كتاب واراء

السيد حسن نصرالله… حين يعبر الإنسان من التراب إلى الذاكرة

 

بقلم : أمين السكافي.                  

ليس كلُّ موتٍ غياباً.

 

فبعضُ الرجال حين يرحلون، لا يتركون خلفهم فراغاً، بل يتركون سؤالاً. والسؤال، على عكس الجسد، لا يُدفن. يبقى يمشي بين الناس، يدخل البيوت، يجلس إلى جانب الأم التي فقدت ابنها، ويقف عند باب الجنوب، وينظر طويلاً إلى القدس، ثم يسأل الزمن: ماذا يبقى من الإنسان حين ينتهي عمره، ولا تنتهي حكايته؟

 

في الذاكرة العاطفية لمحبي السيد حسن نصرالله، ربما كانت الإجابة واضحة:

 

يبقى الأثر.

 

ويبقى الصوت.

 

وتبقى الكلمة التي قيلت ذات يوم، ثم احتاجت الأمة إلى سنوات طويلة كي تفهم معناها.

 

لكن الحكاية لم تبدأ من منبر، ولا من حرب، ولا من بندقية.

 

بدأت من صورة.

 

فتى صغير في دكان والده، وفي عالمٍ لم يكن يعرف بعد أنه سيصبح جزءاً من تاريخ المنطقة، كان يرفع عينيه إلى صورة الإمام موسى الصدر المعلقة على الحائط.

 

كان يطيل النظر.

 

كأن الصورة لم تكن ورقاً وحبراً، بل باباً سرياً إلى مستقبل لم يولد بعد.

 

كان ينظر إلى الرجل الغائب، وربما كان شيء في داخله يقول له إن الإنسان يستطيع أن يكون أكبر من حياته، وإن العمامة يمكن أن تكون أكثر من لباس، وإن الكلمة حين تخرج من قلب مؤمن يمكن أن تتحول إلى طريق.

 

لم يكن الطفل يعرف أن الصور أحياناً تكون نبوءات.

 

ولا يعرف أن العين التي تتعلق بصورة رجل، قد تحمل تلك الصورة معها إلى آخر العمر.

 

ثم جاء النجف.

 

وجاء العلم.

 

وجاء السيد محمد باقر الصدر.

 

وجاء عباس الموسوي.

 

وهنا، في تلك المدينة التي تتجاور فيها القباب مع الأسئلة، بدأت روحان تتعارفان قبل أن يعرف التاريخ ماذا سيفعل بهما.

 

كان عباس الموسوي أكثر من رفيق طريق في حياة حسن نصرالله؛ كان واحداً من أولئك الذين يصبح حضورهم جزءاً من تكوين الإنسان نفسه. وعندما اجتمعت بهما سنوات لبنان والحرب والمقاومة، لم يعد الطريق طريق شخصين، بل طريق جيل كامل يبحث عن معنى وسط بلدٍ تتنازعه الحروب والجراح.

 

ثم جاء لبنان.

 

ذلك البلد الذي يشبه قصيدةً جميلة كتبها التاريخ ثم مزقتها الحروب.

 

جاء إلى الجنوب، حيث الزيتونة تعرف معنى الصبر، وحيث البحر لا يفصل لبنان عن فلسطين بقدر ما يذكّره بها.

 

هناك، بين القرى والبيوت المتعبة، وبين الناس الذين يحملون الفقر كما يحملون أسماء آبائهم، كان شيء يتكوّن.

 

كانت حركة المحرومين واحدة من البدايات، ثم جاء الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، فولدت في تلك النار المقاومة الإسلامية التي أصبح حزب الله عنوانها الأبرز.

 

وفي الوجدان الذي تشكل حولها، لم يكن الأمر مجرد ولادة تنظيم.

 

كان أشبه بولادة فكرة:

 

أن الأرض التي تُحتل لا تنسى.

 

وأن الذاكرة، مهما طال عليها الليل، تستطيع أن تستيقظ.

 

ثم جاء عباس.

 

ورحل عباس.

 

وفي ذلك اليوم، لم يفقد حسن نصرالله رفيقاً فقط؛ فقد جزءاً من ذاكرته.

 

وهناك، في أكثر لحظات الإنسان وحشة، يحدث شيء غريب:

 

إما أن ينكسر القلب،

 

وإما أن يتحول الفقد إلى عهد.

 

في شباط 1992، استشهد عباس الموسوي، وتولى حسن نصرالله قيادة حزب الله.

 

ومنذ ذلك اليوم بدأت مرحلة أخرى من حياته.

 

لم يعد الرجل الذي ينظر إلى صورة الإمام المغيب.

 

صار هو نفسه صورةً ينظر إليها آخرون.

 

وهنا تكمن إحدى مفارقات التاريخ الأكثر قسوة وجمالاً:

 

أن الإنسان قد يقضي عمره يبحث عن قدوة، ثم يكتشف، بعد سنوات، أن آخرين صاروا يبحثون فيه عن القدوة.

 

كان نصرالله، في أعين محبيه، رجل الكلمة قبل أن يكون رجل المنصب.

 

كان يعرف أن للكلمات أرواحاً.

 

وأن الجملة قد تكون أحياناً أكثر بقاءً من الحجر.

 

كان يتحدث عن الموت فلا يبدو كمن يشرح نهايته، بل كمن يتحدث عن عبور.

 

ويتحدث عن الشهداء كأنهم لم يخرجوا من الحياة، بل خرجوا من غرفة إلى غرفة أخرى.

 

ويتحدث عن فلسطين كأنها ليست أرضاً بعيدة، بل قطعة من القلب.

 

ولهذا، حين كان يذكر القدس، لم تكن القدس عند محبيه مجرد مدينة.

 

كانت قبلة للذاكرة.

 

وحين كان يتحدث عن غزة، كانت غزة تتحول في خطابه إلى طفلٍ يبحث عن نافذة وسط النار.

 

وحين كان يستحضر الجنوب، كان الجنوب يبدو كأنه شيخٌ عجوز يعرف أن كل ورقة تبغ وشجرة تين فيه تحفظ اسماً من أسماء الذين مروا من هنا ولم يعودوا.

 

ثم جاءت السنوات التي تحولت فيها المقاومة إلى ظاهرة عسكرية وسياسية إقليمية.

 

ثم تموز 2006.

 

وفي الذاكرة التي يحملها جمهور حزب الله، كانت حرب تموز لحظةً فاصلة، واعتُبرت انتصاراً للمقاومة اللبنانية، فيما بقيت نتائج الحرب وتوصيفاتها موضوعاً للجدل السياسي والتاريخي الأوسع.

 

لكن بعيداً عن الخرائط والتقارير العسكرية، كان هناك شيء آخر يحدث في الروح.

 

كان رجلٌ يقف أمام شعبه ويقول، في جوهر خطابه: لا تجعلوا الخوف عقيدة.

 

وهذه ربما كانت إحدى أكثر الأفكار حضوراً في صورته عند محبيه.

 

لم يكن الخوف عنده قدراً.

 

كان امتحاناً.

 

والهزيمة لم تكن حقيقةً أبدية.

 

كانت احتمالاً يمكن مقاومته.

 

ولهذا جاءت عبارته عن إسرائيل بأنها «أوهن من بيت العنكبوت» لتعيش طويلاً في الذاكرة العربية؛ لا كجملة عسكرية فحسب، بل كاستعارة عن الخوف حين يكبر في عيون الناس حتى يصبح أكبر من الحقيقة.

 

وكانت بلاغته تقوم، في جانب منها، على هذه القدرة: أن يأخذ شيئاً مادياً، حرباً أو صاروخاً أو احتلالاً، ويمنحه معنىً روحياً.

 

حتى بدا، في أعين محبيه، كأنه لا يخاطب الأذن فقط.

 

كان يخاطب شيئاً أعمق:

 

الكرامة.

 

ثم جاءت غزة.

 

وجاء السابع من تشرين الأول.

 

واتسعت النار.

 

وأصبحت الحدود اللبنانية الفلسطينية جبهة من جبهات الحرب.

 

وبقي نصرالله يتحدث من الضاحية عن غزة والقدس وفلسطين، فيما كانت الحرب تقترب من بيته هو.

 

ثم جاء يوم 27 أيلول 2024.

 

وانتهى الجسد.

 

لكن هنا تبدأ الأسطورة في الوعي الإنساني.

 

فالأسطورة ليست أن الإنسان لا يموت.

 

الأسطورة أن موته لا يستطيع أن يمحو المعنى الذي تركه.

 

ومن هنا يمكن فهم عبارة «سماحة الحب» "وسماحة العشق "التي يريدها محبوه اسماً لعلاقتهم به.

 

إنها ليست حباً لرجلٍ فقط.

 

إنها حبٌ لصورة الرجل في الذاكرة.

 

للابتسامة.

 

للصوت.

 

للهجة.

 

للحظة التي كان يخرج فيها إلى الناس فيشعر بعضهم أن الخوف تراجع خطوة.

 

للشهيد الذي كان يذكر الشهداء بأسمائهم وكأنه يخشى أن يسرق النسيان منهم أسماءهم.

 

وللأب الذي فقد ابنه هادي، ثم ظل يمشي حاملاً حزنه في داخله، لا كجرحٍ يطلب الشفقة، بل كسرّ لا يحتاج إلى كلام.

 

وهكذا يصبح الإنسان في ذاكرة محبيه طبقات من الضوء:

 

طفلٌ أمام صورة.

 

طالب علمٍ في النجف.

 

رفيق عباس.

 

مقاوم في الجنوب.

 

قائد في الضاحية.

 

خطيبٌ يملأ الشاشة.

 

رجلٌ يحمل فلسطين في خطابه.

 

ثم شهيد.

 

وما بين أول الصورة وآخر الدم، مسافة عمر كامل.

 

لكن ربما تكون أجمل صورة في الحكاية هي الأولى.

 

ذلك الطفل الذي كان ينظر إلى صورة الإمام موسى الصدر.

 

لأنه لم يكن يعرف أن الحياة ستفعل به شيئاً عجيباً.

 

ستأخذ الصورة من الجدار.

 

وتضعها في قلبه.

 

ثم تأخذه هو نفسه، بعد عقود، من قلب الحياة.

 

وتضع صورته في قلوب آخرين.

 

وهكذا تدور الحكاية.

 

إنسانٌ يحب صورة.

 

ثم يصبح صورة.

 

وطفلٌ ينظر إلى الصورة.

 

ثم يأتي بعده طفلٌ آخر، في مكان آخر، وينظر إلى صورته.

 

وربما يسأل السؤال نفسه:

 

ما الذي يجعل إنساناً واحداً قادراً على أن يترك في أرواح الآخرين هذا القدر من الحضور؟

 

لا نعرف.

 

فالروح لا تُقاس بالمسطرة.

 

والحب لا يدخل في جداول الإحصاء.

 

والذكرى لا تخضع لقوانين الجغرافيا.

 

ولهذا، في الوجدان الذي أحب السيد حسن نصرالله، لن يكون الغياب خاتمة.

 

سيبقى الاسم في الجنوب مثل شجرة زيتون قديمة.

 

وفي الضاحية مثل نافذة تعرف صاحبها.

 

وفي ذاكرة الشهداء مثل صوتٍ بعيد.

 

وفي فلسطين مثل سؤال لم ينته.

 

وفي القدس مثل دعاء.

 

وفي قلوب محبيه مثل ذلك النوع الغريب من الحب الذي لا يحتاج إلى حضور الجسد كي يستمر.

 

فبعض الرجال يموتون مرةً واحدة.

 

أما الذين يتحولون إلى ذاكرة، فإنهم يخرجون من الموت كل صباح.

 

ويعودون.

 

لا بأجسادهم.

 

بل بالكلمة.

 

بالصورة.

 

بالحنين.

 

وبذلك الحب الذي لا يعرف كيف يقول للغائب:

 

وداعاً.

 

بل يقول له فقط:

 

ما زلنا هنا… وما زلتَ فينا.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة