمكن أن يمر دون الأخذ بعين الأعتبار حجم وثقل هذا المكون.

ثانياً، التمسك بالسلاح ورفض مسار السلطة التفاوضي. 

جوهر الخطاب كان في النقطة الأكثر حساسية السلاح.

سماحة الشيخ نعيم قاسم كان واضحاً وحاسماً بلا مواربة، لا تخلٍ عن السلاح، ولا تراجع عن خيار المواجهة مع العدو الإسرائيلي، ورفض صريح لمسار المفاوضات الذي تتبناه السلطة الحالية.

هنا تكمن الجرأة في الخطاب. 

في وقت تتجه فيه الدولة اللبنانية، تحت ضغط دولي واقتصادي هائل، نحو طرح ملف حصرية السلاح بيد الدولة والتفاوض المباشرمع العدو وطرح موضوع السلام ، يأتي الخطاب ليضع سقفاً مغايراً تماماً. هو يعتبر أن قوة لبنان هي في معادلة المقاومة، وأن التخلي عنها في ظل استمرار الأعتداءات الإسرائيلية هو تخلي عن عناصر القوة.

هذا الطرح يعيد النقاش اللبناني إلى نقطة الصفر،ليطرح السؤال، هل حماية لبنان تكون بالأنخراط في تسوية دولية تضمن إنسحاباً إسرائيلياً مقابل ترتيبات أمنية، أم بالتمسك بسلاح المقاومة كضمانة وحيدة؟

ثالثاً، التداعيات على الداخل والسلطة. 

تداعيات هذا الخطاب على الداخل اللبناني ستكون فورية وعميقة وقد أحرجت الكثيرين. 

 على مستوى السلطة السياسية الخطاب يضع الحكومة ورئيس الجمهورية أمام مواجهة مباشرة. فكل حديث عن تفاوض أو عن نزع سلاح سيُفسر الآن كخروج عن الإجماع الوطني الذي تمثله هذه الحشود. والسلطة ستجد نفسها بين مطرقة الضغط الدولي المطالب بحصر السلاح، وسندان رفض داخلي قوي يقوده حزب الله.

 لا شك بأن خطاب سماحة الأمين العام سوف يعمق الأستقطاب. فريق سيرى فيه خطاب سيادة وكرامة ورفض للخضوع، وفريق آخر سيرى فيه تعطيلاً لمشروع بناء الدولة ومؤسساتها وحصر قرار الحرب والسلم بيدها. وهذا يعني عودة النقاش الحاد حول الأستراتيجية الدفاعية إلى الواجهة.

وقد رسم الخطاب عناوين واضحة ورسم مستوى المرحلة المقبلة. 

الشيخ قاسم بقوة خطابه أراد القول إن مرحلة ما بعد السيد نصرالله ليست مرحلة ضعف أو إنكفاء، بل مرحلة تثبيت للنهج. وهذا يعني أن أي تسوية قادمة، سواء على الحدود الجنوبية أو على صعيد الإصلاح الداخلي، لن تمر دون أن يكون لحزب الله كلمة فصل فيها.

من المؤكد أن خطاب الذكرى الثانية لم يكن خطاب تأبين، بل كان خطاب إعلان موقع سياسي. قال بوضوح، نحن هنا، جمهورنا هنا، وسلاحنا هنا. 

وبين مَن يريد للبنان أن يذهب نحو تسوية دولية سريعة، ومن يريد له أن يتمسك بسلاحه كورقة ردع أخيرة، سيبقى لبنان معلقاً بين مسارين، وخطاب الشيخ نعيم قاسم أعاد رسم خط الفصل بينهما بقوة.

 

نضال عيسى


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة