كتاب واراء

مابعد الحرب على إيران

 

 

تحوّل موازين القوة من استهداف القدرات إلى صراع السيطرة على الجغرافيا وممرات الطاقة…

 

 ويبقى جنوب لبنان هو العنوان

 

سعيد فارس السعيد

بيروت ٢٠ / ٩ / ٢٠٢٦

 

في الوقت الذي كانت فيه سلطنة عُمان تدير المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، وتتحرك الاتصالات بحثاً عن تسوية للملف النووي والقضايا الخلافية، تفاجأ العالم بانطلاق الضربات الإسرائيلية ـ الأميركية على إيران، والتي استهدفت في بدايتها رأس القيادة الإيرانية وعدداً كبيراً من كبار القادة العسكريين والأمنيين.

وفي الضربة الأولى، اغتيل الإمام السيد علي خامنئي، القائد الأعلى وقائد الثورة الإسلامية في إيران، إلى جانب عدد من قيادات الصفين الأول والثاني، في عملية حملت منذ بدايتها دلالات تتجاوز استهداف منشآت عسكرية محددة، لتصل إلى بنية القيادة السياسية والعسكرية للدولة الإيرانية.

وكان تغيير النظام الإيراني أحد أبرز الأهداف التي أُعلنت في بداية الحرب من الجانب الإسرائيلي، ثم أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تغيير النظام أصبح هدفاً مطروحاً في سياق الحرب.

وفي سياق موازٍ، كانت القيادة الإسرائيلية قد طرحت قبل ذلك خطاباً يتجاوز حدود الحرب المباشرة مع إيران. ففي سبتمبر 2025، قال بنيامين نتنياهو إن إسرائيل ستغيّر وجه الشرق الأوسط، وظهر في الجمعية العامة للأمم المتحدة حاملاً خريطة بعنوان «الشرق الأوسط الجديد»، كما أعلن في أغسطس من العام نفسه ارتباطه الشديد برؤية «إسرائيل الكبرى». وقد أثارت هذه المواقف، إلى جانب السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية والمنطقة، مخاوف وانتقادات عربية ودولية بشأن أهداف التوسع وتغيير خرائط المنطقة.

ومن هنا تبدأ المفارقة الاستراتيجية.

فبعد أكثر من ستة أشهر على انطلاق الحرب، ودخولها شهرها السابع، يبقى النظام الإيراني قائماً، وإن كانت القيادة قد تعرضت لخسائر كبيرة وتغيرت تركيبتها. ولم يتحول استهداف رأس القيادة إلى انهيار للدولة أو تفكك لمؤسساتها.

وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تحققا نتائج عسكرية. فالضربات ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، واستهدفت منشآت وقدرات عسكرية ونووية، وأدت إلى خسائر بشرية ومادية واسعة.

لكن النتائج العسكرية شيء، وتحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية المعلنة شيء آخر.

فإذا كان تغيير النظام هو الهدف السياسي الأول، فإن مرور أكثر من ستة أشهر من دون تحقق هذا الهدف يفرض سؤالاً أساسياً: هل كان استهداف رأس القيادة كافياً لتغيير بنية النظام؟

الوقائع أثبتت أن الإجابة لم تكن كذلك.

فالدولة الإيرانية لم تتوقف، ومؤسساتها لم تنهَر، والسلطة استمرت، وانتقلت القيادة إلى صيغة جديدة، بينما بقيت إيران دولة قادرة على اتخاذ القرار والرد وامتلاك أدوات تأثير إقليمية.

أما الهدف المتعلق بالقدرات الصاروخية، فقد أعلنت الإدارة الأميركية تدمير قدرات إيران الصاروخية بدرجة كبيرة. لكن استمرار إطلاق الصواريخ الإيرانية خلال مراحل الحرب، والتقارير اللاحقة عن بقاء جزء من هذه القدرات، يجعلان القول بأن القدرة الصاروخية الإيرانية أُزيلت بالكامل أمراً غير محسوم.

والأمر نفسه ينطبق على الملف النووي.

لقد تعرضت المنشآت النووية الإيرانية لضربات شديدة، لكن ذلك لا يعني تلقائياً انتهاء المعرفة والخبرة والبنية البشرية والعلمية المرتبطة بالبرنامج النووي. كما بقي مصير جزء من مخزون اليورانيوم المخصب موضع خلاف وتقارير متباينة، الأمر الذي أبقى الملف النووي مفتوحاً بدلاً من إغلاقه نهائياً.

وهنا تبرز نقطة أكثر أهمية:

إذا كانت الأهداف المعلنة هي تغيير النظام، وتدمير القدرات الصاروخية، وإنهاء الخطر النووي، فماذا تحقق فعلياً من هذه الأهداف بعد أكثر من ستة أشهر؟

السؤال لا ينفي حجم الضربة العسكرية ولا الخسائر التي لحقت بإيران، لكنه يميز بين إضعاف القدرة وإلغاء القدرة، وبين استهداف القيادة وتغيير النظام، وبين تدمير منشأة نووية وإنهاء البرنامج النووي.

وهذا التمييز ضروري لفهم المرحلة المقبلة.

من المنشآت إلى الجغرافيا

مع استمرار الحرب، بدأ مركز الثقل يتحرك تدريجياً من المنشآت العسكرية والنووية إلى الجغرافيا الاستراتيجية.

وهنا يظهر مضيق هرمز باعتباره إحدى أهم أوراق القوة في الصراع.

فالمضيق ليس مجرد ممر مائي؛ إنه شريان رئيسي لتدفق النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق العالمية. وأي تهديد جدي لحركة الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي.

وإذا كانت الولايات المتحدة تملك تفوقاً عسكرياً واسعاً في المنطقة، فإن إيران تملك في المقابل موقعاً جغرافياً يمنحها أدوات ضغط لا يمكن تجاهلها.

وهذه إحدى أهم مفارقات الحرب:

قد تستطيع القوة الجوية ضرب المنشآت، وقد تستطيع الصواريخ والطائرات المسيّرة استهداف القواعد والمنشآت، لكن الجغرافيا لا يمكن قصفها وإزالتها من الخريطة.

إيران باقية على الضفة الشمالية للخليج، ومضيق هرمز باقٍ في موقعه، وممرات الطاقة ستبقى مرتبطة بهذه الجغرافيا مهما تغيرت موازين القوة العسكرية.

ومن هنا يصبح السؤال الجديد ليس فقط: من يستطيع تدمير ماذا؟

بل:

من يستطيع التحكم بمسارات الطاقة والتجارة والملاحة، ومن يستطيع منع خصمه من استخدام هذه الممرات كورقة ضغط؟

هرمز والبحر الأحمر: معادلة جغرافية حول الطاقة والتجارة

لكن أخطر ما كشفته الحرب هو أن الصراع لم يعد محصوراً في الأراضي الإيرانية أو في المنشآت العسكرية والنووية، بل بدأ يتحول إلى صراع على شبكة الممرات البحرية التي تربط الخليج بالبحر الأحمر ثم بالبحر المتوسط والأسواق العالمية.

وهنا لا يمكن النظر إلى مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر باعتبارها ساحات منفصلة. فهذه الممرات تشكل، من الناحية الاستراتيجية والاقتصادية، سلسلة مترابطة في حركة الطاقة والتجارة العالمية.

هرمز هو بوابة الخليج، وباب المندب هو بوابة البحر الأحمر. وبينهما تتحرك واحدة من أهم شبكات النفط والغاز والتجارة في العالم.

