ليست كل الرسائل السياسية تُكتب في البيانات الرسمية، ولا كل الرسائل الدبلوماسية تُقال خلف طاولات المفاوضات.
أحياناً يكون المكان جزءاً من الرسالة، والزيارة جزءاً من الخطاب، والصورة جزءاً من الموقف.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التحركات الأخيرة للمسؤولين الأتراك في سورية، ولا سيما زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وزيارة السفير التركي لدى سورية نوح يلماز إلى مقام السيدة زينب، وزيارة وزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية التركية ماهينور أوزدمير غوكطاش إلى دمشق ومقام السيدة رقية.
فتركيا، الحليفة والشقيقة والجارة لسورية، لا تتعامل مع دمشق من خلال الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية وحدها، بل يمكن القول إنها تتحرك أيضاً في المجال السوري من خلال الميدان والتاريخ والرموز الدينية والحضارية.
___هاكان فيدان… من السياسة إلى قراءة الذاكرة.
خلال زيارته دمشق، التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الرئيس السوري أحمد الشرع وعدداً من المسؤولين، كما التقى ممثلين عن التركمان السوريين.
وبالتوازي مع لقاءاته السياسية، زار ضريح محيي الدين ابن عربي، وضريح مولانا خالد البغدادي، وضريح صلاح الدين الأيوبي، والجامع الأموي، والتكية السليمانية، ومقبرة شهداء الطيران التركي.
واللافت أن فيدان وصف هذه المواقع بأنها تمثل إرثاً للتاريخ المشترك بين تركيا وسورية.
وهنا يمكن أن يصبح المكان مدخلاً لقراءة الرسالة.
فزيارة ابن عربي يمكن أن تُقرأ في سياق استحضار دمشق كمدينة للعلم والفكر والتصوف، وزيارة صلاح الدين يمكن أن تُقرأ في إطار الذاكرة التاريخية المشتركة، بينما تستحضر التكية السليمانية جانباً من التاريخ الدمشقي المرتبط بالعهد العثماني.
وبذلك، يمكن فهم تحرك فيدان باعتباره قراءة لسورية لا تقتصر على مؤسساتها السياسية، وإنما تمتد إلى ذاكرتها الدينية والتاريخية والحضارية.
____نوح يلماز… ومقام السيدة زينب.
وفي سياق آخر، زار السفير التركي لدى سورية نوح يلماز مقام السيدة زينب في ريف دمشق، واطلع على أعمال الترميم فيه، كما زار قبر المفكر الإيراني علي شريعتي الموجود في مقبرة المقام.
ومن زاوية الدلالة الاجتماعية، يمكن أن تكون لهذه الزيارة أهمية خاصة، نظراً إلى المكانة التي يحتلها مقام السيدة زينب في الذاكرة الدينية والاجتماعية للمسلمين الشيعة في سورية والمنطقة.
ومن الممكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها مؤشراً على اهتمام تركي بالتعامل مع الرموز الدينية السورية ضمن المشهد العام، من دون افتراض أن الزيارة تحمل بالضرورة رسالة سياسية محددة لم تُعلن رسمياً.
___ماهينور غوكطاش…
ومقام السيدة رقية.
كما زارت وزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية التركية ماهينور أوزدمير غوكطاش دمشق، وشملت جولتها مقام السيدة رقية بنت الحسين إلى جانب عدد من المواقع التاريخية والدينية.
ويمكن وضع هذه الزيارة ضمن السياق نفسه: حضور تركي ميداني يتعامل مع سورية من خلال تعدد رموزها وذاكرتها.
وهنا ينبغي التمييز بين الوقائع وبين التحليل؛
فالزيارات ثابتة، أما دلالاتها السياسية الأوسع فتبقى مجالاً للقراءة والاستنتاج.
لماذا تبدو هذه الزيارات مهمة؟
لأن سورية ليست لوناً واحداً.
في دمشق مقام السيدة زينب، ومقام ابن عربي، وضريح صلاح الدين، وضريح خالد البغدادي، والجامع الأموي، إلى جانب الكنائس والأديرة والمقامات والمزارات المنتشرة في مختلف المدن والمناطق السورية.
ويمكن النظر إلى هذا التنوع لا باعتباره مشكلة، وإنما باعتباره جزءاً من الذاكرة السورية المتعددة، التي يمكن أن تتحول إلى عنصر قوة وتنوع حضاري إذا أُديرت بعدالة وتحت سقف الدولة والقانون.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم اختيار المسؤولين الأتراك لهذه المواقع باعتباره شكلاً من الدبلوماسية الميدانية التي تتعامل مع المجتمع السوري من خلال رموزه وذاكرته، من دون الجزم بأن كل موقع حمل رسالة منفصلة ومحددة.
الرسالة التي يمكن قراءتها
في تقديري، يمكن قراءة مجموع هذه التحركات من خلال ثلاث دلالات محتملة:
أولاً: تجاه العهد الجديد:
قد تعكس هذه التحركات اهتماماً تركياً بسورية مستقرة وآمنة وقادرة على احتضان مختلف مكوناتها، وهو ما يتقاطع مع ما أعلنه فيدان حول دعم بناء سورية آمنة ومستقرة ومزدهرة تحتضن جميع مكونات المجتمع.
ثانياً: تجاه المجتمع السوري:
يمكن أن تعكس أهمية التعامل مع التنوع السوري بوصفه واقعاً ينبغي إدارته ضمن إطار الدولة، لا باعتباره سبباً للتمييز أو الإقصاء أو الصراع.
ثالثاً: تجاه السوريين الشيعة:
يمكن أن تُفهم زيارة مقامي السيدة زينب والسيدة رقية، من زاوية دلالتها الاجتماعية، باعتبارها حضوراً أمام رموز دينية مهمة لدى شريحة من السوريين، بما ينسجم مع مبدأ احترام حقوق المواطنين ومقدساتهم ضمن إطار الدولة والقانون.
وهذه كلها قراءات تحليلية وليست بالضرورة تصريحات تركية مباشرة.
من السيدة زينب والسيدة رقية إلى نبل والزهراء
هنا تنتقل المسألة من الرمزية إلى الاختبار العملي.
فـنبل والزهراء في ريف حلب الشمالي تمثلان إحدى أبرز حالات الوجود الشيعي السوري، وهما جزء من النسيج الاجتماعي السوري، ولهما حضور اجتماعي وتعليمي وتجاري وصناعي.
ومنذ قيام العهد الجديد، كان موقفي واضحاً في الدعوة إلى أن يقف السوريون الشيعة إلى جانب الدولة الجديدة، ويحترموا مؤسساتها وأنظمتها وقوانينها، مع التمسك في الوقت نفسه بحقوقهم المشروعة.
وأقول ذلك بصفتي كاتباً وباحثاً استراتيجياً متخصصاً في قضايا الأمن الاجتماعي والوطني والقومي والإعلام والرأي العام، ومن أبناء مدينة نبل.
وقد كان موقفي مستقلاً عن الاصطفافات الطائفية والحزبية، ولم أبنِ موقفي على مواجهة العهد الجديد أو التحريض عليه، لأنني أرى أن:
النقد شيء، ومواجهة الدولة والتحريض عليها شيء آخر.
وفي المقابل، فإن احترام الدولة لا يعني التنازل عن الحقوق.
فالحقوق، في تقديري، لا تُحمى بالعزلة أو الوصاية الخارجية، وإنما من خلال المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
ومن هنا، يمكن أن تصبح نبل والزهراء مؤشراً عملياً مهماً على قدرة الدولة الجديدة على التعامل مع مواطنيها على أساس المواطنة، لا على أساس الهوية المذهبية.
___دمشق وبيروت… مساران متوازيان
ولا يمكن تجاهل أن دمشق نفسها فتحت قنوات تواصل مع لبنان، ومنها لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع الرئيس جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام في بيروت.
كما جاء لقاء نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب مع الصحافي التركي حمزة تكين ليضيف، من زاوية أخرى، مؤشراً إلى اتساع دوائر التواصل التركي في المنطقة.
ولا يعني جمع هذه الوقائع بالضرورة وجود مسار سياسي واحد بينها، لكن يمكن أن يساعد وضعها في سياق واحد على قراءة اتساع الحركة التركية في الشرق، وتداخل السياسة مع المجتمع والتاريخ والرموز الدينية.
وعلى سورية أن تقرأ الرسالة.
إذا كانت تركيا تقرأ سورية ميدانياً، فمن المفيد أن تقرأ الدولة السورية هي الأخرى سورية من الميدان.
فزيارة مقام السيدة زينب يمكن أن تذكّر بأهمية حماية المقامات.
وزيارة ابن عربي يمكن أن تذكّر بأهمية حماية التراث الديني والفكري.
وحماية الكنائس والأديرة يمكن أن تؤكد أهمية صون الوجود المسيحي السوري وتراثه.
والقاعدة، في تقديري، يجب أن تكون واحدة:
لا حماية لمقدس على حساب مقدس آخر، ولا حماية لمكوّن على حساب مكوّن آخر.
المبدأ الأوضح هو:
كل المقدسات تحت حماية الدولة، وكل المواطنين تحت حماية القانون.
من رمزية الزيارة إلى سياسة الدولة
القيمة الحقيقية لأي رسالة رمزية تبدأ عندما تتحول إلى سياسة وممارسة.
ويمكن أن يعني ذلك حماية دور العبادة والمقامات، وصيانة المواقع التاريخية، ومنع الاعتداء عليها، واحترام خصوصيتها، وحماية حق أصحابها وزوارها في الوصول إليها وممارسة شعائرهم بأمان.
فالمقدس لا ينبغي أن تحميه الدولة لأنه ملك لجماعة بعينها، وإنما لأنه مرتبط بحرية الإنسان وكرامته وحقه في الاعتقاد.
سورية التي نريدها
لقد دفعت سورية ثمناً باهظاً عندما تحولت الهويات الدينية والمذهبية إلى أدوات للصراع السياسي والاجتماعي.
أما سورية الجديدة التي يحتاج إليها السوريون، فهي التي تجعل التعدد جزءاً من قوتها، والمواطنة مظلة للجميع، والقانون حكماً فوق الجميع.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة زيارة نوح يلماز لمقام السيدة زينب، وزيارات هاكان فيدان لابن عربي وصلاح الدين وخالد البغدادي والجامع الأموي والتكية السليمانية، وزيارة ماهينور غوكطاش لمقام السيدة رقية، باعتبارها مؤشرات تستحق التوقف عندها، لا أحكاماً نهائية على نيات أصحابها.
فتركيا الحليفة والشقيقة تقرأ سورية ميدانياً، من خلال الأماكن التي تختار زيارتها.
وعلى سورية أن تقرأ الرسالة المقابلة:
حماية التنوع ليست تنازلاً عن وحدة الدولة، بل يمكن أن تكون إحدى وسائل حمايتها.
فالدولة القوية ليست التي تلغي اختلاف مجتمعها، وإنما التي تجعل هذا الاختلاف آمناً تحت سقف القانون.
وفي النهاية، تبقى القاعدة الأهم:
احترام المقدسات هو احترام للإنسان، واحترام الإنسان هو أساس الدولة، والدولة العادلة هي الضامن الحقيقي لوحدة سورية.
لا طائفة فوق الدولة، ولا مواطن أقل من مواطن، ولا حق خارج القانون.
سورية القوية هي التي تنتصر فيها الدولة على الانقسام، والقانون على الفوضى، وتتساوى فيها الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»