بقلم / سعيد فارس السعيد:
منذ تأسيسه، لم يُرَد للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أن يكون مجرد إطار ديني أو مذهبي مغلق، بل مؤسسة وطنية تحمل هموم الشيعة، وتنفتح في الوقت نفسه على مختلف المكونات اللبنانية، وعلى المحيطين العربي والإسلامي، وعلى المجتمع الدولي.
وهذا النهج لا يبقى في حدود الشعارات، بل يترجم عملياً في حركة المجلس وعلاقاته ومواقفه.
ويأتي استقبال نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب للمدير العام ورئيس تحرير وكالة أنباء تركيا حمزة تكين مثالاً واضحاً على هذا الانفتاح.
فاللقاء لم يكن محصوراً في شأن مذهبي أو لبناني داخلي، وإنما تناول لبنان والمنطقة والعلاقات العربية والإسلامية، ودور تركيا، والتحديات التي تواجه المنطقة، والقضية الفلسطينية، والعدوان على جنوب لبنان، والعلاقات مع سوريا.
والأهم في كلام العلامة الخطيب أنه وضع العلاقة مع تركيا ضمن رؤية أوسع، تقوم على التعاون بين الدول العربية والإسلامية الفاعلة في المنطقة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام استقلالها وسيادتها.
كما أن تأكيده أن التعاطي يجري من منطلق الأمة الواحدة وليس كمشروع مذهبي، وأن الشيعة لم يطرحوا تاريخياً مشروعاً انفصالياً، يحمل رسالة سياسية ووطنية واضحة:
【أن الانتماء المذهبي لا يتناقض مع الانتماء الوطني والعربي والإسلامي، وأن حماية لبنان والمنطقة لا تكون بإقامة الجدران بين مكوناتها، بل بالتعاون والاحترام المتبادل.】
___استقبال الجميع… والحوار مع الجميع.
ولعل الصورة الأوضح لهذا النهج ظهرت بالأمس في استقبال العلامة الخطيب للسفير الأميركي في لبنان، حيث كان الموقف واضحاً وحازماً في الدفاع عن الجنوب وأهله، والتأكيد على ضرورة وقف العدوان، وحتمية الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ورفض استمرار الاعتداء على لبنان وسيادته.
وهنا تكمن أهمية المشهد:
( المجلس يستقبل السفير الأميركي، كما يستقبل السفراء العرب والمسلمين والأجانب، لكنه لا يستقبلهم على حساب ثوابته الوطنية، ولا يحوّل الانفتاح إلى تبعية، ولا الحوار إلى تنازل عن الحقوق.)
فالحوار مع الآخر لا يعني الموافقة على مواقفه، والانفتاح على دولة لا يعني الارتهان لها، واستقبال سفير لا يعني التخلي عن الثوابت الوطنية.
وهذا ما يترجم عملياً فكرة المجلس باعتباره ملتقى للجميع؛
يستقبل الصديق، ويستقبل المختلف، ويستقبل من له ملاحظات أو مواقف مغايرة، لأن المؤسسة الوطنية الحقيقية لا تغلق أبوابها أمام أحد، وإنما تجعل من الحوار وسيلة للدفاع عن الوطن وحماية مصالحه.
وقد سبق للمجلس أن استقبل، ويستقبل، سفراء وممثلي الدول العربية والإسلامية والأجنبية، في إطار سياسة تقوم على التواصل والانفتاح وشرح الموقف اللبناني والاستماع إلى مواقف الآخرين.
ومن هنا، فإن تعدد الجهات التي يلتقي بها المجلس ليس تناقضاً في المواقف، بل دليل على استقلالية القرار وحرية الحركة.
فالمجلس لا ينبغي أن يكون جسراً بين لبنان ودولة واحدة، بل جسراً بين لبنان والعالم.
___من التمثيل المذهبي إلى الدور الوطني.
وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين قد يختلطان على البعض: التمثيل المذهبي والدور الوطني.
فالتمثيل المذهبي يحفظ خصوصية الجماعة وحقوقها، ويدافع عن قضاياها ومصالحها، أما الدور الوطني فيرتقي بهذه الخصوصية إلى شراكة في حماية الوطن وخدمة جميع أبنائه.
__فالتمثيل المذهبي يحفظ خصوصية الجماعة وحقوقها، أما الدور الوطني فيرتقي بهذه الخصوصية إلى شراكة في حماية الوطن؛ فالمؤسسة التي تبدأ من طائفتها ولا تنغلق عليها، تتحول من ممثلٍ لمكوّن إلى شريكٍ في بناء وطن.

__ومن هنا يمكن فهم الدور الذي يمارسه المجلس بصورة أوسع:
【هو صوت للشيعة عندما يتعلق الأمر بحقوقهم وقضاياهم، وهو صوت لبناني عندما يتعلق الأمر بلبنان، وهو صوت عربي وإسلامي عندما تتصل القضية بمصالح الأمة وقضاياها، ومنفتح على المجتمع الدولي عندما يكون الحوار وسيلة لحماية لبنان ومصالحه وسيادته.】
وهذه المعادلة هي التي تعطي المجلس قيمته الحقيقية:
تمثيل من دون انغلاق، وانفتاح من دون ذوبان، وعروبة وإسلام من دون إلغاء للخصوصية اللبنانية، وعلاقات دولية من دون تبعية.
___وفي هذا السياق، فإن الانفتاح على تركيا، كما الانفتاح على سائر الدول العربية والإسلامية والدولية، لا يعني الانحياز إلى محور في مواجهة محور آخر، بل يعني أن لبنان يحتاج إلى علاقات متوازنة مع الجميع، وأن المجلس يستطيع أن يكون جسراً للحوار والتفاهم، لا ساحة للصراع بين الآخرين.
وهذا هو المعنى الأعمق لفكرة أن يكون المجلس
«بيتاً لكل الشيعة، وملتقى لكل المكونات»؛
أي أن يبدأ من خصوصية الشيعة، لكنه لا ينتهي عندها، بل يتحول من خلالها إلى مؤسسة وطنية جامعة، تسهم في حماية الوحدة الوطنية والعيش المشترك، وفي الدفاع عن استقلال القرار اللبناني، وفي بناء جسور لبنان مع محيطه العربي والإسلامي والعالم.
__فالتمثيل الحقيقي لا يعني أن نتحدث باسم طائفتنا فقط، وإنما أن نحمل قضيتها ضمن قضية الوطن، وقضية الوطن ضمن محيطه العربي والإسلامي، وأن نفتح أبواب الحوار مع العالم من موقع الندية والاحترام
المتبادل.
إنها، في جوهرها، مدرسة سياسية ووطنية تقوم على قاعدة بسيطة وعميقة: نستمع إلى الجميع، ونتحاور مع الجميع، ونحترم الجميع، لكننا لا نتنازل عن وطننا وحقوق أهلنا وثوابتنا الوطنية.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»
15 أيلول/سبتمبر 2026