ولهذا فإن الضغط على هرمز لا يبقى محصوراً في الخليج، كما أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر لا يبقى مشكلة محلية. فأي اضطراب كبير في إحدى نقطتي الاختناق يمكن أن يرفع كلفة النقل والطاقة والتأمين، ويدفع السفن إلى تغيير مساراتها، ويؤثر في حركة التجارة العالمية.

ومن هنا يمكن فهم المعادلة الجديدة التي فرضتها الحرب:

إذا كانت إيران تملك القدرة على التأثير في هرمز، فإن القوى المتحالفة معها تستطيع، بدرجات مختلفة، التأثير في باب المندب والبحر الأحمر.

وبذلك تتشكل أمام الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما معادلة جغرافية شديدة التعقيد: الضغط على إيران من جهة الخليج يمكن أن يقابله ضغط على خطوط الملاحة من جهة البحر الأحمر.

وهذه ليست مجرد معادلة عسكرية، بل معادلة اقتصادية واستراتيجية متكاملة.

فإغلاق أو تعطيل هرمز، أو تهديد حركة السفن في البحر الأحمر وباب المندب، لا يعني فقط تعطيل سفن بعينها، وإنما يمكن أن ينعكس على أسعار النفط والغاز، وأجور الشحن والتأمين، وسلاسل الإمداد، ووصول الطاقة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.

وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات الحرب:

قد تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل امتلاك تفوق جوي وبحري واسع، وقد تستطيعان ضرب منصات ومنشآت وقدرات عسكرية، لكن إدارة الممرات البحرية لا تُحسم بالقوة النارية وحدها.

فالولايات المتحدة تستطيع حماية سفن، وإسرائيل تستطيع تنفيذ ضربات، لكن بقاء التهديد قائماً في نقطتي الاختناق الاستراتيجيتين يجعل كلفة الحرب قابلة للانتقال من الميدان العسكري إلى الاقتصاد العالمي.

ولهذا فإن هرمز وباب المندب يمكن أن يتحولا إلى ورقتي ضغط متكاملتين: الأولى تضغط على شريان الطاقة الخارج من الخليج، والثانية تضغط على الطريق البحري الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.

وهنا تتغير طبيعة الصراع.

لم يعد السؤال فقط: هل تستطيع الولايات المتحدة تدمير الصواريخ الإيرانية؟

بل أصبح:

هل تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها ضمان استمرار حركة الطاقة والتجارة في الممرات البحرية، مهما كان حجم القوة العسكرية التي تستخدمها؟

وفي المقابل، لا يكفي لإيران وحلفائها امتلاك القدرة على تهديد هذه الممرات؛ لأن تحويلها إلى ساحة صراع مفتوحة يحمل أيضاً أثماناً اقتصادية وسياسية على دول المنطقة.

لذلك فإن معادلة هرمز ـ باب المندب قد تكون أهم من كثير من نتائج المعارك البرية والجوية، لأنها تنقل الصراع من حدود الدول إلى حركة الاقتصاد العالمي نفسه.

وهنا تحديداً يصبح البحر جزءاً من ميزان القوة.

فمن يملك القدرة على التأثير في هرمز يستطيع الضغط على تدفق الطاقة الخارج من الخليج، ومن يملك القدرة على التأثير في باب المندب والبحر الأحمر يستطيع الضغط على أحد أهم طرق التجارة بين الشرق والغرب.

وعندما تجتمع نقطتا الضغط في أزمة واحدة، فإن الصراع يتحول من مواجهة إقليمية إلى أزمة في النظام الاقتصادي والأمني العالمي.

ارتفاع أسعار النفط… مؤشر على عمق الأزمة

ولعل أكثر المؤشرات وضوحاً على انتقال الحرب من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي هو حركة أسعار النفط.

فكلما ارتفع مستوى التهديد للملاحة في الخليج أو البحر الأحمر، ارتفعت المخاوف من اضطراب الإمدادات، فتنعكس هذه المخاوف سريعاً على أسعار الطاقة.

وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج الحرب:

قد تكون الضربة العسكرية قادرة على تدمير منشأة، لكن تعطيل حركة الطاقة العالمية يمكن أن يخلق آثاراً اقتصادية تتجاوز حدود الدولة المستهدفة، وتطال المستهلكين والأسواق والصناعات في أنحاء مختلفة من العالم.

وبذلك يصبح النفط والغاز والموانئ والممرات البحرية أدوات في الصراع، إلى جانب الطائرات والصواريخ والطائرات المسيّرة.

ماذا بعد؟

بعد أكثر من ستة أشهر على بداية الحرب، لم تعد المسألة مجرد البحث عن إجابة لسؤال: من انتصر عسكرياً؟

فهذا السؤال، بصيغته المبسطة، لا يكفي لفهم ما يجري.

السؤال الأهم هو:

هل استطاعت الحرب تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية التي أُعلنت عند بدايتها، أم أنها نجحت في إحداث أضرار عسكرية كبيرة من دون أن تحسم القضايا التي قامت الحرب من أجلها؟

فالقيادة الإيرانية تغيرت، لكن النظام لم يتغير.

والمنشآت النووية تضررت، لكن الملف النووي لم يُغلق.

والقدرات الصاروخية تعرضت لضربات قاسية، لكن الحديث عن إزالتها بالكامل لم يصبح حقيقة محسومة.

أما إيران، التي كان الهدف المعلن إضعاف قدرتها على تهديد المنطقة، فما زالت تمتلك أوراقاً استراتيجية، أبرزها موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في أمن الخليج وممرات الطاقة.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة:

الحرب بدأت باستهداف القيادة والقدرات، لكنها وصلت إلى معركة على الجغرافيا والممرات والمصالح الاقتصادية.

وإذا استمرت هذه المعادلة، فقد تصبح المرحلة المقبلة أقل ارتباطاً بعدد الصواريخ والطائرات التي يمتلكها كل طرف، وأكثر ارتباطاً بقدرته على التحكم بممرات الطاقة، وحماية خطوط التجارة، ومنع خصمه من تحويل الجغرافيا إلى سلاح.

الخاتمة: من الحرب إلى مسؤولية الاستقرار

بعد أكثر من ستة أشهر، تبدو الحقيقة الاستراتيجية واضحة: الضربة العسكرية أحدثت أضراراً كبيرة، لكنها لم تحقق حتى الآن الحسم السياسي الذي أُعلنت الحرب من أجله.

استُهدفت القيادة، لكن النظام لم يسقط؛ وضُربت المنشآت النووية، لكن الملف النووي لم يُغلق؛ واستُهدفت القدرات الصاروخية، لكنها لم تُلغَ بالكامل، بينما انتقل الصراع إلى هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وممرات الطاقة.

وبعد اغتيال رأس القيادة الإيرانية ومعظم قيادات الصفين الأول والثاني، ثم مرور هذه الأشهر الطويلة من الحرب من دون تحقق الحسم السياسي والاستراتيجي المعلن، بات من المشروع التوقف عند ما هو أبعد من نتائج الميدان.

فالحرب لم تكشف فقط حدود القدرة العسكرية على فرض تغيير سياسي في دولة بحجم إيران، بل كشفت أيضاً اتساع الفجوة بين القوة العسكرية وبين القدرة على إعادة تشكيل المنطقة وفق الأهداف المعلنة.

كما أن استمرار الحرب وما رافقها من ضربات وتهديدات وتداعيات إقليمية أثار، على المستوى العربي والدولي، أسئلة متزايدة حول طبيعة المشروع الإقليمي الذي تسعى إسرائيل إلى ترسيخه، ولا سيما في ظل الخطاب المتعلق بـ«إسرائيل الكبرى» وتغيير خرائط المنطقة. وقد وثقت تقارير أممية تصريحات ومواقف إسرائيلية مرتبطة بهذا التصور، كما وثقت استمرار الوجود العسكري والمستوطنات والسيطرة الإسرائيلية في أراضٍ فلسطينية والجولان وجنوب لبنان.

وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحاً:

لم تعد المسألة مجرد حرب على إيران، بل أصبحت اختباراً لمستقبل الشرق الأوسط كله، ولحدود القوة في إعادة رسم خرائط المنطقة، ولقدرة المجتمع الدولي على حماية سيادة الدول ومنع تحويل القوة العسكرية إلى وسيلة دائمة لفرض الوقائع.

أما لبنان، وخصوصاً جنوبه، فقد أصبح في قلب هذه المعادلة.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه القوى الدولية عن ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، تستمر الوقائع الميدانية في الجنوب اللبناني في فرض نفسها. وتشير تقارير حديثة إلى استمرار عمليات الهدم الإسرائيلية في بلدات جنوبية، بينها المنصوري، رغم ترتيبات وقف إطلاق النار، فيما وصف رئيس قوات اليونيفيل استمرار عمليات الهدم بأنه انتهاك لقرارات الأمم المتحدة.

وهنا تقع مسؤولية واشنطن وتل أبيب عن تحويل القوة العسكرية إلى مسار سياسي، كما تقع على المجتمع الدولي مسؤولية منع استمرار الحرب وتحول المنطقة إلى ساحات مفتوحة للتصعيد.

أما عربياً، فإن حماية الدول وسيادتها وأمن شعوبها لم تعد مسألة داخلية منفصلة عن محيطها الإقليمي.

فالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية في الجنوب، وعودة الأهالي إلى بلداتهم وقراهم، ووقف العدوان على لبنان، والحفاظ على أمنه وسيادته وسلامة أراضيه، ليست مطالب لبنانية فحسب؛ بل هي مصلحة وضرورة عربية وإقليمية وعالمية لحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.

وهذه المسؤولية تقع أولاً على الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وبشكل عام على المجتمع الدولي، بما تملكه من قدرة سياسية ودبلوماسية على وقف التصعيد، وضمان احترام سيادة لبنان، وتثبيت الأمن والاستقرار على حدوده.

فلبنان لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، كما أن أمن الجنوب لا يمكن فصله عن أمن المنطقة الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط.

ويبقى جنوب لبنان هو العنوان.

العنوان الذي تختبر عنده كل الشعارات عن الأمن والاستقرار، وكل الحديث عن احترام سيادة الدول، وكل الوعود بإعادة رسم المنطقة.

فما يجري في الجنوب ليس تفصيلاً هامشياً في صراع إقليمي واسع؛ بل هو جزء من السؤال الأكبر حول شكل الشرق الأوسط الذي سيخرج من هذه الحرب: هل يكون شرقاً تحكمه موازين القوة والفرض والأمر الواقع، أم شرقاً تقوم علاقاته على احترام السيادة والحدود وحقوق الشعوب؟

المطلوب ليس إدارة الحروب بعد اندلاعها، بل منع تحولها إلى واقع دائم؛ وليس إعادة توزيع الدمار، بل إعادة بناء الأمن والاستقرار على قاعدة احترام سيادة الدول وحقوق شعوبها.

فالضربة قد تحسم معركة، لكنها لا تصنع سلاماً؛ والقوة قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تبني استقراراً دائماً.

وفي النهاية، فإن مسؤولية واشنطن وتل أبيب والمجتمع الدولي هي الانتقال من منطق الضربة والرد إلى منطق التسوية والاستقرار، ومسؤولية العرب ولبنان حماية أوطانهم وسيادتهم ومصالح شعوبهم.

فاستقرار لبنان ليس شأناً لبنانياً فقط، وأمن الجنوب ليس قضية حدودية فحسب؛ بل إن حماية لبنان من أن يكون ساحة جديدة للصراع هي جزء من حماية أمن المنطقة كلها، من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط.

 

د. سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة