كتاب واراء

«إبادة جماعية»، «معسكر اعتقال»، «جريمة حرب» الكيان الإسرائيلي يواجه وابلاً من الانتقادات في الأمم المتحدة.

أشرف التهامي.

 

 

 

 

بينما تُختزل دماء آلاف الأطفال في ساحات غزة تحت وطأة إبادة جماعية لم يشهد العصر الحديث لها مثيلاً، وفي وقت تحوّل فيه القطاع بأكمله إلى معسكر اعتقال ينهشه الجوع والدمار؛ تهتز أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بعاصفة غضب غير مسبوقة.

لم تعد المصطلحات الدبلوماسية المداهنة قادرة على تغطية جحيم الواقع؛ بل جهر قادة العالم وحلفاء أصلاب بإدانة الكيان الإسرائيلي، ودمص ممارساته بأوصاف "جرائم الحرب" و"التطهير العرقي".

إنها لحظة تعري الحقيقة على أعلى منبر أممي، حيث يواجه الاحتلال عزلة تاريخية، ويقف العالم بأكمله عند مفترق طرق حاسم بين نصرة الضمير الإنساني أو استمرار الشلل الدولي أمام آلة القتل والتهجير.

وصف أردوغان غزة بأنها "أكثر معسكرات الاعتقال افتقاراً للإنسانية في عصرنا"، واتهم أمير قطر الكيان الإسرائيلي بارتكاب "إبادة جماعية"، وقال ماكرون إن المشاهد "يجب أن تشعرنا جميعاً بالخزي"، بينما اتهم العاهل الأردني الكيان الإسرائيلي بممارسة التهجير القسري، وذلك في وقت يستعد فيه نتنياهو للرد على منتقديه يوم الخميس.

غزة تتصدر المشهد ألأممي في اليوم الأول.

تصدرت حرب غزة المشهد في اليوم الأول من المناقشات السنوية رفيعة المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث تعاقب القادة على استخدام هذه المنصة العالمية لتوجيه بعضٍ من أشد الانتقادات حتى الآن لسلوك الكيان الالكيان الإسرائيليي في غزة والضفة الغربية.

تراوحت اللغة المستخدمة بين اتهامات بارتكاب "جرائم حرب" و"تهجير قسري" وبين مصطلحات مثل "الإبادة الجماعية" و"معسكرات الاعتقال"، مما يسلط الضوء على التحدي الدبلوماسي المتزايد الذي يواجهه الكيان الدموي مع اقتراب الصراع من عامه الثالث.

الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش.

حدد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، نبرة النقاش؛ إذ أدان هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر ووصفه بأنه "هجوم إرهابي شنيع"، لكنه أشار إلى أن ما تلاه كان بمثابة "هجوم كاسح على الفلسطينيين في غزة" تخللته عمليات قتل ودمار على نطاق لم يسبق له مثيل طوال فترة ولايته. كما حذر من أن أعمال العنف والتهجير وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية "تُثير شبح التطهير العرقي".

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

جاءت إحدى أكثر الخطابات حدةً على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي وصف غزة بأنها "أكبر مقبرة للأطفال في العالم"، واصفاً القطاع أيضاً بأنه "أكثر معسكرات الاعتقال افتقاراً للإنسانية وإثارةً للعار في عصرنا".

وقد حثَّ الدول التي لم تعترف بعد بالدولة الفلسطينية على القيام بذلك، ودعا إلى ممارسة ضغوط دولية أكبر على الكيان الإسرائيلي.

كما انتقد أردوغان قرار واشنطن منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من السفر إلى نيويورك، مؤكداً أن تركيا ستواصل إيصال صوت القضية الفلسطينية من على منبر الأمم المتحدة.

وقد انسحب الوفد الالكيان الإسرائيليي - بما في ذلك السفير لدى الأمم المتحدة داني دانون - أثناء إلقاء أردوغان كلمته، في حين قابل الوفد الفلسطيني ذلك بالتصفيق.

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

استخدم أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لغةً حادةً ومباشرةً بالمثل؛ إذ صرّح أمام الجمعية العامة قائلاً: "إن ما يحدث في غزة هو إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ووصمة عار على ضمير الإنسانية جمعاء".

وقد اتهم القادة الالكيان الإسرائيلييين بالدعوة علناً إلى تهجير سكان غزة، وطالب الكيان الإسرائيلي بإنهاء عملياتها العسكرية والانسحاب من القطاع ورفع القيود المفروضة عليه.

وفي المقابل، دأب الكيان الالكيان الإسرائيليي على رفض اتهامات الإبادة الجماعية، مؤكدةً أن حملته العسكرية تستهدف حركة حماس، وأن هذه الحركة -التي يصنفها الكيان منظمةً إرهابية- تعمل انطلاقاً من مناطق مأهولة بالمدنيين.

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.

وجه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني -الذي ترتبط بلاده بمعاهدة سلام مع الكيان الإسرائيلي منذ عام 1994- انتقادات لاذعة وشاملة للسياسة الالكيان الإسرائيليية.

واعتبر الملك عبد الله أن الدمار في غزة، وما وصفه بـ "الضم الفعلي" لأجزاء من الضفة الغربية، يندرجان ضمن محاولة لطمس الوجود الفلسطيني وجعل قيام دولة فلسطينية في المستقبل أمراً مستحيلاً.

ووصف التهجير القسري للفلسطينيين من منازلهم بأنه "تهجير قسري" و"جريمة حرب"، متهماً الكيان الالكيان الإسرائيليي بامتلاك "نزعة توسعية" تهدد المنطقة بأسرها.

وحث العاهل الأردني الحكومات على عدم التعامل مع أزمتي غزة والضفة الغربية كقضيتين منفصلتين، مشدداً على أنهما تشكلان عنصرين في استراتيجية الكيان الإسرائيليية واحدة.

كما أشار إلى "مبادرة السلام العربية" لعام 2002، التي عرضت على الكيان الالكيان الإسرائيليي تطبيع العلاقات مع الدول العربية والإسلامية مقابل التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين، مؤكداً أن هذا المقترح ظل مطروحاً وقائماً لأكثر من عقدين.

انتقادات تمتد لتشمل الحلفاء الغربيين.

غير أن التحدي الذي يواجهه الكيان الإسرائيلي لا يقتصر على الانتقادات الصادرة عن تركيا أو قطر أو غيرهما من الدول العربية؛ فقد انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون -في كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل انتهاء ولايته العام المقبل- الوضع في غزة بشدة ، كما قال ماكرون أن حركة حماس لا تنشط في الضفة الغربية.

كما انتقد ماكرون بشكل مباشر الطريقة التي عرض بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته لإنهاء الحرب؛ إذ أشار إلى أنه رغم إعلانات السلام، لم يُعاد فتح ممر إنساني واحد، متسائلاً:

"هل نكتفي بمشاهدة مشهدٍ ينبغي أن يبعث فينا جميعاً على الخجل؟".

كما انتقد السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، معتبراً أن التطورات الجارية هناك تجعل إقامة دولة فلسطينية أمراً أقل احتمالاً يوماً بعد يوم.

وأكد أن من يعتقدون بأن انتهاك سيادة الدول المجاورة سيعزز أمن الكيان الإسرائيلي هم مخطئون، بل إنهم في الواقع "يُضعفون أمنه، سواء في الحاضر أو في المستقبل".

وبالمثل، استهل رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام كلمته أمام الأمم المتحدة بإدانة هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر، واصفاً إياه بأنه "مروع للغاية"، ومؤكداً وقوف بريطانيا إلى جانب الكيان الإسرائيلي والمجتمعات اليهودية في جميع أنحاء العالم في مواجهة التهديدات المستمرة من إيران.

وقال: "لكن هذا لا يبرر تصرفات الحكومة الإسرائيلية في غزة أو الضفة الغربية".

وأكد بورنهام أن بريطانيا لن تقف "مكتوفة الأيدي" بينما تتواصل المعاناة وتتعرض احتمالية حل الدولتين للخطر ، وسلّط الضوء بشكل خاص على الخطط الإسرائيلية للبناء في منطقة "E1" شرقي القدس، مشيراً إلى أن هذا المشروع قد يجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً بعيد المنال.

كما دافع عن قرار حكومته بتقييد التعاملات مع المستوطنات الإسرائيلية، معتبراً أن الاستمرار في إعلان تأييد حل الدولتين دون اتخاذ إجراءات فعلية من شأنه أن يزيد من تقويض ثقة الجمهور في العمل السياسي.

كما وجه الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا اتهامات للكيان الإسرائيلي بعبارات شديدة اللهجة، قائلاً إن "أجيالاً من الفلسطينيين" ستحمل ألم وصدمة ما وصفه بـ "الإبادة الجماعية للنساء والأطفال" التي ترتكبها حكومة نتنياهو في غزة.

وفي الوقت نفسه، صرح لولا بأن المدنيين الإسرائيليين دفعوا ثمن "التطرف والتعصب" اللذين اتسم بهما الهجوم الذي شنته حركة حماس ، كما انتقد الإجراءات التي تستهدف المحكمة الجنائية الدولية، وحذر من أن استمرار التوسع الاستيطاني يجعل حل الدولتين أمراً يزداد صعوبة.

الرئيس السوري  المؤقت أحمد الشرع.

انضم الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الأصوات المنتقدة خارج قاعة الجمعية العامة، وذلك خلال حديثه في فعالية نظمها "المجلس الأطلسي" على هامش الاجتماعات، وقبيل إلقاء كلمته أمام الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال حول الصدمة التي خلفها هجوم 7 أكتوبر في الكيان الإسرائيلي، قال الشرع إنه يتفهم ما تعرض له المدنيون الأبرياء، لكنه رأى أن حدثاً تاريخياً واحداً لا يمكن أن يحدد سياسة دولة بأكملها.

وأكد أن أحداث 7 أكتوبر لا ينبغي أن تملي نهج الكيان الإسرائيلي تجاه سوريا، محذراً من أن سياسة كهذه ستخلق تهديدات أمنية جديدة؛ إذ قال:

"إذا أردتم حماية أمنكم، فعليكم احترام أمن الآخرين".

واتهم الشرع الكيان الإسرائيلي بافتعال مشكلات جديدة حولها بدلاً من حل المشكلات القائمة، كما انتقد الضربات والأنشطة العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

وقارن بين علاقات سوريا -التي تشهد تحسناً مع الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الخليج والعراق ولبنان- وبين علاقتها بالكيان الإسرائيلي، قائلاً:

 "أعتقد أن المشكلة تكمن في الكيان الإسرائيلي، وليس في سوريا".

كما كشف الرئيس السوري أن المحادثات المباشرة مع الكيان الإسرائيلي -التي قال إنها كانت جارية منذ ما يقرب من عام بمشاركة أمريكية- قد وصلت في مرحلة ما إلى اتفاق بنسبة "90% تقريباً".

وقال: "كانت هناك عدة جولات من المفاوضات مع الكيان الإسرائيلي، ووصلنا تقريباً إلى اتفاق بنسبة 90%"، مضيفاً أن الكيان الإسرائيلي تراجع بعد ذلك أو طرحت شروطاً إضافية.

ووفقاً للشرع، فإن دمشق تطالب أولاً بأن يعود الكيان الإسرائيلي إلى الخطوط التي أُقرت بموجب اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974. وأشار إلى أنه عندئذ فقط يمكن للطرفين المضي قدماً نحو ترتيبات أمنية أوسع، وربما مناقشة إحلال سلام دائم.

لم تنتهِ بعد سلسلة الخطابات؛ إذ من المتوقع أن يلقي ممثلو سوريا وإيران وإسبانيا كلمات أمام الجمعية العامة مع استمرار النقاش، كما من المقرر أن يتحدث ممثلون عن فلسطين وأيرلندا في وقت لاحق من الأسبوع.

ومن المقرر أن يلقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كلمة أمام الجمعية يوم الخميس، وقد ألمح بالفعل إلى عزمه استغلال المنصة للرد على الانتقادات الدولية.

وقال نتنياهو قبيل الاجتماع: "سأقول الحقيقة بشأن جنودنا الأبطال"، متعهداً أيضاً بمواجهة عمدة نيويورك، زهران ممداني، بشأن انتقاداته اللاذعة لإسرائيل.

ما وراء الخطابات: تحول الضغوط إلى سياسات.

تترافق الانتقادات التي تُسمع داخل أروقة الجمعية العامة بشكل متزايد مع تدابير دبلوماسية واقتصادية ، فقد اجتمع وزراء خارجية كل من قطر ومصر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية في نيويورك، وأعربوا عن "قلقهم العميق" إزاء استمرار المعاناة الإنسانية في غزة.

ودعوا الكيان الإسرائيلي إلى الوفاء بالتزاماته االعالقة بموجب المرحلة الأولى من الخطة الحالية، بما في ذلك تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت 12 دولة غربية -بما في ذلك بريطانيا وفرنسا وكندا وإسبانيا وعدد من دول الشمال الأوروبي- أنها فرضت قيوداً، أو دعمت فرضها، أو تدرس فرض قيود على التجارة المتعلقة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وأعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا عن نيتها اتخاذ تدابير وطنية لحظر التجارة في السلع المنتجة في المستوطنات، في حين اتخذت دول أوروبية أخرى خطوات خاصة بها في هذا الصدد.

كما أكد البيان المشترك ذاته التزام هذه الدول بأمن الكيان الإسرائيلي، وأدان الهجوم الذي شنته حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول.

والنتيجة هي اجتماع للأمم المتحدة تتزايد فيه مقترنةً بخطابٍ قاسٍ على نحوٍ غير معتادٍ تجاه الكيان الإسرائيلي تدابيرُ سياساتٍ ملموسة، في حين يستعد نتنياهو لاعتلاء المنصة ذاتها وعرض موقف الكيان الإسرائيلي أمام العالم.

ختاماَ.

إن هذا الوابل المتصاعد من الإدانات الأممية، والذي تجاوز نطاق الخطابات إلى اتخاذ تدابير تجارية وسياسية، يضع المنظومة الدولية بأسرها أمام اختبار وجودي غير مسبوق.

 فإلى متى يكتفي المجتمع الدولي بصياغة بيانات الشجب وتوصيف الإبادة دون إجبار الاحتلال على وقف سفك الدماء؟

وما الذي ينتظره النظام العربي والإسلامي لترجمة مقدراته وثقله السياسي إلى أدوات ضغط حاسمة تفرض وقف العدوان، وتفك الحصار، وتحمي ما تبقى من أمل في كرامة وحياة الشعب الفلسطيني؟

هل تلك الأسئلة ستبقى رهينة الضمير العالمي أم ستجد الإجابة عنها منفذاً لتثو

ر و تغير الواقع؟

هذا ما نأمل و نتمنى و القادم كفيل بالإجابة عنها.

 


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة