كل من يريد أن يعرف فكر ونهج ومواقف اللبنانيين الشيعة، بعيداً عن الصور النمطية والاختزال، عليه أن يقرأ في مدرسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، المؤسسة التي أسسها الإمام موسى الصدر، والتي أرادها حضوراً للشيعة في وطنهم وشريكاً في قضاياه.
وهنا تبرز تجربة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، العلامة الشيخ علي الخطيب، في تكريس هذا النهج عملياً.
___التمثيل شيء…
والدور الوطني شيء آخر
المجلس يمثل المسلمين الشيعة في قضاياهم وحقوقهم وخصوصيتهم، وهذه وظيفته الأساسية. لكن الدور الوطني يبدأ عندما يتعامل مع القضايا التي تتجاوز حدود الطائفة: وحدة لبنان، السلم الأهلي، السيادة، مواجهة العدوان والاحتلال، الحوار الداخلي، والعلاقات العربية والإسلامية والدولية.
ولا يعني الدور الوطني أن المجلس بديل عن الدولة أو مؤسساتها الدستورية، ولا أنه يحتكر تمثيل اللبنانيين؛ بل يعني أنه يمارس من موقعه الديني والاجتماعي مسؤولية وطنية في القضايا العامة.
التمثيل يحمي حقوق الجماعة؛ أما الدور الوطني فيحمي مساحة العيش المشترك بين الجماعات.
الشيخ الخطيب… الموقف والحوار في آن واحد
تتجسد هذه المعادلة في ممارسة الشيخ علي الخطيب.
فهو يدافع، في مواقفه المعلنة، عن المقاومة في مواجهة العدوان والاحتلال، لكنه في الوقت نفسه يفتح أبواب الحوار مع المختلفين.
واستقباله السفير الأميركي ميشال عيسى ومناقشته معه القضايا الخلافية يقدم مثالاً واضحاً: الحوار لا يعني الموافقة، والاختلاف لا يعني القطيعة.
ولا يحصر الشيخ الخطيب علاقاته في اتجاه واحد؛ فالتواصل مع السفراء العرب والأجانب، والمشاركة في المؤتمرات الإسلامية، واللقاءات مع مختلف الشخصيات، تعكس سياسة تقوم على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، من دون أن يعني ذلك تبني مواقف الآخرين.
من الحوار إلى السلم الأهلي
الأهم أن هذا الانفتاح يتجه إلى الداخل اللبناني.
فالشيخ الخطيب يدعو إلى الحوار الوطني، وترسيخ السلم الأهلي والوحدة الوطنية، ويدفع باتجاه جمع المرجعيات الروحية اللبنانية في إطار قمة روحية تشمل مختلف المكونات.
وهذا دور وطني واضح: المجلس لا يحل محل الدولة، لكنه يستطيع أن يساهم في حماية المجتمع من الفتنة وفتح قنوات التواصل عندما تضيق القنوات السياسية.
من بيت للشيعة إلى ملتقى للبنان
هنا تتضح الصورة.
المجلس مرجعية شيعية في التمثيل، لكنه يستطيع أن يكون وطنياً في دوره؛ يدافع عن حقوق طائفته، وينفتح في الوقت نفسه على سائر اللبنانيين، ويحاور المختلفين، ويتواصل مع المحيط العربي والإسلامي والعالم.
وهذا ما يبرز في تجربة الشيخ علي الخطيب: تحويل مقرات المجلس إلى مساحات للحوار والتواصل؛ يستقبل فيها المختلف قبل المتفق، ويحافظ فيها على الموقف من دون إغلاق الأبواب.
والرسالة السياسية الأوضح هي:
لا يحتاج الشيعة إلى التخلي عن خصوصيتهم كي يكونوا وطنيين، ولا يحتاج المجلس إلى التخلي عن تمثيله كي يؤدي دوره الوطني.
المطلوب هو أن يتحول التمثيل إلى شراكة، والخصوصية إلى حضور، والخلاف إلى حوار.
مسؤولية المرحلة
وأمام التحديات والتطورات التي يواجهها لبنان والمنطقة، لم يعد كافياً الاكتفاء بقراءة هذا الدور أو الإشادة به؛ بل بات مطلوباً أن يتحول إلى مسار وطني مدعوم ومتكامل.
ومن هنا تبرز مسؤولية سلطات الدولة اللبنانية كافة، وكذلك المرجعيات الإسلامية، وفي مقدمتها المرجعيات الإسلامية الشيعية، في تقديم كل أشكال الدعم والتعاون والتنسيق الممكنة مع رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بما يعزز دوره الوطني ويحفظ وحدة الصف ويخدم الاستقرار والسلم الأهلي.
فالتعاون مع المجلس لا يعني إلغاء دور الدولة أو المؤسسات الأخرى، كما أن دعم دوره الوطني لا يعني الاصطفاف السياسي؛ بل يعني الاستفادة من مؤسسة دينية واجتماعية ذات حضور وطني في بناء الحوار، حماية السلم الأهلي، معالجة التوترات، وتعزيز التواصل بين اللبنانيين.
وفي مرحلة تتطلب جمع الطاقات لا تشتيتها، يصبح التنسيق بين مؤسسات الدولة والمرجعيات الروحية والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى حاجة وطنية، لا ترفاً سياسياً.
وهنا تكمن قيمة تجربة العلامة الشيخ علي الخطيب:
ثبات في الموقف، وانفتاح في الحوار؛ دفاع عن الحقوق، وتمسك بالوحدة؛ تمثيل للشيعة، وجسور مع كل اللبنانيين.
وهكذا يبقى المجلس، كما أراد له الإمام موسى الصدر، بيتاً للشيعة في هويتهم وحقوقهم، وملتقى للبنانيين في حوارهم، وجسراً مفتوحاً مع محيط لبنان العربي والإسلامي ومع العالم.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»
