كتب / سعيد فارس السعيد
لم تكن خطبة الجمعة الماضية للعلامة الشيخ علي الخطيب حديثاً عابراً عن الحرية، كما لم تكن خطبة اليوم منفصلة عنها.
فمن يتابع تسلسل الخطابين يلاحظ أن العلامة الخطيب يبني، بهدوء ووضوح، مفهوماً متكاملاً للحرية؛
يبدأ من أصلها الإنساني، ويمرّ عبر الاختيار والإرادة، ليصل إلى المسؤولية التي تترتب على هذا الاختيار.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة أساسية:
__ماذا يعني أن يكون الإنسان حراً؟
_وهل تعني الحرية أن يفعل الإنسان ما يشاء، أم أن يكون قادراً على الاختيار ثم يتحمل نتائج اختياره؟
الحرية، في معناها الأول، هي أن يكون الإنسان غير مُكرَه على الفعل.
فالإنسان يمتلك قدرة داخلية على القبول أو الرفض، ولا يستطيع أحد أن ينتزع منه هذه القدرة بصورة كاملة.
وقد يبلغ الإكراه حداً تُسلب فيه القدرة المادية على الاعتراض، لكن يبقى للإنسان، في أضعف درجات الحرية، موقفه الداخلي ورفضه القلبي.
ولهذا يمكن أن تتدرج الحرية من الرفض القلبي، إلى التعبير بالكلمة والموقف، وصولاً إلى الرفض العملي ومقاومة الإملاء، وقد يصل الأمر بالإنسان إلى التضحية بحياته إذا اختار ألا يخضع.
وهنا تظهر إحدى أعمق صور الحرية:
(أن يختار الإنسان موقفه حتى عندما يكون ثمن الاختيار باهظاً).
لكن هذه الحرية لا تعني أن الإنسان معفى من المسؤولية.
فالقدرة على الاختيار هي التي تجعل التكليف والمسؤولية ممكنين أصلاً؛
إذ لا معنى لمحاسبة إنسان على فعل أُجبر عليه ولم يكن قادراً على الاختيار فيه.
ومن هنا يصبح التفريق ضرورياً بين أمرين:
_أن تكون حراً في الاختيار،
وأن يكون كل ما تختاره مشروعاً أو صحيحاً.
فالإنسان، وفق هذا التصور، يمتلك الحرية التكوينية؛ أي القدرة على أن يختار بين الطاعة والمعصية، لكنه لا يملك أن يحوّل مجرد قدرته على الاختيار إلى حق في ارتكاب ما هو ممنوع أو مؤذٍ للآخرين.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في زمن تختلط فيه مفاهيم الحرية أحياناً.
فالحرية ليست فوضى، وليست إسقاطاً للقانون، وليست إعفاءً من النتائج.
وليست عبارة «أنا حر» جوازاً مفتوحاً لفعل كل ما تشتهيه النفس.
الحرية تمنح الإنسان القدرة على الاختيار، والمسؤولية تسأله: ماذا اخترت؟
ولماذا؟
وما الذي ترتب على اختيارك؟
وهنا تلتقي الحرية مع القانون والأخلاق والدين والمصلحة العامة.
فكما لا يجوز أن يُحاسب الإنسان على ما فُرض عليه قهراً، لا يجوز أيضاً أن يتخذ من حريته ذريعة للاعتداء على حرية الآخرين أو حقوقهم أو أمن المجتمع.
ومن هذه الزاوية، فإن الحرية الحقيقية لا تُقاس فقط بمدى قدرتنا على قول «لا»، وإنما أيضاً بمدى قدرتنا على ضبط إرادتنا عندما نملك القدرة على الفعل.
فالذي يستطيع أن يختار ولا يختار إلا ما يشاء، قد يكون مارس الاختيار؛
أما الذي يعرف أن لاختياره نتائج، فيضبط إرادته بما ينبغي فعله، فإنه ينتقل من مجرد القدرة على الاختيار إلى تحمل مسؤولية الاختيار.
وهنا تكمن أهمية بناء مفهوم متوازن للحرية في المجتمع:
__لا إكراه يسلب الإنسان إرادته،
__ولا حرية تتحول إلى فوضى تسلب الآخرين حقوقهم.
فالحرية تحمي الإنسان من الإكراه، والمسؤولية تحمي المجتمع من إساءة استخدام الحرية.
وبينهما تقوم معادلة دقيقة:
الإنسان حر في أن يختار، لكنه مسؤول عما يختار.
وهذه المعادلة ليست قضية دينية أو فلسفية مجردة، بل هي حاجة اجتماعية ووطنية في حياتنا اليومية؛ في الشارع، وفي المدرسة والجامعة، وفي الأسرة، وفي الإعلام، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وفي ممارسة الحقوق السياسية والمدنية.
فلا يمكن بناء دولة قوية بقوانينها ومؤسساتها إذا فهم كل فرد الحرية على أنها حق شخصي مطلق، فيما يفهم القانون المسؤولية على أنها قيد على الآخرين فقط.
__الدولة العادلة تحمي حرية الإنسان، والإنسان المسؤول يحترم القانون وحرية الآخرين.
ولذلك فإن المعادلة التي نحتاجها اليوم ليست:
الحرية أم المسؤولية؟
بل:
【الحرية والمسؤولية】.
فالحرية من دون مسؤولية قد تتحول إلى فوضى، والمسؤولية من دون حرية قد تتحول إلى إكراه.
أما التوازن بينهما، فهو الطريق إلى إنسان يعرف حقوقه، ويدرك واجباته، ويمارس اختياره بوعي، ويتحمل نتائج موقفه.
وهنا تصبح الحرية قيمة تبني الإنسان والمجتمع، لا شعاراً يُستخدم لتبرير الفوضى أو لإسكات الإنسان.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»