كتاب واراء

حين يجعل العميد مرشد سليمان الرتبة أصغر من الكرامة، والموقف عنوان الرجولة ولو أطبقت السماء على الأرض

كتب إسماعيل النجار،

 

حين يجعل العميد مرشد سليمان الرتبة أصغر من الكرامة،

والموقف عنوان الرجولة ولو أطبقت السماء على الأرض،

 

إبن بعلبك الهرمل خزان المقاومة، إبن بلدة بدنايل المُتنوِّره،

إنه العميد مرشد سليمان ضابطٌ اختار أن يبقى إنساناً قبل أن يكون صاحب رتبة أو يتحوَّل إلى أداةٍ طَيِّعَه بيَد الحُكام؟

هناك لحظات لا تحتاج إلى بيانات رسمية، ولا إلى مؤتمرات صحافية، ولا إلى خُطَبٌ طويلة ليثبتُ فيها الرجل موقفه.

لحظات تكفي فيها صورة رجل واحد ليُفتح حولها نقاش كامل عن الدولة والكرامة والهوية والذاكرة.

في لبنان، حيث تختلط السياسة بالطائفة، والمؤسسة بالانتماء، والرتبة بالحسابات الدقيقة، جاء موقف العميد مرشد الحاج سليمان ليضع سؤالاً ثقيلاً على الطاولة، ماذا يبقى للإنسان حين يُطلب منه أن يضع رتبته فوق إنتمائه وذاكرته وكرامته؟

 

بحسب التقارير الإعلامية، حضر مرشد سليمان إحياء الذكرى الثانية للسيد حسن نصرالله، ثم نشر عبارة على حسابه تقول لما الشخص منا بيشلح تيابو بيعرى. هيك ربينا وهيك نحنا وهيك منموت.

 

لذلك نقول قد يختلف اللبنانيون حول السيد نصرالله وحول المقاومة الإسلامية وحزب الله ودوره السياسي. وقد يختلفون أيضاً في تفسير دلالات حضور ضابط أمني رفيع لمناسبة بهذه الحساسية السياسية.

لكن شيئاً واحداً لا يمكن تجاهله،

إن هذا الرجل لم يسمح للرتبة بأن تمحو الإنسان بداخله أو تمسح العنفوان من صدره الذي يغلي رجولة وكبرياء.

 

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية صاحب الكرامة البقاعي. فهذه ليست مسألة صورة في الصفوف الإمامية بل معنى ورساله،

قد يبدو المشهد للوهلة الأولى مجرد حضور طبيعي في مناسبة سياسية أو دينية أو شعبية. لكن في الحقيقه أن رمزية الحدث أكبر من الصورة. فالعميد ليس مواطناً عادياً من حيث الموقع والمسؤولية. إنه ضابط رفيع في مؤسسة أمنية، والرتبة في الدولة اللبنانية ليست مجرد نجمة على الكتف، بل التزام ومسؤولية وموقعٌ حساس.

ولهذا فإن ظهوره في مناسبة يعرف الجميع حساسيتها يكتسب دلالة خاصة، ورسالة لِمَن أرادوا كسر إرادته، مع العِلم أنه لم يقصد تحدي أحد بحضوره المناسبه، إنما فعل الأمر الطبيعي الذي على كل شجاع أن يفعله.وأهم من ذلك في العبارة التي نشرها، فهو لم يتحدث بلغة المناورة السياسية، بل بلغة تختصر علاقة الإنسان بجذوره وذاكرته وتربيته.«هيك ربينا».

ثلاث كلمات تختصر موقفاً كاملاً.

فالرجل يقول، في ما يمكن فهمه من عبارته، إن هناك أشياء لا تُمحى بمجرد ارتداء الزي الرسمي، وإن الانتقال إلى موقع الدولة لا يعني بالضرورة محو التاريخ الشخصي. فعندما لا تكون الرتبة ملجأً

في الحياة العامة، يستطيع بعض أصحاب المناصب أن يختبئوا خلف مواقعهم.

أما الموقف الصعب هو أن يدرك الإنسان أن ما يفعله سيُرى ويُفسَّر ويُناقش، ومع ذلك يختار أن يتحمل مسؤوليته.

ومن هذه الزاوية تحديداً، اكتسب موقف مرشد سليمان رمزيته لدى مؤيديه.

ليس لأنه خرج على الدولة، ولا لأن المطلوب من الضابط أن يتحول إلى طرف سياسي، بل لأن المسألة كما يراها مؤيدو موقفه تتعلق بحدود الفصل بين الوظيفة والإنسان.

فالضابط يمكن أن يلتزم واجبه العسكري والأمني، وفي الوقت نفسه يحتفظ بذاكرته الشخصية. والدولة التي تريد أن تكون دولة لجميع أبنائها لا ينبغي أن تخاف من إنسان يحمل ذاكرة، بل من مؤسسة لا تستطيع إدارة الاختلاف إلا بالصمت والإقصاء. فلا تجعلوا الكرامة تهمة؟

هنا تكمن الرسالة الأخطر والأكثر أهمية.

إذا تحولت الكرامة إلى تهمة، والذاكرة إلى جريمة، والانتماء الاجتماعي إلى شبهة، فإن المشكلة لا تعود في موقف ضابط واحد، بل تصبح مشكلة دولة في علاقتها بمواطنيها.

ولذلك فإن القراءة الأكثر عقلانية لما حدث لا ينبغي أن تكون من مع الدولة ومن ضدها؟ بل كيف تستطيع الدولة أن تحافظ على هيبتها من دون أن تطلب من مواطنيها التخلي عن كرامتهم؟

هيبة الدولة لا تُبنى بالخوف.

وهيبة المؤسسة لا تُقاس بقدرتها على إسكات موظفيها. وهيبة الرتبة لا تعني أن صاحبها فقد حقه في أن يكون إنساناً.

مرشد سليمان من الرتبة إلى الرمز

ربما لم يكن يبحث عن بطولة. وربما لم يكن يريد أن يتحول إلى عنوان سياسي.

لكن بعض المواقف تتحول إلى رموز رغماً عن أصحابها.

وهكذا أصبح اسم مرشد سليمان مرتبطاً، لدى محبيه، بصورة الضابط الذي لم يجعل رتبته جداراً بينه وبين بيئته وذاكرته وموقفه. وهنا يجب التوقف عند نقطة أساسية إن تحويل الواقعة إلى مواجهة بين الطوائف أو إلى تهديد للدولة سيكون خروجاً عن جوهرها.

فالكرامة لا تحتاج إلى طائفة كي تكون كرامة، والحق في التعبير لا ينبغي أن يتحول إلى سلاح في صراع أهلي.

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات.

 

لكنه يحتاج، بشدة، إلى دولة يستطيع فيها الضابط والمواطن والسياسي والمخالف أن يعيشوا تحت سقف قانون واحد، من دون أن يشعر أي مكوّن بأن كرامته أصبحت رهينة لموازين السياسة. فعندما يختار الإنسان أن لا يختبئ خلف النجوم، ستبقى الرتب على الأكتاف، وستتغير المواقع، وستمر الحكومات، وستتبدل التحالفات.

أما المواقف، فتبقى مواقف.

قد يختلف اللبنانيون حول مرشد سليمان، وقد يختلفون حول المناسبة التي حضرها، وقد يختلفون حول الرسالة السياسية التي يمكن أن تُستخلص من حضوره. لكن الصورة الأوضح تبقى واحدة، ضابط رفيع قرر ألا يجعل من رتبته ستاراً يختبئ خلفه.

وهنا تحديداً تكمن قيمة الموقف.

فالرجل الذي يملك الشجاعة لتحمل تبعات موقفه لا يحتاج إلى أن يرفع صوته كي يُسمع. يكفي أن يقف حيث يعتقد أن كرامته تقف. وفي لبنان، حيث كثيرون يتحدثون عن الدولة وهيبتها، ربما يكون السؤال الأعمق هو أي دولة نريد؟ دولة تطلب من الإنسان أن يتخلى عن كرامته كي يحافظ على رتبته، أم دولة تحمي رتبته لأنها تحترم الإنسان الذي يرتديها؟

مرشد سليمان اختار، في تلك اللحظة، أن يترك إجابته مكتوبة على صورته وموقفه.

فالرتبة قد تمنح الرجل نجمة على كتفه لكن الكرامة وحدها هي التي تمنحه مكاناً في الذاكرة والتاريخ وبين الأمم.

 

بيروت في،،، 28/9/2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة