من أهم ما يجب أن يتقيد به الإعلام والخطاب السياسي والإعلامي في لبنان، احترام الصفات والتسميات التي تحظى بها القامات الدينية والروحية والوطنية لدى مختلف المكونات اللبنانية.
فصفة
【 السيد، والبطريرك، وصاحب السماحة، وصاحب القداسة، وصاحب الفضيلة 】
وغيرها من الصفات، ليست مجرد كلمات تسبق الأسماء، وإنما تحمل دلالات دينية وروحية ورمزية، وتعكس مكانة منحها الدين والتقاليد الدينية، واحترمها هذا المكوّن أو ذاك.
ومن هنا،
فإن تناول اسم أي قامة دينية من دون صفته التي يُعرف بها، ولا سيما عندما يكون إسقاط الصفة مقصودًا بقصد الانتقاص أو الاستفزاز، يمكن أن يتحول من مجرد أسلوب في التعبير إلى إساءة تمس كرامة الشخصية ومشاعر أبناء المكوّن الذي ينتمي إليه.
ولا يجوز أن يكون الإعلام أو الخطاب السياسي وسيلة لإثارة النعرات الطائفية من خلال الانتقاص من الرموز الدينية أو التعامل معها بمعايير مزدوجة.
فالقاعدة المهنية والوطنية بسيطة:
(كما تريد أن تُحترم قاماتك ورموزك ومقدساتك، عليك أن تحترم قامات الآخرين ورموزهم ومقدساتهم.)
وهذا لا يعني منع النقد أو الاختلاف أو المساءلة.
فمن حق الإعلام والسياسي أن ينتقدا أي موقف أو تصريح أو أداء، ولكن النقد شيء، والإهانة أو التحقير أو الاستفزاز الطائفي شيء آخر تمامًا.
والأخطر من ذلك أن تستمر بعض وسائل الإعلام أو بعض الإعلاميين في نقل كلام سياسيين يتضمن إساءات إلى رموز دينية لمكوّن لبناني، ثم إعادة تداوله والتعليق عليه بطريقة تزيد من انتشاره وتأثيره، وكأن المسؤولية تنتهي عند عبارة «نقلًا عن فلان».
___إن الإعلام مسؤول أيضًا عن الطريقة التي ينقل بها الكلام، وعن السياق الذي يضعه فيه، وعن النتائج التي يمكن أن تترتب على تحويل خطاب استفزازي إلى مادة متكررة للتداول العام.
___لبنان بلد متعدد الطوائف والمذاهب والمكونات، وأي خطاب إعلامي لا يراعي هذه الحقيقة يمكن أن يساهم، بقصد أو من دون قصد، في صناعة احتقانات شعبية خطيرة.
___وإذا استمرت الإساءة إلى المقدسات والقامات والرموز الدينية، واستمر التعامل معها باعتبارها مجرد مادة للسجال السياسي والإعلامي، فإن الاحتقان قد ينتقل من المنابر ووسائل الإعلام إلى الشارع، وعندها تصبح النتائج أكثر خطورة على السلم الأهلي.
___لذلك، فإن احترام الصفات الدينية ليس مجاملة لأحد، ولا يعني تبني عقيدته أو موقفه السياسي، بل هو الحد الأدنى من الاحترام الذي ينبغي أن يحكم الخطاب العام في بلد مثل لبنان.
__وعندما تصل المسألة إلى مستوى الإهانة أو التحقير أو التحريض أو إثارة النعرات الطائفية، فإنها تصبح قضية تتجاوز الخلاف الإعلامي والسياسي، ويجب أن تتعامل معها المؤسسات القضائية المختصة بالجدية والحزم اللذين تقتضيهما حماية السلم الأهلي وحقوق جميع اللبنانيين.
لبنان لا يحتاج إلى إعلام يرفع منسوب الاستفزاز بين مكوناته، بل إلى إعلام يعرف قيمة الكلمة وخطورتها.
فالكلمة قد تفتح بابًا للحوار، وقد تفتح بابًا للفتنة.
والمسؤولية الوطنية تقتضي أن يكون الإعلام اللبناني جزءًا من حماية التعدد اللبناني، لا جزءًا من تهديده.
نبيل الشريف