كتب إسماعيل النجار،
باب المندب ولبنان وطهران لحظة الحقيقة في الشرق الأوسط،
إما الإتفاق وإما الحرب الشامله المفتوحه.
إخواني عندما تصبح الجغرافيا سلاحاً لا تعود الحرب محصورة في جبهة واحدة
ولم تعد المنطقة تقف على حافة حرب جديدة فحسب، بل تقف أمام إعادة رسم كاملة لموازين القوة والردع والتفاوض.
فما يجري بين واشنطن وطهران، وما يتفاعل بين إسرائيل ولبنان، وما حدث من تحول استراتيجي في اليمن والسيطرة الحوثيه على باب المندب، كلها حلقات في أزمة واحدة تتسع جغرافيتها وتزداد كلفة حسمها عسكرياً.
في نيويورك تزامنت لغة التهديد القصوى مع اتصالات سياسية مباشرة بين الأميركيين والإيرانيين فقد أكد ترامب حصول اجتماع استمر ساعات بين مبعوثين أميركيين والوفد الإيراني، وتحدث عن وجود زخم نحو اتفاق، فيما بقيت القضايا الجوهرية بين الطرفين عالقه بلا تسوية نهائية.
وفي الجهة الأخرى، جاءت زيارة بنيامين نتنياهو القصيرة إلى نيويورك من دون لقاء مع ترامب، في مشهد يعكس، وفق تقارير إعلامية، توتراً متزايداً في العلاقة الأميركية الإسرائيلية حول مسار الحرب وكيفية إنهائها.
لكن خلف كل هذه التفاصيل يبرز السؤال الأكبر هو هل تتجه المنطقة إلى تسوية كبرى، أم أن الجميع يستعد لجولة جديدة من النار قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض مجدداً؟
إيران تخوض معركة الإرادة قبل أن تكون معركة السلاح، وطهران تدرك أن المعركة لم تعد محصورة في حجم الضربات المتبادلة، بل أصبحت معركة إرادات وشروط سياسية. وفي المقابل، تدرك واشنطن أن استمرار الحرب إلى ما لا نهاية يحمل أثماناً اقتصادية وأمنية وسياسية متزايدة، خصوصاً مع اضطراب الملاحة والطاقة وامتداد النار إلى ساحات متعددة وربما تمتد أكثر وبشكل أكبر؟
ولهذا تبدو المفاوضات الحالية بين الطرفين المتحاربين أشبه بمحاولة الضرورة للبحث عن صيغة تسمح لكل طرف بإعلان نهاية للمأساة يظهر أنه لم يستسلم فيها. وهذه هي العقدة الحقيقية في جوهر الصراع.
فأي اتفاق لا تستطيع القيادة الإيرانية تقديمه داخلياً بوصفه تسوية تحفظ به مصالحها، ولا تستطيع الإدارة الأميركية تقديمه بوصفه إنجازاً سياسياً، سيكون معرضاً للانهيار.
في الوقت الذي فرض اليمن أن يكون باب المندب جزءاً من معادلة إيرانيه عربية متلاصقه لا تنفصل مما ينفي تقديم أميركا لأي صورة تُظهر فيه أن جزء من الصراع عربي فارسي.
من هنا يدخل اليمن إلى قلب المشهد.
فالتقدم اليمني على ساحل البحر الأحمر والوصول إلى مواقع استراتيجية على حِفاف وداخل مياه باب المندب منح صنعاء ثقلاً يتجاوز حدود الحرب اليمنية. وقد حذرت تقارير من أن هذا التطور يمنح أنصار الله قدرة أكبر على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.
والأهم أن واشنطن، رغم طلب حكومة الجنوب اليمنية دعماً عسكرياً مباشراً، لم يُقدم لها بحسب مصادر نقلت عنها رويترز لكي لا يكون التزاماً أميركياً مباشراً بالتدخل العسكري ضد اليمنيين الشماليين.
وهذه ليست تفصيلاً عابراً.
فإذا كانت واشنطن تريد إنهاء الحرب الإيرانية من دون فتح أبواب حرب جديدة في البحر الأحمر، فإن صنعاء تصبح طرفاً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات لاحقة.
وهنا تتغير المعادلة؟ هرمز ورقة إيرانية، وباب المندب ورقة يمنية، ولبنان ورقة إقليمية شديدة الحساسية. ومن الصعب تصور تسوية مستقرة تتجاهل هذه الأوراق الثلاث.
أما لبنان القابع على فوهة بركان حيث تختبر التسوية صدقيتها يعتبر العقدة الأكثر حساسية التي ستبقى قنبله في وسط الصراع الدائر. فالجنوب اللبناني لا يعيش فقط تداعيات مواجهة محلية؛ بل يقع في نقطة تقاطع بين الحسابات الإسرائيلية والإيرانية والأميركية واللبنانية. وفي الوقت نفسه، تتحرك باريس وواشنطن لدعم الجيش اللبناني بما لا يضر بإسرائيل وتعزيز مؤسسات الدولة حسب تعبيرهم وهذا لا يتعدى كلام سياسي لا يُصرَف على أرض الواقع، في الوقت الذي يستمر الضغط الإيراني على واشنطن لإنهاء الوضع العسكري المتوتر على الحدود الجنوبية. ومن هنا يصبح وقف النار في لبنان أكثر من مجرد بند أمني. إنه اختبار سياسي للتسوية الإقليمية بأكملها. فإذا توقفت الحرب مع إيران بينما استمرت العمليات في لبنان، فإن جذور الصراع ستبقى مفتوحة.
أما إذا دخل وقف العمليات في لبنان ضمن تسوية أوسع، فقد يصبح ذلك بداية لمسار إقليمي مختلف.
ماذا تريد طهران؟ وماذا تريد واشنطن؟
طهران تريد ضمانات بألا تتحول أي هدنة إلى استراحة قبل جولة جديدة من الحرب.
وواشنطن تريد اتفاقاً يوقف النار، يعيد فتح الممرات البحرية، ويمنع اتساع الصراع من دون أن يبدو أمام حلفائها وخصومها أنها قدمت تنازلات تحت الضغط.
أما إسرائيل فتريد الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية وبالقدرة على منع ما تعتبره تهديدات استراتيجية على حدودها وتتذرع بإعطائها الضوء الأخضر من العهد والحكومة اللبنانيه.
وهنا يصطدم الجميع بالسؤال الأصعب،
من يملك قرار ما بعد الحرب؟
فالمرحلة المقبلة لن تحددها الصواريخ وحدها، بل شروط التسوية.
من اليمن إلى لبنان الجغرافيا ملتهبه،
والمشهد الجديد يقول إن الشرق الأوسط لم يعد مجموعة أزمات منفصلة.
إيران مرتبطة بالخليج. والخليج مرتبط بهرمز. واليمن مرتبط بباب المندب.
وباب المندب مرتبط بالتجارة العالمية.
ولبنان مرتبط مباشرة بحسابات الأمن الإسرائيلي والإيراني. ولهذا فإن أي محاولة لإنهاء الحرب من جبهة واحدة قد تصطدم سريعاً بالجبهات الأخرى. وقد خلص تحليل الحديث إلى أن تهدئة هرمز لا تعني بالضرورة تهدئة باب المندب، وهو ما يلخص التعقيد الجديد في المشهد الإقليمي.
أما لحظة الحقيقة هي أن الشرق الأوسط الآن أمام مفترق طرق.
إما أن تتحول القوة العسكرية التي استخدمتها الأطراف طوال الأشهر الماضية إلى قوة تفاوضية تقود إلى تسوية متدرجة، وإما أن تفشل الاتصالات وتعود المنطقة إلى منطق الضربات والضربات المضادة. وفي الحالتين، لم يعد ممكناً التعامل مع إيران ولبنان واليمن كملفات منفصلة. إيران لن تكون مجرد ملف نووي.
واليمن لن يكون مجرد حرب داخلية.
ولبنان لن يكون مجرد جبهة حدودية.
لقد أصبحت هذه الملفات أجزاءً من معادلة واحدة عنوانها من يفرض شروط نهاية الحرب؟ وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة.
إذا نجحت الدبلوماسية، فقد نشهد تسوية متعددة المسارات تبدأ من واشنطن وطهران، وتمتد إلى لبنان واليمن والممرات البحرية. أما إذا غلب منطق الضربة الاستباقية والرد الانتقامي، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة يصبح فيها إغلاق هرمز وباب المندب أو اشتعال الجبهة اللبنانية جزءاً من أزمة واحدة ذات كلفة عالمية.
والخلاصة أن لبنان أمام امتحان السيادة، واليمن أمام امتحان تثبيت موقعه في المعادلة الإقليمية، وإيران أمام امتحان تحويل صمودها العسكري إلى مكاسب سياسية. أما واشنطن، فامتحانها الأصعب هو أن تنهي الحرب من دون أن تفقد القدرة على إدارة الأمور في المنطقه ما بعد الحرب.
وفي النهاية، لن يكون السؤال التاريخي
من أطلق الصاروخ الأخير بل مَن سيرحل ومَن سيبقى سيد المنطقه؟
بيروت في،،، 25/9/2026