ميخائيل عوض / لبنان
*من نيويورك إلى طهران وصنعاء ولبنان ودمشق وواشنطن وبكين… هل نحن أمام نهاية مرحلة وبداية عالم جديد؟*
لم تكن الأيام الأخيرة، بما حملته من لقاءات وقمم وخطابات ومواقف، مجرد مناسبة دبلوماسية عابرة. فالجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين انعقدت بين 22 و28 سبتمبر/أيلول 2026، وسط حروب الشرق وأوكرانيا وأزمة متزايدة حول دور النظام الدولي نفسه.
ومن هذه الزاوية نقرأ المشهد باعتباره مجموعة مؤشرات على تحولات أعمق من مجرد الخطابات التي ألقيت في نيويورك.
فالحرب، في نظر هذه القراءة، لم تعد مجرد حرب بين جبهتين عسكريتين. لقد أصبحت حرباً على ميزان القوى، وعلى صورة العالم، وعلى شرعية الروايات السياسية، وعلى قدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا:
إذا كانت الدبلوماسية في النهاية هي ترجمة لما أنجزه الميدان، فماذا يقول الميدان اليوم؟
*أولاً: إيران… نجم الجمعية العامة*
كانت إيران أبرز المستفيدين سياسياً من المشهد الدبلوماسي الأخير.
ليس المقصود أنها خرجت من الجمعية العامة بقرار ينهي الحرب، ولا أن الأمم المتحدة حسمت الصراع لمصلحتها. بل المقصود أن طريقة الحضور والخطاب والتفاوض بدت، في هذه القراءة، أكثر تماسكا من الصورة التي ظهرت بها إسرائيل ورئيس حكومتها.
وهنا الطرح قاعدة نعتبرها مركزية في فهم العلاقات الدولية:
> الدبلوماسية لا تصنع ميزان القوى وحدها؛ إنها في كثير من الأحيان تصوغ بلسان هادئ ما أنجزه الميدان.
إيران لم تعتبر التفاوض تنازلاً، ولم تعتبر تقديم العروض الدبلوماسية اعترافاً بالهزيمة. بل قدمت نفسها، وفق هذه القراءة، كدولة تقول إنها تريد وقف العدوان والعودة إلى التفاهمات والالتزامات السابقة، مع التمسك بشروطها.
وهذا ينسجم جزئياً مع ما تصريح عن مسؤول إيراني كبير، قال إن طهران مستعدة لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية، وأن الوفد الإيراني في نيويورك يمتلك صلاحية متابعة المسار الدبلوماسي.
وهنا تكمن المفارقة:
التفاوض ليس بالضرورة علامة ضعف.
في المنطق ، الدولة التي تدخل التفاوض وهي تملك أوراق قوة ميدانية واقتصادية وجغرافية، تستطيع أن تستخدم الدبلوماسية لتثبيت ما حققته على الأرض.
ولهذا نعتبر أن حضور إيران في الجمعية العامة كان جزءاً من معركة أكبر: معركة تثبيت الرواية ومراكمة الشرعية السياسية في مواجهة الرواية الإسرائيلية والأمريكية.
*ثانياً: نتنياهو… من منصة الكونغرس إلى قاعة الجمعية العامة*
على الضفة الأخرى من المشهد، إن الصورة التي ظهرت بها إسرائيل ونتنياهو مختلفة جذرياً.
نتنياهو دخل الجمعية العامة في ظل حرب طويلة، وضغط دولي متصاعد، واستقطاب داخلي إسرائيلي، واحتجاجات متوقعة في نيويورك. وكانت زيارته إلى الأمم المتحدة قصيرة ومكثفة، في ظل الجدل حول مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحقه، وهي مذكرة ترفضها إسرائيل وتطعن في اختصاص المحكمة.
لكن الأهم في قراءتنا ليس البروتوكول ولا تفاصيل الزيارة.
الأهم هو الصورة السياسية.
كيف يمكن لمسؤول إسرائيلي أن ينتقل من مرحلة كان فيها حاضراً بقوة في المشهد الأمريكي إلى مرحلة يشعر فيها، بأن جزءاً متزايداً من العالم لم يعد مستعداً للاستماع إلى روايته بالطريقة نفسها؟ يأتي إلى مقر الجمعية متخفيا ، تستقبله حشود من الغاضبين وتلاحقه الأحكام القضائية ويرفض العالم الاستماع إليه.
هنا تأتي عبارة:
«ونتنياهو تحدث مع نفسه!»
وهي في الأصل عبارة تحليلية حادة نستخدمها لوصف الفجوة بين الخطاب الإسرائيلي وبين التفاعل معه داخل القاعة.
وقد شهدت الجمعية العامة في دورة 2025 بالفعل انسحاب عدد من الوفود عند بدء خطاب نتنياهو، بحسب الأمم المتحدة، فيما كانت هناك ردود فعل متفاوتة داخل القاعة.
وفي 2026 كانت الأجواء السياسية المحيطة بخطابه مشحونة أيضاً؛ مع توقع احتجاجات واضطرابات مرتبطة بزيارته ، هذه ليست مجرد مسألة «انسحاب من القاعة».
إنها علامة على شيء أعمق:
حيث بدأت الرواية الإسرائيلية تفقد قدرتها على حشد التأييد الذي كانت تحصل عليه سابقاً؟
*ثالثاً: عالم جديد يرفض نتنياهو؟*
هنا ننتقل بالتحليل من قاعة الأمم المتحدة إلى الرأي العام العالمي.
إن المشكلة الإسرائيلية لم تعد محصورة في خلاف دبلوماسي مع بعض الحكومات، بل أصبحت مرتبطة بتغير أوسع في الرأي العام العالمي، وخصوصاً لدى الأجيال الجديدة.
فالحرب الطويلة في غزة، وما رافقها من صور الدمار والإبادة والجدل حول المساعدات الإنسانية، جعلت صورة إسرائيل موضع صراع عالمي على الشرعية.
فيما يبدو أنه بات موقفاً عالمياً موحداً من إسرائيل، ومع أن الحكومات الغربية كلها لم تنتقل إلى موقف واحد. لكن المؤكد أن الحرب أصبحت محوراً أساسياً في العلاقات الدولية، وأن الجمعية العامة نفسها انعقدت هذا العام في ظل حروب الشرق وتداعياتها على الأمن والطاقة والاقتصاد.
من هنا نقول ، في جوهر طرحه، إن:
إسرائيل تستطيع أن تمتلك القوة العسكرية، لكنها لا تستطيع أن تضمن إلى الأبد امتلاك الرواية.
والقوة العسكرية عندما تنفصل عن سردية الشرعية تصبح أمام مشكلة أخرى: كيف تتحول الانتصارات التكتيكية إلى نتيجة استراتيجية؟
*رابعاً: التصعيد هو ملاذ نتنياهو الأخير*
نربط بين الحرب وبين مستقبل نتنياهو السياسي. ونطرح الرؤية التي تقول إن استمرار الحرب والتصعيد يمكن أن يتحولا إلى أداة لاغتصاب السلطة، خصوصاً إذا كان رئيس الحكومة يواجه أزمة سياسية وانتخابية.
نضع هذه الفرضية ضمن حسابات الحرب: إذا كانت إسرائيل عاجزة عن تحقيق الأهداف المعلنة، وإذا طال أمد الحرب، وإذا تراكمت الخسائر والأزمات، فقد يصبح التصعيد أحد الخيارات السياسية والعسكرية المتاحة أمام الحكومة.
ويزداد هذا السؤال أهمية مع اقتراب الاستحقاقات السياسية الإسرائيلية.
ومن هنا تأتي فكرة:
«التصعيد ملاذ نتنياهو الوحيد لاغتصاب السلطة»
والسؤال الأوسع الذي نطرحه:
هل سيكون لبنان مسرح التصعيد الأكبر الذي يشكل طوق النجاة لنتنياهو؟ في ظل سلطة منحته بتوقيع ورقة الإطار نجاة لجيشه؟
*خامساً: الشرع ومفاجأة الجولان… صحوة أم تنسيق مع براك؟*
ننتقل إلى دمشق.
وهنا نرى تحولاً يستحق التوقف عنده في خطاب أحمد الشرع بشأن الجولان، بعدما تحدث عن استمرار اعتبار الجولان أرضاً سورية وفق القانون الدولي والقرارات ذات الصلة.
لا نريد أن نقفز إلى النتيجة.
بل نطرح السؤال:
هل هذا موقف نابع من صحوة وطنية وسياسية؟ أم أنه جزء من تنسيق أوسع؟
وهنا يدخل في الحساب تصريح سابق إلى توماس باراك بشأن الوضع القانوني للجولان، ونحاول وضع التصريحين في سياق واحد.
لكننا ندعو إلى عدم التسرع.
وهذه نقطة مهمة في بنية تحليلنا :
> لا نريد أن نرى ما نتمنى أن نراه؛ نريد أن نرى ما يجري.
لذلك نترك الباب مفتوحاً أمام احتمالين:
موقف وطني وسياسي جديد يستحق البناء عليه.
