كتاب واراء

العرب قبل أن يعرفوا أنفسهم… وبعد أن عرفوا أنفسهم

 

بقلم : أمين السكافي

ثمة أمم تبدأ تاريخها من دولة، وأمم تبدأه من لغة، وأمم تبدأه من حرب. أما العرب، فقد بدأوا تاريخهم من سؤالٍ أقدم من الدولة وأقسى من الحرب: من نحن؟

 

قبل الإسلام لم يكن العربي يعيش في فراغ، كما توحي أحياناً الصورة الشائعة عن «الجاهلية». كانت الجزيرة العربية مجتمعاً متنوعاً يضم البدو وشبه الرحّل وسكان المدن، وكانت القبيلة إطاراً أساسياً للهوية والحماية والحقوق والواجبات. وكان النسب وسيلة لتعريف الفرد وموقعه في شبكة واسعة من القبائل والأحلاف. كما وُجدت أعراف وقواعد للحماية والثأر والديات والتحالفات والتجارة.

 

لكن القبيلة، في الوقت نفسه، كانت سقف الإنسان السياسي. كان المرء يعرف نفسه أولاً من خلال أبيه وعشيرته وقومه. فإذا أُصيب واحد منهم، تحركت العصبية؛ وإذا قُتل، صار الثأر شأناً جماعياً. لم تكن الجزيرة دولة واحدة، بل عالماً من الجماعات المتجاورة، تتصارع حيناً وتتعاون حيناً آخر.

 

وكانت مكة استثناءً مهماً: مركزاً تجارياً ودينياً، وقريش قوة اجتماعية واقتصادية لها مكانتها في شبكة التجارة والحج. وفي هذا العالم خرج محمد بن عبد الله، لا ليضيف قبيلة إلى قبائل العرب، بل ليطرح سؤالاً قلب ميزان الهوية نفسه.

 

كان الإسلام يقول للعربي، في جوهر رسالته الاجتماعية، إن الدم ليس وحده ما يصنع الجماعة.

 

وهنا بدأت واحدة من أكبر التحولات في تاريخ المنطقة.

 

في مكة كانت الرسالة أولاً تحريراً للإنسان من عبادة الحجر والإنسان والمال والعصبية. ثم جاءت الهجرة إلى يثرب سنة 622، فانتقل الإسلام من دعوة مضطهدة إلى جماعة سياسية واجتماعية. ووثيقة المدينة، التي يرجعها الباحثون إلى السنوات الأولى بعد الهجرة، نظمت العلاقة بين جماعات متعددة وأسست مفهوم «الأمة» كجماعة سياسية وأمنية تتجاوز مجرد رابطة الدم والقبيلة.

 

وهنا تكمن لحظة فارقة: لم تُلغَ القبيلة، لكنها لم تعد الإطار الأعلى للانتماء.

 

وبعد وفاة النبي سنة 632، واجه العرب أول امتحان حقيقي لوحدتهم الجديدة. ظهرت حركات الردة والنزاع حول السلطة، ثم نجح أبو بكر في تثبيت الدولة، ومضى عمر بن الخطاب ومن جاء بعده في بناء كيان توسع خارج الجزيرة. وفي غضون عقود قليلة خرج العرب من جغرافيا الجزيرة إلى العراق والشام ومصر وفارس وشمال أفريقيا.

 

لم تكن تلك الفتوحات مجرد اتساع جغرافي؛ لقد غيّرت موقع العرب في التاريخ العالمي. وأصبح توحيد القبائل العربية تحت الدولة الإسلامية أساساً مكّن الدولة الناشئة من تنظيم قوة لم تكن الجزيرة تعرفها بهذا الشكل من قبل.

 

ثم جاءت الدولة الأموية، فاتخذت دمشق عاصمة، وأصبحت الدولة تمتد من أطراف الصين إلى الأندلس. وفي سنة 711 دخل المسلمون الأندلس، فانتقلت الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبا الغربية، وبدأ فصل استمر قروناً.

 

ثم جاءت الدولة العباسية، وكانت بغداد قلب عالم جديد. هنا يجب أن نتوقف عند حقيقة كثيراً ما تختلط في الذاكرة العربية: الحضارة الإسلامية لم تكن عربية بالمعنى العرقي وحده. العرب كانوا أصحاب اللغة والدولة الأولى والرسالة التي نشأت في الجزيرة، لكن الحضارة التي تلت ذلك شارك في بنائها الفرس والأتراك والبربر والمصريون والشوام وغيرهم. ولهذا فإن عظمة الحضارة الإسلامية لا تختزل في عِرق، كما أن ضعف العرب في عصور لاحقة لا يعني سقوط الحضارة الإسلامية كلها.

 

في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة، أصبحت العربية لغة علم وأدب وفلسفة وإدارة. وُلدت مدارس في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة، وازدهرت حركة ترجمة هائلة، وصارت مدن العالم العربي والإسلامي مراكز جذب للعلم والثقافة.

 

لكن التاريخ لا يمشي في خط مستقيم.

 

سقطت بغداد سنة 1258 على يد المغول، وكانت صدمة حضارية هائلة. ثم واصلت القاهرة ودمشق ومراكز أخرى حمل أجزاء من الإرث الحضاري. وفي الأندلس استمر الوجود الإسلامي حتى سقوط غرناطة سنة 1492، لتغلق صفحة طويلة من التاريخ العربي الإسلامي في أوروبا.

 

ثم جاء العثمانيون، فأصبحت معظم البلاد العربية ضمن إمبراطورية واسعة لقرون. ولم يكن العرب خلالها أمة سياسية واحدة بالمعنى الحديث، بل كانوا جماعات وولايات ومجتمعات داخل دولة إمبراطورية متعددة القوميات.

 

ومع القرن التاسع عشر بدأت أسئلة جديدة تظهر: لماذا تأخر العرب؟ لماذا تقدم الأوروبيون؟ كيف نستعيد الدولة والعلم واللغة والقدرة على صناعة المستقبل؟

 

هنا ولدت النهضة العربية الحديثة، من بيروت ودمشق والقاهرة وغيرها، وظهر مفكرون وصحافيون ومصلحون أعادوا اكتشاف اللغة والتاريخ وفكرة الأمة.

 

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتفتح الباب الأكثر قسوة.

 

كان العرب يأملون، بدرجات مختلفة، في الاستقلال عن الحكم العثماني، لكن القوى الأوروبية كانت ترسم في الوقت نفسه مصالحها ومناطق نفوذها. وجاء اتفاق سايكس–بيكو سنة 1916 ليصبح رمزاً دائماً لتقسيم المشرق العربي، مع أن الدراسات التاريخية الحديثة تحذر من اختزال كل حدود المنطقة اللاحقة في ذلك الاتفاق وحده؛ فقد لعبت ترتيبات الانتداب والتسويات اللاحقة أدواراً أساسية أيضاً.

 

ثم ولدت الدول العربية الحديثة، كل دولة بحدودها وجيشها وعاصمتها ونشيدها.

 

لكن سؤال الأمة لم يمت.

 

جاءت الجامعة العربية سنة 1945، محاولةً لإيجاد إطار للتعاون بين الدول العربية المستقلة حديثاً. وقد وقعت الدول المؤسسة ميثاق الجامعة في القاهرة في 22 آذار 1945.

 

ثم جاءت فلسطين.

 

كان عام 1948 جرحاً أعاد تعريف السياسة العربية، ثم جاءت هزيمة 1967 لتكشف هشاشة النظام العربي، قبل أن تظهر مشاريع القومية العربية، من الناصرية إلى البعث، محاولةً إعادة بناء الوحدة والكرامة والقوة.

 

لكن القومية العربية نفسها لم تستطع أن تحقق الوحدة التي بشرت بها.

 

انتصرت الدولة القطرية على الحلم القومي.

 

العراق صار عراقاً، وسوريا سوريا، ومصر مصر، ولبنان لبنان، والجزائر الجزائر. وبقيت فلسطين القضية التي تجمع العرب في الوجدان أكثر مما تجمعهم في القرار.

 

ثم جاء القرن الحادي والعشرون حاملاً معه حروب العراق، والاحتلال، والانقسامات المذهبية، والحرب في سوريا، واليمن، وليبيا، وانفجار غزة، وصعود الهويات المحلية والمذهبية والطائفية، ثم انتفاضات عربية واسعة منذ 2011 رفعت شعارات الحرية والكرامة والعدالة.

 

وهنا نصل إلى السؤال الأصعب:

 

ماذا بقي من الرحلة؟

 

ربما بقي الكثير، وربما أقل مما نتمنى.

 

بقيت اللغة العربية، رغم كل ما أصابها، واحدة من أهم أوعية الذاكرة.

 

بقي الشعر.

 

بقيت فلسطين.

 

بقيت المدن التي تحفظ طبقات التاريخ: دمشق، بغداد، القاهرة، القدس، بيروت، صنعاء، تونس، فاس، حلب.

 

وبقي الإنسان العربي نفسه، بكل تناقضاته: يريد الحرية لكنه يخاف الفوضى، يريد الوحدة لكنه يتمسك بحدود دولته، يحن إلى الماضي لكنه يريد أن يعيش المستقبل، يرفض الهزيمة لكنه كثيراً ما يختلف على معنى الانتصار.

 

وربما المشكلة الكبرى أن العرب عرفوا أنفسهم أكثر من مرة، ثم فقدوا تعريفهم لأنفسهم.

 

عرف العربي نفسه قبيلةً، ثم عرف نفسه أمةً في الإسلام، ثم عرف نفسه مواطناً في دولة، ثم حاول أن يعرف نفسه عربياً في مواجهة الاستعمار، ثم وجد نفسه اليوم موزعاً بين الوطن والطائفة والمذهب والمدينة والحدود والذاكرة.

 

لكن التاريخ لا يقول إن العرب محكومون بالانقسام.

 

إنه يقول شيئاً أكثر قسوة وأملاً في آن:

 

كلما امتلكوا فكرة أكبر من حدودهم، استطاعوا أن يصنعوا تاريخاً أكبر من جغرافيتهم.

 

قبل الإسلام كانت القبيلة تقول للإنسان: أنت من دمنا.

 

وجاء الإسلام ليقول له: أنت جزء من أمة.

 

ثم جاءت الدولة الحديثة لتقول له: أنت مواطن داخل حدود.

 

أما اليوم، فقد أصبح السؤال أعمق:

 

هل يستطيع العربي أن يكون مواطناً في وطنه، وعربياً في ثقافته، وإنساناً في العالم، من دون أن يقتل أحد هذه الانتماءات الأخرى؟

 

ربما هنا يبدأ الفصل الجديد.

 

فالأمة التي عرفت القبيلة، ثم عرفت الرسالة، ثم عرفت الدولة، لم تنتهِ قصتها بعد.

 

لكن عليها أن تتعلم أخيراً أن التاريخ لا يعيد المجد لمن يتغنى به.

 

التاريخ يعطي فرصه لمن يفهم لماذا ضاع المجد أولاً.

 

وربما كان أعظم ما تحتاجه هذه الأمة اليوم ليس أن تعود إلى الماضي، بل أن تستعيد القدرة التي جعلت الماضي ممكناً:

 

أن تعرف نفسها من جديد.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة