كتاب واراء

نتنياهو يرفع البيجر في وجه العالم هذا ما يحصل حين تتحول القوة الزائدة إلى بلطجه.

كتب إسماعيل النجار،

 

نتنياهو يرفع البيجر في وجه العالم هذا ما يحصل حين تتحول القوة الزائدة إلى بلطجه.

لم يكن المشهد في الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد خطاب لرئيس حكومة صهيونية يخوض حرباً مفتوحة على أكثر من جبهة. بل كان مشهداً تختَصرُ فيه إسرائيل الحالية نفسها قوة عسكرية هائلة، تفوق استخباري وتكنولوجي، وخطاب مليء بالتهديدات، لكن خلف كل ذلك سؤال سياسي كبير لا يجد جواباً إلى أين ستؤول الأمور في ظل بلطجة النتن وفريقه؟

وقف بنيامين نتنياهو أمام العالم، لا ليقدم خريطة للخروج من الحرب، بل ليعيد رسم خريطة الخصوم. إيران في المقدمة، وحماس وحزب الله خلفها، وتركيا وقطر وخصوم آخرون في دائرة الاتهام.أما السلام، وتسوية الصراع الفلسطيني، ومستقبل غزة، ومستقبل لبنان، وإعادة بناء منظومة إقليمية مستقرة، فبدت جميعها في هامش المشهد.

ثم رفع البيجر!!! في لحظة واحدة، تحولت أداة صغيرة إلى عنوان كبير لخطاب كامل نحن نستطيع الوصول إليكم حيث لا تتوقعون، ونستطيع أن نضربكم قبل أن تعرفوا من أين جاءت الضربة.

بالنسبة إلى نتنياهو، كان البيجر استعراضاً للقدرة الاستخبارية الإسرائيلية.أما بالنسبة إلى منتقديه، فقد كان المشهد أكثر من ذلك بكثير فقد أصبح المشهد عبارة عن صورة تختزل انتقال الخطاب الإسرائيلي من الحديث عن الردع إلى الاحتفاء بالقدرة على الإيذاء، ومن البحث عن التسوية إلى استعراض أدوات الحرب. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. خطاب البلطجه بلا اليوم التالي،

نتنياهو هذا يعرف جيداً كيف يخاطب الجمهور الإسرائيلي والدولي، ويعرف كيف يبني خطاباً يقوم على الخوف والتهديد والردع. لكنه في هذه المرة قدم للعالم إجابة واضحة عن سؤال من هو العدو؟زولم يقدم الإجابة نفسها عن سؤال ماذا بعد هزيمة العدو؟ من يحكم غزة؟ من يعيد إعمارها؟ ما مستقبل السلطة الفلسطينية؟ ما مستقبل جنوب لبنان؟ هل تنسحب إسرائيل من الأراضي التي دخلتها؟ كيف يمكن منع جولة جديدة من الحرب؟ وهل يمكن تحويل التفوق العسكري إلى سلام دائم؟

هذه الأسئلة بقيت في الظل.

ولهذا رأى محللون إسرائيليون أن الخطاب كان قوياً في الهجوم والدفاع عن إسرائيل، لكنه افتقر إلى الرؤية السياسية التي يمكن أن تقود المنطقة إلى نهاية للحرب. أما البيجر كانَ صورة تختصر مرحلة كاملة! فلم يكن اختيار نتنياهو حمل البيجر تفصيلاً عابراً. الرجل كان يستطيع أن يتحدث عن اختراق استخباري معقد دون أن يحمل الأداة نفسها إلى منصة الأمم المتحدة. لكنه اختار الصورة. والصورة في السياسة أحياناً أقوى من ألف كلمة. لقد أراد أن يقول لخصومه إن إسرائيل تستطيع اختراق أكثر المنظومات سرية، وأن التفوق التكنولوجي والاستخباري الإسرائيلي قادر على تغيير قواعد المواجهة. لكن الصورة حملت في الوقت نفسه سؤالاً آخر هل تكفي القدرة على تنفيذ عملية ناجحة لإثبات مشروعيتها؟ الجواب لا يمكن أن يكون سياسياً فقط، بل يجب أن يخضع للقانون الدولي والتحقيق المستقل عندما تكون هناك ادعاءات بانتهاك قواعد حماية المدنيين. فالنجاح العملياتي لا يمنح تلقائياً شهادة أخلاقية أو قانونية. لقد كانت القاعة فارغة ولكن الصورة كانت الأكثر قسوة

بينما كان نتنياهو يتحدث عن قوة إسرائيل، كانت صور مغادرة بعض الوفود للقاعة تنتشر حول العالم.

وهنا ظهرت المفارقة الكبرى.

الرجل الذي جاء ليقدم نفسه باعتباره مدافعاً عن إسرائيل أمام عالم معادٍ لها، وجد نفسه أمام مشهد بصري يقول إن جزءاً من هذا العالم لم يعد مستعداً للاستماع بالطريقة نفسها. قد يختلف الناس في تفسير أسباب المغادرة، لكن الصورة السياسية كانت واضحة هناك أزمة متزايدة في قدرة الحكومة الصهيونية على إقناع قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي بروايتها للحرب. وهذه الأزمة لا يمكن حلها بمزيد من الخطابات وحدها. فبقي نتنياهو يتنقل بين واشنطن وتل أبيب فقط شبه محجور عليه، أما الأكثر حساسية أن خطاب نتنياهو جاء في لحظة دقيقة في علاقته بإدارة ترامب.

لا يمكن اعتبار عدم عقد لقاء بين الرجلين دليلاً قاطعاً على أن واشنطن تخلت عن نتنياهو، كما لا يمكن اختزال العلاقات الأميركية الإسرائيلية في لقاء واحد.

لكن هناك اختلافاً واضحاً في الحسابات. نتنياهو يريد الحفاظ على الضغط العسكري وتعزيز شروط إسرائيل الأمنية. أما واشنطن فتحتاج إلى منع حرب إقليمية مفتوحة تهدد المصالح الأميركية والاستقرار العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية.

وهنا يمكن أن تظهر الخلافات بين الحليفين المجرمين ليس بالضرورة حول التحالف، بل حول إلى أي مدى يمكن أن تذهب الحرب، ومتى يجب أن تتوقف، ومن يحدد شروط نهايتها. فالانتخابات تدخل على خط الحرب ولا يمكن فصل خطاب نتنياهو عن السياسة الداخلية الإسرائيلية فعندما عجز عن سحق حزب الله ذهب الى نيويورك ليصنع نصراً من خطاب!.

الانتخابات الإسرائيلية تقترب، والائتلافات السياسية متحركة، والاستطلاعات لا تمنح أي معسكر حتى الآن ضمانة واضحة لتشكيل حكومة مستقرة بمفرده. وفي هذه البيئة يصبح الأمن أقوى الأوراق السياسية. فنتنياهو يستطيع أن يخاطب الناخب الإسرائيلي قائلاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة العالم كله يعارضنا، إيران تهددنا، حماس وحزب الله يستهدفاننا، وأنا الرجل الذي يعرف كيف يحمي إسرائيل.

لكن تحويل الحرب إلى رصيد انتخابي يحمل مخاطرة كبيرة: فالحرب التي تمنح السياسي نقاطاً في لحظة معينة قد تتحول إلى عبء إذا لم يكن لها مخرج سياسي واضح. وإيران بالنسبة له تبقى الهدف الذي يعيد رسم الشرق الأوسط، لذلك تقف طهران في قلب استراتيجيتة.

فالمشروع الإسرائيلي لا يبدو مقتصراً على منع إيران من امتلاك قدرات نووية أو استراتيجية، بل يتجاوز ذلك إلى إضعاف شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة.

لبنان، سوريا، العراق، اليمن وغزة كلها أصبحت أجزاء من لوحة واحدة. ومن هنا فإن أي مواجهة إسرائيلية إيرانية جديدة لن تبقى بالضرورة داخل الحدود الإيرانية أو الإسرائيلية. فقد تمتد إلى لبنان والخليج والبحر الأحمر وسوريا والعراق، وتتحول إلى سلسلة من الضربات والضربات المضادة والحروب غير المباشرة.

وهنا يكمن الخطر الأكبر.

لكن لبنان يبقى الحلقة الأكثر حساسية لأنه يقف في قلب هذا المشهد. إسرائيل تريد منع إعادة بناء قدرات حزب الله بالقرب من حدودها، بينما تواجه الدولة اللبنانية سؤالاً داخلياً معقداً حول دور الجيش ومستقبل سلاح حزب الله. وبين الطرفين تقف منطقة الجنوب، التي يمكن أن تتحول إلى ساحة اختبار دائمة لمعادلة جديدة من يفرض الأمن؟ ومن يقرر شكل الحدود؟ ومن يملك قرار الحرب والسلام؟ وأي انفجار كبير في لبنان لن يبقى لبنانياً. لأنه سيفتح تلقائياً باباً على إيران وسوريا والعراق والخليج.

أما غزة الجرح الذي لا يمكن للجيش أن يغلقه تبقى السؤال الأصعب.

من الممكن أن يسيطر الجيش الصهيوني على أرض، وأن يدمر بنية عسكرية، وأن يفرض واقعاً أمنياً جديداً.لكن هذا الجيش لا يستطيع وحده أن يصنع نظاماً سياسياً مستقراً.

وهنا يعود السؤال الذي تهرب منه معظم الخطابات العسكرية، ماذا بعد؟ إذا لم توجد إجابة سياسية، فإن نهاية الحرب قد لا تكون نهاية الصراع، بل مجرد استراحة بين جولتين.

إلى أين يأخذ نتنياهو المنطقة؟ كل المؤشرات لا تسمح بالقول إن نتنياهو يملك وحده خطة نهائية للشرق الأوسط، لكن خطابه وسياساته يكشفان اتجاهاً واضحاً إعادة تشكيل البيئة الإقليمية من خلال القوة والردع وإضعاف الخصوم قبل الانتقال إلى أي تسوية سياسية. المشكلة أن هذا المسار يحمل في داخله تناقضاً خطيراً. فكلما نجحت إسرائيل في إضعاف خصومها عسكرياً، قد ترتفع قدرتها على فرض شروط سياسية جديدة.

لكن كلما اتسعت دائرة العمليات العسكرية، ارتفع أيضاً احتمال اندلاع حرب إقليمية أوسع. وهكذا يصبح الشرق الأوسط أمام معادلة شديدة الخطورة،

قوة أكبر واستقرار أقل.

المعركة الحقيقية ليست في منصة الأمم المتحدة، بل ربما كان نتنياهو يريد أن يتذكر العالم خطابه باعتباره خطاب قوة. ولكن السؤال الذي سيحدد مكانة هذا الخطاب في التاريخ ليس عدد الصواريخ التي تحدث عنها، ولا أجهزة البيجر التي رفعها،ولا أسماء خصومه الذين هاجمهم. السؤال هو

ماذا سيبقى بعد انتهاء الحرب؟ إذا بقيت غزة مدمرة بلا حل سياسي، ولبنان تحت ضغط أمني دائم، وإيران في مواجهة مفتوحة، وسوريا ساحة نفوذ، والبحر الأحمر منطقة صراع، فإن المنطقة لن تكون قد خرجت من الحرب؛ ستكون قد دخلت مرحلة جديدة منها.

أما إذا تحولت القوة العسكرية في النهاية إلى تسوية سياسية، وإعادة إعمار، وضمانات أمنية، ومسار إقليمي جديد، فسيكون لكل تلك القوة معنى مختلف. لهذا فإن نتنياهو يستطيع أن يرفع البيجر أمام العالم، وأن يستعرض التفوق الاستخباري والعسكري، وأن يتحدث عن الانتصار. لكن السؤال الذي سيبقى أكبر من كل أجهزة الاستخبارات وأقوى من كل الصواريخ وهو هل يستطيع أن يصنع سلاماً بعد الحرب، أم أن إسرائيل ستبقى أسيرة التفوق العسكري الذي لا يعرف كيف يتحول إلى تسوية سياسية؟

هذه هي المعركة الحقيقية.

فالمستقبل لن تحدده فقط قدرة إسرائيل على ضرب خصومها، بل قدرة إيران وحلفائها على الرد. المستقبل سيحدده صمود إيران الطرف الوحيد القادر على تحويل القوة إلى نظام إقليمي مستقر، والحرب إلى تسوية، والانتصار العسكري إلى سلام قابل للحياة.

وحتى الآن، ما زال هذا الجزء من القصة هو الأكثر غموضاً لطالما ننتظر جولات ميدانيه قادمه ستكون قاسيه وصعبه.

بيروت في،،، 27/9/2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة