كتب / سعيد فارس السعيد:
إنّ المرجعية الدينية الحقيقية لا تُقاس فقط بما تحمله من مكانة علمية وفقهية، ولا بما تمثله من حضور ديني، بل بما تتركه من أثر في حياة الإنسان، وما تغرسه من قيم الرحمة والعطاء، وما تقدمه من علم وهداية وخدمة للمجتمع والإنسان.
وقد كان سماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (رضوان الله عليه) نموذجًا لمرجعية جمعت بين العلم والتقوى والإنسانية، فلم يكن مجرد فقيه ومرجع ديني كبير، بل كان صاحب مشروع أخلاقي وإنساني يقوم على بناء الإنسان، والارتقاء به علميًا وأخلاقيًا وروحيًا واجتماعيًا.
وأثبتت الأيام بعد رحيله إلى جوار ربه أن الرسالة التي حملها لم تكن مرتبطة بشخصه وحده، وإنما كانت نهجًا ومدرسةً متواصلة، امتدت عبر أبنائه السادة الأفاضل، وأشقائه، ووكلائه وممثلي مكاتبه ومحبيه في العراق وسوريا ولبنان ومختلف البلدان الإسلامية.

وهنا تكمن قيمة المرجعية الحقيقية: أن يبقى أثر العالم حاضرًا في حياة الناس بعد رحيله، وأن تتحول أفكاره وقيمه وسيرته إلى عمل مستمر يخدم الإنسان ويحفظ كرامته.
وقد واصل أبناء المرجع السيد محمد سعيد الحكيم، ووكلاؤه وممثلو مكاتبه ومحبو مدرسته، حمل هذه الأمانة من خلال الاهتمام بشؤون الناس، ورعاية الفقراء والمحتاجين، والعناية بالأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة، وتقديم الخدمات الإنسانية والاجتماعية والصحية والغذائية، بما يعكس جوهر رسالة الإسلام القائمة على الرحمة والكرامة والتكافل.
وإن ما يُقدّم في سوريا ولبنان والعراق من مساعدات وخدمات إنسانية واجتماعية، بعيدًا عن الحسابات السياسية والاصطفافات الضيقة، يمثل صورة من صور النهج الديني الذي يرى في خدمة الإنسان مسؤولية وأمانة، ويرى أن حفظ كرامته ومساعدته والوقوف إلى جانبه من أسمى صور العمل الصالح.
وفي رحاب مجالس أئمة أهل البيت عليهم السلام، نستذكر دائمًا سيرة مراجعنا العظام، ومن بينهم المرجع الكبير آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (رضوان الله عليه)، ونستحضر ما تركه من إرث علمي وأخلاقي وإنساني.
إن إحياء ذكرى رحيل فقيه أهل البيت السيد محمد سعيد الحكيم ليس مجرد استذكار لشخصية علمية رحلت، بل هو استذكار لمنهج في العلم والإيمان وخدمة الإنسان.
فقد غرس في النفوس والعقول أن العلم طريق إلى الهداية، وأن المرجعية مسؤولية، وأن المكانة الدينية الحقيقية تكتمل بخدمة الناس وصون كرامتهم والوقوف إلى جانبهم.
ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نتوجه بأسمى وأرفع وأجمل آيات الشكر والاحترام والتقدير إلى سماحة السيد عبد المنعم الحكيم، وسماحة السيد حيدر محمد سعيد الحكيم، وسماحة السيد علي عبد المنعم الحكيم، لما يبذلونه من اهتمام ومتابعة، وما يسهرون عليه من خدمة الناس ومحبي أهل البيت عليهم السلام في سورية ولبنان، وحرصهم على استمرار نهج العطاء والرعاية وخدمة الإنسان، بما يجسد الأمانة التي حملوها، ويعكس القيم الإنسانية والإيمانية التي عُرفت بها مدرسة المرجع الراحل السيد محمد سعيد الحكيم (رضوان الله عليه).

رحم الله سماحة السيد محمد سعيد الحكيم، وتغمده بواسع رحمته، وحشره مع محمد وآل محمد صلوات الله عليهم.
ونسأل الله تعالى أن يحفظ علمائنا الأعلام، وأن يوفقهم لمواصلة مسيرة العلم والإيمان وخدمة الإنسان، وأن يبقى ما تركه العلماء من علم وقيم وأعمال صالحة حيًا في حياة الناس، متجددًا عبر الأجيال.
وكل الاحترام والتقدير للسادة أبنائه وأشقائه، ولممثلي مكاتبه ووكلائه ومحبيه، ولكل من يحمل هذه الأمانة بصدق وإخلاص، ويسعى إلى إبقاء رسالة العلم والرحمة وخدمة الإنسان حاضرة في واقعنا.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
متخصص في قضايا الأمن الاجتماعي والوطني والقومي
«صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»