ثمة محاولات واضحة، تقف وراءها جهات لا تريد للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أن يمارس دوره الحقيقي، تقوم على تشويه صورة المجلس، وإغراقه في تفاصيل جانبية، وإشغاله عن الملفات الوطنية والعربية والإسلامية والدولية الكبرى.
ومن أخطر هذه المحاولات الإيحاء للناس بأن المجلس يمتلك إمكانات مالية واسعة لتوزيع المساعدات، ثم تحريض المحتاجين على التوجه إليه، وكأن مهمته الأساسية هي توزيع الإعانات.
قد يبدو الأمر في ظاهره عملاً إنسانياً، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو:
هل المطلوب فعلاً مساعدة المحتاجين، أم إشغال المجلس وتحويل وظيفته من مؤسسة وطنية إلى جمعية خيرية؟
فالعمل الخيري واجب إنساني وأخلاقي، والمجلس يؤمن به ويشجعه ويدعم كل المؤسسات والجمعيات والأفراد الذين يقومون به.
لكن ليس من مصلحة لبنان ولا من مصلحة الطائفة الشيعية أن يتحول المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إلى جمعية لتوزيع المساعدات.
فالمجلس أكبر من ذلك بكثير.
إنه مؤسسة وطنية دينية، تحمل مسؤولية تمثيل الصوت الشيعي في القضايا العامة، وتشارك في صناعة الموقف الوطني، وتدافع عن وحدة لبنان وسيادته وكرامة أبنائه، وتنفتح على محيطه العربي والإسلامي، وتخاطب العالم عندما يتعلق الأمر بقضايا لبنان واللبنانيين وحقوقهم.
ومن يريد اختزال المجلس في المساعدات، إنما يحاول، عن قصد أو غير قصد، سحب المؤسسة من ساحتها الطبيعية إلى مساحة ضيقة لا تليق بحجم دورها ورسالتها.
فالمجلس لا يعيش آلام فئة واحدة من اللبنانيين.
إنه يعيش آلام اللبنانيين جميعاً؛ في الجنوب والبقاع والضاحية وبيروت والجبل والشمال، ويشعر بمعاناة الفقير والنازح والمتضرر والمحروم، ويؤيد ويدعم كل عمل صادق يهدف إلى مساعدة الناس والتخفيف من أوجاعهم.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن يدعم المجلس العمل الإنساني وبين أن يتحول هو نفسه إلى مؤسسة إغاثية.
وهذا الفرق يجب أن يبقى واضحاً.
الجمعيات والمؤسسات الخيرية لها دورها، والمبادرات الإنسانية لها دورها، والدولة لها دورها، والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى له دوره.
وتكامل الأدوار هو الطريق الصحيح، لا إلغاء الأدوار.
بل إن المجلس يستطيع أن يكون أكثر فاعلية عندما يستخدم موقعه الوطني والديني في حشد الدعم للبنانيين، وتشجيع المؤسسات القادرة على الإغاثة، وفتح الأبواب أمام المبادرات الإنسانية، والدفاع عن حقوق الناس، بدلاً من أن يتحول إلى جهة مطالبة بتأمين كل احتياجاتهم المعيشية.
فالفقير لا يحتاج إلى كيس إعاشة فقط.
إنه يحتاج إلى حقه في العمل، وحقه في التعليم، وحقه في الطبابة، وحقه في السكن، وحقه في الأمن، وحقه في الدولة العادلة، وحقه في الكرامة.
وهنا تكمن أهمية الدور الوطني للمجلس.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة وطنية هو أن تنشغل بردود الأفعال اليومية، فتنسى الملفات الكبرى التي تحتاج إلى صوتها وموقفها وحضورها.
ومن هنا، فإن من يحاول جرّ المجلس إلى معارك صغيرة، أو تحويله إلى صندوق للمساعدات، أو إشغاله بمطالب لا تنتهي، يجب أن يدرك أن المجلس ليس مؤسسة خدماتية فحسب، ولا يجوز أن يُسمح لأحد بتحديد سقف دوره أو اختزال رسالته.
إن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يجب أن يبقى مؤسسة مفتوحة على قضايا اللبنانيين جميعاً، وأن يكون بيتاً للشيعة، وملتقى لكل المكونات، ومنبراً للوحدة الوطنية والعيش المشترك.
وهذا الدور لا يتعارض إطلاقاً مع العمل الخيري، بل يعطيه بعداً أوسع وأعمق.
فالمجلس يدعم من يطعم الجائع، ويشجع من يعالج المريض، ويساند من يؤوي المتضرر، لكنه في الوقت نفسه يسأل:
لماذا جاع هذا الإنسان؟
ولماذا تضرر؟
ولماذا اضطر إلى طلب المساعدة؟
ومن المسؤول عن بناء وطن يحفظ له كرامته ويمنحه حقوقه؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تبقى حاضرة.
ولذلك، فإن الدفاع عن الدور الوطني للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ليس دفاعاً عن مؤسسة فحسب، وإنما دفاع عن فكرة المؤسسات الوطنية التي لا يجوز اختزالها في الخدمات والمساعدات.
نعم للعمل الخيري والإنساني والتكافل الاجتماعي.
نعم لكل يد تمتد إلى المحتاج.
لكن لا لتحويل مؤسسة وطنية بحجم المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إلى جمعية خيرية.
فمن يريد مساعدة المجلس، فليساعده على القيام بدوره.
وليترك له ساحته الوطنية، ورسالة الحوار، والدفاع عن الحقوق، وحماية الوحدة الوطنية، ونقل صوت اللبنانيين إلى الداخل والخارج.
فالمجلس الذي يحمل قضايا الناس أكبر من أن يُختصر بمساعدة، وأكبر من أن يُحاصر بمطلب، وأكبر من أن يُشغل عن رسالته الوطنية.
المؤسسة الوطنية لا تُقاس بما توزّعه من مساعدات، بل بما تحميه من حقوق، وما تدافع عنه من كرامة، وما تصنعه من حضور، وما تتركه من أثر في مستقبل الوطن.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»