أو إعادة تموضع وتنسيق سياسي مع الولايات المتحدة.
والفارق بين الاثنين كبير.
إذا كان الأمر صحوة سياسية، فمعناه أن دمشق تعيد تعريف بعض ثوابتها على قاعدة وطنية.
أما إذا كان جزءاً من صفقة أو تنسيق، فالسؤال يصبح: ما الذي تريده واشنطن في المقابل؟ وهل تصريح الشرع ينطوي على التراجع عن إهداء الجولان لنتنياهو ليكون ملكا لترامب ومجموعته الاستثمارية؟
*سادساً: أردوغان… صوت بلا فعل؟*
ننتقل بالمشهد إلى الاجتماع العربي ـ الإسلامي.
إن الخطابات وحدها لم تعد كافية.
«خطوة عملية واحدة أفضل من دزينة خطابات».
ونضع تركيا في هذا السياق باعتبارها قوة إقليمية قادرة، نظرياً، على اتخاذ خطوات أكثر تأثيراً، لكننا نرى أن المسافة بين الخطاب والفعل بقيت كبيرة.
وهذا السؤال يتجاوز أردوغان نفسه:
ماذا تستطيع الدول الإقليمية أن تفعل فعلياً؟
هل يمكن فرض حصار سياسي واقتصادي على إسرائيل؟
هل يمكن قطع العلاقات؟
هل يمكن استخدام أدوات الطاقة والتجارة؟
هل تستطيع الدول العربية والإسلامية تشكيل موقف جماعي مستقل؟
أم أن كل دولة تحسب مصالحها الثنائية مع واشنطن وإسرائيل والصين وروسيا وإيران؟
في هذا الجزء من التحليل، نرى أن الميزان الحقيقي لا يقاس بعدد البيانات، بل بعدد القرارات التي تغير الواقع.
*سابعاً: ابن سلمان عاد خائباً… وحدود الرهان على واشنطن*
في قراءتنا ، الاجتماع العربي والإسلامي كشف أيضاً حدود الرهان العربي على الدور الأمريكي.
وننتقد فكرة أن الولايات المتحدة ستدخل الحرب أو تتحمل تكلفتها نيابة عن حلفائها.
فالولايات المتحدة، في هذا المنطق، تتحرك وفق مصالحها أولاً.
ومن هنا نصل إلى النفط.
«توقف النفط السعودي… مصلحة أمريكية؟»
هذه واحدة من أكثر فرضيات الحلقة إثارة للجدل.
نربط بين تراجع أو اضطراب صادرات النفط الخليجية وبين مصالح أمريكية أوسع في سوق الطاقة، وأن واشنطن يمكن أن تستفيد من إعادة تشكيل سوق النفط، ومحاصرة الصين، وإعادة توزيع طرق الطاقة.
والمعطيات الحالية تؤكد أن اضطرابات الإمدادات السعودية والخليجية أثرت فعلاً في أسواق الطاقة؛ فقد انخفضت صادرات النفط السعودي واضطربت الإمدادات في المنطقة، بالتزامن مع ارتفاع الطلب الصيني على النفط الروسي.
إذن:
الواقعة الاقتصادية موجودة، أما تفسير دوافعها ومَن يستفيد منها فهو مجال للتحليل والنقاش.
*ثامناً: اليمن… «مطرقة النار» التي تضرب النظام القديم*
هنا نصل إلى أحد أكثر محاور الحلقة مركزية:
اليمن لم يكن هامشاً في الحرب.
منذ سنوات، نرى أن اليمن تحول من ساحة يُراد إخضاعها إلى طرف قادر على التأثير في حركة التجارة والطاقة والممرات البحرية.
ولهذا يسمي القوة اليمنية:
«مطرقة النار».
الفكرة الأساسية في طرحنا هي أن صنعاء لا تحتاج إلى الانتصار بالطريقة التقليدية؛ أي احتلال أراضٍ والسيطرة على عواصم.
يكفي أن تمتلك القدرة على:
تهديد طرق الملاحة.
التأثير في حركة الطاقة.
استنزاف الخصوم.
فتح جبهة بعيدة عن مركز القوة.
إجبار الخصم على توزيع قدراته.
وتحويل الحرب إلى حرب طويلة الأمد.
ومن هنا تأتي عبارة:
«مطرقة النار اليمنية تكسر ظهر العالم القديم».
وفي هذا التصور، اليمن ليس تابعاً لجبهة أكبر، بل أحد مفاتيح إعادة صياغة ميزان القوة في العالم.
خاصة أن القتال في اليمن ظل جزءاً من المشهد الإقليمي الأوسع، وأن مكاسب الحوثيين وقدرتهم على التأثير في أمن الملاحة أصبحت من الملفات المطروحة في الحسابات الدولية.
*تاسعاً: الصين وترامب… تشي لم يمنح «سلّم نزول من الشجرة»*
ربما كان لقاء ترامب وتشي من أهم مشاهد المرحلة.
لكننا نقرأه من زاوية مختلفة.
فالمشهد الاحتفالي واللغة الدبلوماسية لا تعني بالضرورة أن أحد الطرفين حصل على كل ما يريد.
كانت العلاقات الأمريكية ـ الصينية قد دخلت منذ 2025 في سلسلة من التصعيدات الجمركية ثم الهدن والتفاهمات المؤقتة. وفي سبتمبر 2026 كانت الأنظار متجهة إلى إمكانية تمديد الهدنة التجارية، بينما بقيت قضايا استراتيجية عديدة عالقة.
كما سبقت القمة مفاوضات حول التجارة والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها، لكن لم يكن هناك اتفاق شامل يحسم الملفات الكبرى.
من هنا نقول:
«تشي لم يمنح ترمب سلّم نزول من الشجرة».
أي أن الصين، في هذه القراءة، لم تقدم لترامب الصفقة الكبرى التي تمكنه من إعلان انتصار حاسم أمام الداخل الأمريكي والعالم.
الصين تفاوض.
تقدم وتؤخر.
تفتح بعض الملفات وتغلق أخرى.
لكنها، وفق هذا المنظور، لا تتخلى بسهولة عن مشروعها كقوة كبرى صاعدة.
وهذا ما يجعل العلاقة بين واشنطن وبكين واحدة من أهم مفاتيح العالم الجديد.
*عاشراً: حرب طويلة أم جولة فاصلة؟*
بعد كل ذلك، يعود السؤال إلى الحرب نفسها.
هل نحن أمام حرب استنزاف طويلة؟
أم أن المنطقة تتجه إلى جولة مفصلية يمكن أن تغير المعادلة؟
نحن نميل إلى أن الاستعصاء لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.
الحروب عندما تمتد، تبدأ بتغيير الاقتصاد والسياسة والمجتمع.
لم تعد القضية عسكرية فقط.
تصبح:
أسعار النفط.
فرص العمل.
الغذاء.
النقل.
التضخم.
الاستثمار.
الاستقرار الداخلي.
الانتخابات.
والتحالفات الدولية.
ولهذا نرى أن المنطقة اقتربت من لحظة يجب فيها أن ينكسر أحد مسارات الاستعصاء.
*الحادي عشر: إيران ولبنان… الجبهة التي لا يمكن تجاوزها*
هنا يصل التحليل إلى أكثر نقاط الحلقة حساسية:
«خسارة إيران هائلة إن لم تحسم جبهة لبنان».
في قراءتنا، لبنان ليس مجرد جبهة إضافية.
إنه جزء من التوازن الاستراتيجي للحرب.
ولهذا إن محاولة فصل الجبهات قد تكون جزءاً من الحسابات الإسرائيلية المقبلة.
فإذا اتجه التصعيد إلى غزة والضفة ولبنان واليمن، فإن الحرب تصبح متعددة المسارح، ويصبح السؤال:
من يستطيع إدارة عدة جبهات في وقت واحد؟
وهنا احتمال أن يعمل نتنياهو إلى نقل الضغط إلى لبنان، أو أن يسعى إلى استثمار أي شرخ بين الجبهات.
لكن في المقابل نرى أن صنعاء لن تبقى مكتوفة الأيدي، وأن أي انتقال للحرب إلى لبنان قد ينتج توازنات جديدة.
ومن هنا عبارته:
> إذا دخلت إيران الحرب من بوابة لبنان، فإن الحسابات كلها تتغير.
*الثاني عشر: مسرحين لعصف الجولة الأخيرة… إيران اليمن؟*
في خاتمة قراءتنا المشهد، نحصر الاحتمالات الكبرى في مسرحين رئيسيين:
إيران أولاً… واليمن ثانياً.
ونعتبر أن اليمن تجاوز مرحلة اختبار القدرة.
فبحسب منطقنا ، القوى التي حاولت إخضاع صنعاء خلال سنوات طويلة اختبرت مستويات مختلفة من القوة العسكرية والسياسية والإقليمية والدولية، ولم تتمكن من إنتاج الحسم الذي كانت تريده.
ومن هنا نرى أن صنعاء دخلت مرحلة جديدة:
مرحلة الثقة بالقوة والقدرة على الاستنزاف.
ولهذا نستخدم تعبير:
«مطرقة النار».
المقصود ليس مجرد الصواريخ أو المسيّرات، بل تحويل الموقع الجغرافي اليمني إلى أداة استراتيجية تضغط على التجارة والطاقة والتحالفات. وإيران التي يبدو أنها تقترب أكثر فأكثر من خيار الهجوم كأفضل وسائل الدفاع.
*الثالث عشر: هل نحن أمام «عصر جديد»؟*
الاستنتاج الأكبر في الحلقة لا يتعلق بإيران أو إسرائيل أو اليمن وحدها.
بل بالعالم.
نرى أن الحرب الحالية هي مقدمة للانتقال إلى دورة زمنية جديدة.
العالم القديم، في هذا التصور، كان قائماً على تفوق منظومة غربية تقودها الولايات المتحدة، وعلى قدرة واشنطن وحلفائها على فرض قواعد اللعبة.
أما العالم الذي يتشكل الآن، فيتسم بتعدد القوى:
الصين.
روسيا.
إيران.
قوى آسيوية صاعدة.
دول الجنوب العالمي.
وتنامي قدرة القوى الإقليمية على تعطيل المشاريع الكبرى.
وتشير القراءة الدولية الراهنة إلى أن الجمعية العامة نفسها انعقدت وسط أسئلة حول مستقبل النظام الدولي ودور الأمم المتحدة، فيما تزايدت المواجهة بين القوى الكبرى حول الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة.
فمن يملك القدرة على تشكيل النظام الذي يأتي بعد الحرب؟
*الخلاصة: عالم جديد يولد والمنطقة رحى التغيير فيه*
من نيويورك إلى صنعاء.
ومن طهران إلى بيروت.
ومن دمشق إلى الرياض.
ومن تل أبيب إلى واشنطن وبكين.
تتجمع، وفق قراءتنا خيوط مشهد واحد:
إيران تستخدم الدبلوماسية كامتداد لقوة الميدان.
اليمن يتحول إلى قوة ضغط استراتيجية تتجاوز حدوده الجغرافية.
إسرائيل تواجه أزمة متزايدة في الرواية والشرعية الدولية والسياسة الداخلية.
نتنياهو يواجه سؤال البقاء السياسي وسط حرب لم تحقق، وفق هذه القراءة، كل أهدافها المعلنة.
دمشق ترسل إشارات جديدة حول الجولان، لكن السؤال يبقى: صحوة وطنية أم إعادة تموضع سياسي؟
أردوغان يرفع الصوت، فيما يبقى الاختبار الحقيقي في الفعل.
الرهان السعودي على واشنطن يصطدم بقاعدة المصالح الأمريكية أولاً.
والصين، في مواجهة ترامب، تفاوض من موقع قوة اقتصادية واستراتيجية لا يسمح بسهولة بتقديم تنازلات مجانية.
أما السؤال الأخطر ..
هل تقترب المنطقة من جولة عصف جديدة؟
جولة قد تبدأ في إيران، أو اليمن، أو لبنان، أو غزة، أو أكثر من مسرح في الوقت نفسه؟
لا نقدم نبوءة حاسمة، بل نضع أمام المتابع مساراً من المؤشرات:
حرب طال أمدها.
أهداف لم تتحقق بالكامل.
استنزاف اقتصادي.
تحولات في الرأي العام.
تبدل في التحالفات.
صعود الصين.
قدرة يمنية على الاستنزاف.
وحضور إيراني دبلوماسي يراهن على موازين الميدان.
ومن هنا تصبح العبارة المركزية للحلقة:
«مسرّحين لعصف الجولة الأخيرة…»
الاستعصاء الذي وصلت إليه المنطقة قد يدفع الأطراف، عاجلاً أم آجلاً، إلى محاولة كسر التوازن القائم.
وهنا تحديداً يكمن الخطر والفرصة معاً:
فإذا اندلعت الجولة الجديدة، لن تكون بالضرورة مجرد نسخة أخرى من الحرب السابقة.
قد تكون جولة تعيد توزيع الأوراق.
وقد تكشف أي القوى استطاعت فعلاً أن تتعلم من سنوات الحرب، وأيها بقي أسيراً لحسابات المرحلة السابقة.
وفي النهاية، كما يقول جوهر طرحنا : الميدان سيد الكلام، والدبلوماسية تأتي لتصوغ ما أنجزته الوقائع.
والسؤال الذي يبقى مفتوحاً:
من سيكسر الاستعصاء أولاً… إيران؟ اليمن؟ لبنان؟ أم أن الجولة المقبلة ستأتي من مسرح لم يكن أحد يتوقعه؟