في مثل هذا اليوم، قبل عامين، نفذ العدو الإسرائيلي واحدة من أبشع عملياته الإجرامية في لبنان والعالم. عملية البايجر لم تكن عملية أمنية عادية، بل كانت جريمة حرب مكتملة الأركان، ومجزرة موصوفة استهدفت الإنسان بحد ذاته.
العالم كله تحدث عنها، ليس لدقة تنفيذها التقني كما حاول البعض أن يروج، بل لفظاعتها وانعدام أخلاقيتها. فالعدو لم يميز بين مقاوم ومدني، بين رجل وإمرأة، بين طفل وشيخ، بين سياسي وناشط. فجّر أجهزته في الأسواق، في البيوت، في الشوارع، في أماكن العمل، ضارباً عرض الحائط بكل القوانين الدولية والإنسانية. كانت رسالته واضحة، لا أحد في مأمن من إجرامه.
لكن ما لم يحسب له العدو حساباً، هو أن هذه الجريمة، على بشاعتها، لم تكسر الإرادة. بل على العكس، كشفت عن صبر وإرادة المقاوم الأصيل. رأينا الجرحى والمصابين، ممن فقدوا أعينهم وأطرافهم، يخرجون من المستشفيات وهم أكثر صموداً وثباتاً، يرفعون علامة النصر ويؤكدون أنهم على العهد باقون. عزيمة مَن تعرض لهذا العمل المجرم كانت أقوى بكثير من آلة القتل الإسرائيلية. صمودهم هو الرد الأبلغ على الإجرام.
وفي خضم هذا المشهد البطولي، يبقى الجرح النازف هو تقصير الدولة اللبنانية. هذه الجريمة لم تستهدف فئة أو حزباً، بل استهدفت سيادة لبنان كله، وكرامة كل لبناني. كان من المفترض، بغض النظر عن أي خلاف سياسي مع المقاومة أو مع حزب الله، أن تتحرك الدولة فوراً كدولة، أن ترفع الصوت عالياً، وأن تتقدم بشكوى رسمية أمام المحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن.
إن واجب الدولة هو حماية مواطنيها، جميع مواطنيها، وتوثيق الجريمة ضد شعبها. السكوت عن جريمة بهذا الحجم هو تخلي عن أبسط مقومات السيادة والمسؤولية الوطنية. فدماء النساء والأطفال والمدنيين التي سالت بسبب البايجر هي دماء لبنانية، والعدوان الذي وقع هو عدوان على لبنان.
ذكرى البايجر ستبقى شاهداً على إجرام عدو لا يعرف إلا لغة الغدر، وشاهداً على صمود شعب لا يعرف الأنكسار، وشاهداً أيضاً على دولة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تقوم بدورها كاملاً، فالحق لا يسقط ، وجرائم الحرب لا تُنسى.
نضال عيسى