كتاب واراء

الشرق الأوسط على حافة الانفجار من مضيق هرمز إلى باب المندب إلى لبنان والعراق وسوريا والخليج

كَتَبَ إسماعيل النجار. 

 

الشرق الأوسط على حافة الانفجار

من مضيق هرمز إلى باب المندب إلى لبنان والعراق وسوريا والخليج،

 

*حرب تتسع ومسارات التسوية تضيق

فلم تعد المنطقة أمام مواجهة عسكرية عابرة، ولا أمام جولة جديدة يمكن احتواؤها بالبيانات الدبلوماسية وحدها. ما يجري اليوم في الشرق الأوسط بات أقرب إلى إعادة رسم صورة شاملة لمعادلات القوة والنفوذ، حيث تتقاطع الصواريخ مع أسواق الطاقة، والممرات البحرية مع الحسابات السياسية، وتتحول الجغرافيا من جديد إلى ساحة اختبار مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل وقوى إقليمية متعددة. والأخطر أن ساحات المواجهة لم تعد منفصلة.

فمن مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، ومن جنوب لبنان إلى العراق وسوريا واليمن وإيران والخليج، تتشكل شبكة واحدة من الأزمات، بحيث يمكن لأي خطأ عسكري أو قرار سياسي غير محسوب أن ينقل المنطقة من مستوى التصعيد المحدود إلى مواجهة أوسع يصعب التحكم بمسارها.

هرمز ورقة إيران الأكثر حساسية

في قلب المشهد حيث يقف المضيق باعتباره الورقة الأكثر تأثيراً في الحسابات الإيرانية والدولية.

رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أعلن أن المضيق لن يُفتح قبل تحقيق الشروط التي وضعتها طهران، مؤكداً في الوقت نفسه أن إيران ترى إمكان الجمع بين العمل العسكري والتفاوض السياسي.

وهذه الرسالة تحمل بُعدين أساسيين..

 الأول عسكري، يتمثل في استخدام السيطرة على الممرات البحرية كورقة ضغط؛ والثاني سياسي، يتمثل في محاولة تحويل نتائج الميدان إلى مكاسب على طاولة التفاوض.

لكن هرمز ليس شأناً إيرانياً أو أميركياً فقط. فأن أي اضطراب طويل الأمد في الملاحة عبره يطال أسواق النفط والغاز والشحن والتأمين، ولذلك فإن تأثير المعركة يتجاوز حدود الخليج إلى أوروبا وآسيا والأسواق العالمية.

وقد أظهرت التطورات السابقة في الحرب أن حركة الملاحة عبر المضيق يمكن أن تتراجع بشدة، وأن مجرد ارتفاع المخاطر الأمنية يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والطاقة والتأمين.

تحويل الخليج الفارسي من منطقة نفوذ إلى ساحة ضغط. حيث تجد دول الخليج نفسها في واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ عقود.

فهي تستضيف قواعد ومصالح أميركية، وفي الوقت نفسه تحاول تجنب التحول إلى ساحات مباشرة للحرب بين واشنطن وطهران. لكن التطورات الأخيرة بدأت تفرض معادلة مختلفة.

فالهجمات الحوثية على السعودية، بما فيها الهجوم الأخير على الرياض، دفعت الأسواق الخليجية إلى التراجع وأعادت المخاوف بشأن أمن المنشآت النفطية والمطارات والممرات البحرية.

وهنا تتجاوز المسألة حدود الأمن العسكري؛ فالخليج يمثل أحد أعمدة الاقتصاد العالمي، وأي تهديد متواصل لمنشآته النفطية أو طرقه البحرية يمكن أن ينعكس سريعاً على الأسعار العالمية وعلى الاقتصادات التي تعتمد على استقرار الطاقة. وفي الوقت نفسه، يبدو أن دول الخليج تحاول بناء هامش مستقل للمناورة، بين علاقتها الأمنية بالولايات المتحدة وضرورة إدارة علاقتها مع إيران.

وهذا يفسر أهمية الاتصالات والتحركات الدبلوماسية الخليجية، ومحاولات إبقاء قنوات الحوار مفتوحة رغم التصعيد.

أما لبنان الساحة الأكثر حساسية

إذا كان الخليج هو عقدة الطاقة، فإن لبنان يبقى إحدى أكثر الساحات حساسية من الناحية العسكرية والسياسية.

المواجهة بين إسرائيل وحزب الله مستمرة، فيما تحاول الدولة اللبنانية والجيش التعامل مع ضغوط داخلية وخارجية متزايدة حول مسألة السلاح ومستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب.

وتكتسب المسألة أهمية إضافية مع اقتراب موعد بدء انسحاب قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» في نهاية عام 2026، وسط تحذيرات من أن الانتقال يجب أن يتم بصورة منظمة حتى لا ينشأ فراغ أمني وإنساني في الجنوب.

وفي هذا السياق، يصبح لبنان أكثر من مجرد ساحة داخلية؛ فهو نقطة تماس مباشرة بين الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية.

وقد نقلت رويترز في وقت سابق هذا الشهر أن إيران حذرت الولايات المتحدة من أن شن إسرائيل هجوماً واسعاً على منطقة علي الطاهر في جنوب لبنان قد يؤدي إلى رد إيراني كبير، وهو ما يوضح درجة الترابط بين الساحة اللبنانية والحرب الأوسع مع إيران.

وعليه، فإن أي تصعيد كبير في الجنوب اللبناني قد لا يبقى لبنانياً، كما أن أي تصعيد مباشر بين إيران وإسرائيل يمكن أن ينعكس على لبنان بصورة سريعة.

العراق بدوره يقف بين الدولة والسلاح والنفوذ وهو أمام معادلة أكثر تعقيداً.

فهو حليف للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يمتلك علاقات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة مع إيران، فيما توجد داخله فصائل جهادية مرتبطة بالمحور الإيراني إرتباطاً وثيقاً.

وتقول تقارير حديثة إن الحكومة العراقية تواجه صعوبة كبيرة في تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة، في ظل مقاومة فصائل المقاومة لفكرة نزع سلاحها، بالتزامن مع التحضيرات للانسحاب المرتقب للقوات التابعة للتحالف الدولي.

وهذا يجعل العراق أمام اختبار حقيقي لسيادته وقراره الأمني.

فإذا اتسعت الحرب الأميركية الإيرانية، سيكون السؤال الأساسي هل يستطيع العراق إبقاء أراضيه خارج الصراع، أم يتحول إلى إحدى ساحاته؟

والأمر لا يتعلق فقط بالقواعد الأميركية، بل أيضاً بقدرة الحكومة العراقية على منع استخدام أراضي البلاد في عمليات عسكرية ضد أي طرف، سواء الولايات المتحدة أو إيران أو إسرائيل.

سوريا ذات الوضع المعقد في الجغرافيا السياسية والتي تعيد تشكيل نفسها

بدورها تدخل مرحلة مختلفة.

فبعد التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد، لم تعد دمشق تقع في الموقع الإقليمي نفسه الذي كانت تشغله خلال سنوات الحرب السابقة، بينما تحاول الحكومة السورية الجديدة بناء علاقات أمنية وسياسية مع الولايات المتحدة ودول المنطقة. بينما يبقى الجنوب السوري في وضع شديد الحساسية، في ظل العمليات الإسرائيلية والتوتر حول الجولان والترتيبات الأمنية الجديدة.

وقد أكدت دمشق في مجلس الأمن رغبتها في التوصل إلى ترتيبات أمنية بدعم أميركي مع إسرائيل، لكنها قالت في الوقت نفسه إنها لا تقبل الاحتلال أو التنازل عن حقوقها، واتهمت إسرائيل بتقويض المسار الدبلوماسي من خلال الضربات والتوغلات.

كما أن شمال شرق سوريا يشهد تحديات مرتبطة بعملية دمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الكردية ضمن مؤسسات الدولة، وهي عملية لا تزال تواجه اعتراضات وتوترات اجتماعية وسياسية.وبذلك أصبحت سوريا أمام معادلة جديدة في محاولة تثبيت سلطة الدولة وإعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات، في وقت تتصارع فيه قوى إقليمية ودولية على شكل النظام الأمني الذي سيحكم البلاد.

أما البحر الأحمر واليمن الجبهة التي لا يمكن تجاهلها ففي الجنوب، تتسع أهمية اليمن والبحر الأحمر. لأن الهجمات اليمنيه على السعودية والتطورات حول باب المندب تجعل الصراع متصلاً مباشرة بأمن التجارة العالمية. وبذلك تصبح المنطقة أمام مثلث بحري شديد الخطورة من مضيق هرمز في الخليج الفارسي، إلى باب المندب في البحر الأحمر، والبحر المتوسط في الطرف الآخر من المشرق.

وكلما ازدادت الضغوط على أحد هذه الممرات، ازدادت قيمتها السياسية، وارتفعت كلفة النقل والطاقة والتأمين.

وهذا يفسر لماذا لم تعد الحرب مسألة عسكرية فقط، بل تحولت إلى معركة على الجغرافيا الاقتصادية للعالم.

واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد

الولايات المتحدة من جهتها تجد نفسها أمام شبكة واسعة من المصالح والقواعد والحلفاء.

فقد أصدرت واشنطن تحذيرات أمنية جديدة لمواطنيها في عدد كبير من دول المنطقة، محذرة من احتمال حدوث تصعيد مفاجئ واضطراب في الرحلات وإغلاق بعض الأجواء. وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير بأن قادة عسكريين أميركيين وإسرائيليين وعرباً عقدوا اجتماعاً سرياً في ألمانيا لبحث الحرب مع إيران والتوترات الإقليمية، وهو ما يعكس حجم التنسيق الأمني الذي بات يرافق الأزمة.

لكن زيادة التنسيق العسكري لا تعني بالضرورة أن الحرب الشاملة هي النتيجة الحتمية.

ففي المقابل، توجد قنوات تفاوض وتحركات دبلوماسية، كما أن دولاً إقليمية تحاول دفع الأطراف نحو خفض التصعيد وإعادة فتح الممرات البحرية.

وهنا تكمن المفارقة في أن المنطقة تستعد للحرب بينما تحاول في الوقت نفسه منع الحرب من الوصول إلى نقطة اللاعودة.

المواطن هو الحلقة الأخيرة في سلسلة هذه الدوامه والصراع.

في نهاية هذه المعادلة المعقدة، هناك طرف لا يمتلك صواريخ ولا قواعد عسكرية ولا قدرة على إغلاق الممرات البحرية هو المواطن. فكلما ارتفعت المخاطر في هرمز وباب المندب، ارتفعت كلفة النقل والطاقة والتأمين. وكلما طال أمد الحرب، ارتفعت فاتورة الإنفاق العسكري على الحكومات.

وكلما تضررت التجارة، انتقلت آثار الأزمة إلى الأسواق والأسعار وفرص العمل والاستثمار. وهكذا تتحول الحرب من خبر عاجل على شاشات التلفزيون إلى فاتورة يومية يدفعها المواطن.

لذلك يقف الشرق الأوسط أمام مفترق طرق. فالمشهد الحالي لا يسمح بالقول إن حرباً إقليمية شاملة أصبحت حتمية، كما لا يسمح في المقابل بالتقليل من مخاطر الانزلاق إليها. فالمنطقة باتت مترابطة أكثر من أي وقت مضى لإن إيران تؤثر في مضيق هرمز، وذلك يؤثر في الاقتصاد العالمي، اليمن يؤثر في باب المندب على البحر الأحمر، ولبنان يتأثر بالمواجهة الإيرانية الإسرائيلية، والعراق يواجه اختبار حصر السلاح والسيادة، وسوريا تتحول إلى ساحة لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي. ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط من يستطيع توجيه الضربة الأقوى؟

السؤال الأهم هو من يستطيع تحويل القوة العسكرية إلى تسوية سياسية قابلة للحياة؟ فالقوة قد تفرض وقائع على الأرض، لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام إقليمي مستقر. وإذا بقيت المنطقة أسيرة منطق الرد والرد المضاد، فإن الخطر لن يكون في اندلاع معركة واحدة، بل في تحول الشرق الأوسط إلى سلسلة متصلة من الجبهات المفتوحة، حيث يصبح كل حادث صغير قابلاً لإشعال أزمة أكبر.

أما الطريق الآخر، فيمر عبر تفاهمات إقليمية ودولية تعيد تعريف الأمن الجماعي، وتضمن حرية الملاحة، وتحمي سيادة الدول، وتضع ترتيبات أمنية قابلة للتطبيق في لبنان والعراق وسوريا والخليج.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة تاريخية إما أن تتحول هذه الحرب إلى بداية إعادة ترتيب سياسي يفتح باب التسويات، وإما أن تتحول إلى نقطة انطلاق لمرحلة طويلة من الصراع المفتوح.

والفارق بين الاحتمالين لن تصنعه الصواريخ وحدها، بل ستصنعه في النهاية إرادة السياسة وقدرة الأطراف على معرفة اللحظة التي يجب أن تتوقف فيها الحرب قبل أن يصبح ثمن استمرارها أكبر من قدرة الجميع على تحمله.

 

بيروت في،،،21/9/2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة