كتب/ نبيل الشريف .
لم يكن الإمام القائد السيد موسى الصدر صاحب موقف عابر، ولا مؤسس مؤسسة تنتهي رسالتها بانتهاء زمن التأسيس.
لقد كان صاحب فكر ونهج ومسيرة.
فكرٌ استمد روحه من القرآن الكريم، ومن فكر ونهج الرسول وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام، ونهجٌ ترجم هذا الفكر إلى عمل ومواقف ومبادرات، ومسيرةٌ انفتحت على الإنسان والوطن والأمة والعالم.
ومن هنا جاء تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، ليكون مؤسسة تحمل قضايا الناس، وتحفظ كرامتهم وحقوقهم، وتدافع عن المحرومين، وتجمع ولا تفرّق، وتنفتح ولا تنغلق، وتضع لبنان في محيطه العربي والإسلامي، وتبني جسور التواصل مع العالم.
كان الإمام الصدر يريد للمجلس أن يكون بيتاً للطائفة، ولكنه أراده في الوقت نفسه بيتاً وطنياً مفتوحاً لكل اللبنانيين، ومنبراً للحوار والتلاقي، وجسراً بين لبنان ومحيطه العربي والإسلامي والدولي.
وبعد تغييب الإمام الصدر، لم تكن المهمة المحافظة على مؤسسة فحسب، وإنما المحافظة على الروح التي أنشئت المؤسسة من أجلها.
وهنا تحديداً تبرز أهمية الدور الذي يقوم به نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، العلامة الشيخ علي الخطيب.
فما يقوم به العلامة الخطيب لا ينبغي أن يُقرأ على أنه مجرد نشاط ديني أو حركة سياسية أو سلسلة من اللقاءات والزيارات.
إنه، في جوهره، تعميق للمسيرة التي بدأها الإمام موسى الصدر، وتكريس لها، وتجديد لحضورها في ظروف لبنان والمنطقة الجديدة.
من الإمام الصدر إلى اليوم...
النهج نفسه في زمن مختلف
تغيّرت الظروف.
تبدلت الخرائط.
تعاقبت الحروب والأزمات والانقسامات.
لكن القضايا الكبرى التي حملها الإمام الصدر بقيت حاضرة:
【الإنسان، والكرامة، والعدالة، والوطن، والوحدة، ومواجهة الاحتلال، والدفاع عن المحرومين، والحوار، والانفتاح على المحيط العربي والإسلامي】.
ومن هنا جاءت حركة العلامة الخطيب امتداداً طبيعياً لهذا النهج.
فحين يتحدث عن الجنوب، وعن الاحتلال الإسرائيلي، وعن ضرورة الانسحاب وعودة الأهالي وإعادة الإعمار ووقف الاعتداءات، فإنه يضع قضية الجنوب في موقعها الطبيعي داخل القضية اللبنانية، لا كقضية فئة أو منطقة.
وفي لقاءاته الأخيرة في العراق، عرض بصورة مباشرة واقع لبنان والجنوب، وما يتعرض له الأهالي من تهجير واعتداءات، وطالب بالمساعدة من أجل تحرير الأرض وعودة أهلها إلى ديارهم.
وهذا تحديداً يذكّر بجوهر المدرسة التي أرساها الإمام الصدر: أن تكون المؤسسة إلى جانب الإنسان في معاناته، وأن يتحول الموقف الديني إلى مسؤولية وطنية وقومية وإنسانية.
الحوار...
امتداد لرسالة التلاقي.
وكما حمل الإمام الصدر مشروع الحوار والتلاقي بين اللبنانيين، يواصل العلامة الخطيب التأكيد على أن الخروج من الأزمات اللبنانية لا يكون إلا بالتفاهم الوطني.
ففي لقاءاته الداخلية، شدد على ضرورة التفاهم الوطني وعلى أن القضايا الأساسية لا يمكن معالجتها بالمبادرات الفردية، بل تحتاج إلى توافق يجمع اللبنانيين.
ومن هنا أيضاً جاءت دعوته إلى القمة الروحية، وإلى توحيد الكلمة في مواجهة الأخطار التي تهدد لبنان.
إنها ليست مواقف منفصلة.
إنها حلقات في سلسلة واحدة:
التلاقي بدل الانقسام، والحوار بدل القطيعة، والوحدة بدل الفتنة.
وهذا هو بالضبط أحد أهم المعاني التي حملها الإمام الصدر في مشروعه الوطني.
والزيارات...
امتداد للانفتاح الذي أسسه الإمام الصدر
ولعل أبرز ما يؤكد استمرار المسيرة هو انتقال هذا النهج من الداخل اللبناني إلى المحيط العربي والإسلامي والدولي.
فالعلامة الخطيب لم يجعل المجلس مؤسسة تنتظر الآخرين، بل حمل قضايا لبنان إلى الخارج.
زار العراق.
وزار إيران.
التقى المرجعيات الدينية وكبار العلماء والشخصيات السياسية.
واجتمع بمسؤولين وقيادات عربية وإسلامية.
وفتح أبواب المجلس أمام السفراء وممثلي الدول والهيئات المختلفة.
وفي زيارته الأخيرة إلى العراق وإيران، عقد سلسلة واسعة من اللقاءات في بغداد والنجف وكربلاء وقم وطهران ومشهد، والتقى مسؤولين وشخصيات سياسية ودينية، ووضعهم في صورة الأوضاع اللبنانية، ولا سيما ما يجري في الجنوب.
وهذه الحركة ليست تفصيلاً في عمل المجلس.
إنها في جوهرها استعادة لروح الانفتاح التي جعلها الإمام الصدر جزءاً من شخصية المجلس ودوره.
فالإمام الصدر لم ينظر إلى لبنان باعتباره جزيرة معزولة.
كان لبنان عنده جزءاً من محيط عربي وإسلامي، وجزءاً من عالم واسع تتقاطع فيه المصالح والقضايا والمسؤوليات.
واليوم، يواصل العلامة الخطيب هذا النهج، فيضع هموم لبنان أمام الأشقاء والأصدقاء والمرجعيات والمؤسسات والدول.
لبنان أولاً...
ولكن لبنان القوي والعزيز والسيد الذي يقاوم اي عدوان ويرفض اي احتلال او ذل او هوان ..
أن يحمل العلامة الخطيب ملف الجنوب إلى بغداد والنجف وكربلاء وطهران وقم ومشهد، وأن يضع أمام المرجعيات والمسؤولين قضية الاحتلال والعدوان وعودة الأهالي وإعادة الإعمار، هو في جوهره تعبير عن أن المجلس يرى نفسه معنياً بكل ما يمس لبنان وشعبه.
وفي جولته الأخيرة، قال الخطيب إن العراق يشكل بالنسبة إلى المجلس واجهة عربية يتطلع إليها لبنان لمد يد المساعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيما أكد في إيران أهمية العلاقات والمصالح المشتركة.
وهنا تتجلى قيمة النهج:
الانفتاح على الخارج لا يعني الابتعاد عن لبنان، بل حمل لبنان إلى الخارج.
والتواصل مع الآخرين لا يعني التخلي عن القرار الوطني، بل إيصال صوت الوطن ومطالبه إلى كل من يمكن أن يساعد في حمايته واستقراره.
المسيرة لا تتكرر...
بل تتجدد
وهذا هو الفارق بين من يحفظ تراث الإمام الصدر بالكلمات،
ومن يحافظ على تراثه بالفعل والموقف والحركة.
فالمطلوب ليس أن نكرر ما قاله الإمام الصدر حرفياً، وإنما أن نحمل روحه إلى زمننا.
الإمام الصدر واجه قضايا عصره.
والعلامة الخطيب يواجه قضايا عصره.
الإمام الصدر بنى الجسور.
والعلامة الخطيب يواصل بناءها.
الإمام الصدر حمل قضايا المحرومين.
والعلامة الخطيب يحمل اليوم قضايا المهجرين وأهالي الجنوب واللبنانيين الذين يعيشون تحت ضغط العدوان والأزمات.
الإمام الصدر جعل المجلس مساحة للحوار والتلاقي.
والعلامة الخطيب يواصل الدعوة إلى الحوار والتفاهم والقمة الروحية والوحدة الوطنية.
الإمام الصدر انفتح على العالم العربي والإسلامي والدولي.
والعلامة الخطيب يواصل هذا الانفتاح من خلال اللقاءات والزيارات والاتصالات، حاملاً معه ملف لبنان وهمومه وتطلعات شعبه.
هذه ليست مسارات متوازيةإنها مسيرة واحدة.
بدأت مع الإمام القائد موسى الصدر، واستمرت بعد تغيّيبه، وتتعمق اليوم من خلال المواقف والمبادرات والزيارات واللقاءات التي يقوم بها العلامة الشيخ علي الخطيب.
ولهذا فإن الحديث عن العلامة الخطيب ودوره في المجلس لا ينبغي أن يُفصل عن تاريخ المجلس ولا عن مؤسسه.
بل ينبغي أن يُقرأ في سياق واحد:
فكرٌ تأسس،
ونهجٌ ترسخ،
ومسيرةٌ تتجدد.
إنها مسيرة بدأت من الإيمان بالإنسان، واتسعت إلى الوطن، ثم إلى الأمة والعالم.
مسيرة جعلت من المجلس بيتاً للطائفة، وبيتاً وطنياً مفتوحاً، ومنبراً للحوار،
وجسراً للتواصل، وحاضناً لقضايا الناس.
واليوم، حين يتحرك العلامة الشيخ علي الخطيب بين بيروت والجنوب، وبين بغداد والنجف وكربلاء، وبين طهران وقم ومشهد، وحين يلتقي المرجعيات الدينية والسياسية والدبلوماسية، وحين يحمل قضية لبنان وأهله إلى الأشقاء والأصدقاء، فهو لا يبدأ مسيرة جديدة.
إنه يواصل مسيرة الإمام موسى الصدر، ويعمّقها، ويكرّس حضورها، ويمنحها أدوات جديدة لتواجه زمناً جديداً.
وهنا تكمن قيمة الاستمرار:
【أن يبقى الفكر حياً.
وأن يبقى النهج فاعلاً.
وأن تبقى المؤسسة حاضرة.
وأن تبقى قضية الإنسان والوطن فوق كل اعتبار】.
من الإمام القائد موسى الصدر بدأت المسيرة ،وبالفكر والنهج والموقف والعمل، تستمر.