قراءة جديدة للاحداث سنحاول تتبعها في المقاربة مع الروايات والنصوص والخطب والنبؤات..
ثمة خرائط لا ترسمها الجغرافيا وحدها، وإنما ترسمها النصوص القديمة حين تتوزع إشاراتها بين المشرق والفرات والشام وفلسطين، وبين النبوءة والرواية والمشهد الأخروي. وإذا جمعنا هذه الإشارات في قراءة واحدة، فقد يظهر أمامنا مسار واسع يبدأ من أقصى المشرق عند مضيق هرمز، ويمتد نحو العراق والفرات، ثم تتوسطه قرقيسيا بوصفها حدثا مفصليا، قبل أن تنتقل الأحداث إلى دمشق وفلسطين، وتنتهي عند الموضع الذي حفظه سفر الرؤيا باسم «هرمجدون»، والذي ارتبط تقليديا بمجدو.
لكن هذه القراءة تحتاج إلى تصحيح مهم: قرقيسيا ليست محطة في طريق المشرقيين، وليست معركة يخوضها القادمون من الشرق في طريقهم إلى الشام وفلسطين. بل إن قرقيسيا، بحسب الروايات التي تقوم عليها هذه المقاربة، لها مشهدها الخاص وأطرافها الخاصة، وهي أشبه بمائدة تجتمع عليها قوى الصراع والجبارون، فتكون فاصلا بين مرحلتين، لا جزءا من المسار العسكري للمشرقيين.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين «الممهدين» و«الجبارين». فالمشرقيون، في هذه القراءة، لا يظهرون بوصفهم طرفا في مائدة قرقيسيا، وإنما بوصفهم قوة تمهد للمرحلة اللاحقة، تتحرك من المشرق، وتفتح الطريق باتجاه العراق والشام، ثم يكون لها حضور في فتح دمشق والدخول إلى فلسطين. أما قرقيسيا فهي ساحة أخرى، لها حساباتها وأطرافها ونهايتها.
وهنا يمكن أن نعود إلى سفر الرؤيا، حيث نجد إشارة شديدة الأهمية إلى الفرات قبل ذكر هرمجدون. ففي رؤيا يوحنا، عند الجام السادس، يسكب الجام «على النهر الكبير الفرات»، ثم يأتي الحديث عن جفاف مائه لكي يعد الطريق للملوك الذين من «مشرق الشمس»، وبعد ذلك تجمع القوى للحرب في الموضع الذي يدعى «هرمجدون».
وهذا التسلسل النصي يلفت النظر: الفرات أولا، ثم المشرق، ثم فتح الطريق، ثم تجمع القوى، ثم هرمجدون. وليس من الضروري أن نفهمه على أنه خريطة عسكرية واحدة تتحرك فيها قوة واحدة من نقطة إلى أخرى، لكنه يسمح بطرح سؤال أوسع: هل يرسم النص مسرحا أخرويا يبدأ من الشرق، ويمر عبر منطقة الفرات، ثم ينتهي في الغرب عند موضع المعركة الأخيرة؟
ومن هنا يدخل مضيق هرمز في هذه المقاربة، لا باعتباره «هرمجدون» بصورة مثبتة، وإنما باعتباره بوابة جغرافية قصوى للمشرق، ونقطة يمكن أن يبدأ منها التفكير في حركة الأحداث التي تتجه غربا. فهرمز يمثل في الذاكرة الجغرافية والسياسية للمنطقة أحد أهم مفاتيح الاتصال بين فارس والخليج والعراق، ومن ثم يمكن أن يكون نقطة البداية في الخريطة التأويلية التي نحاول رسمها.
غير أن الطريق من هرمز لا ينبغي أن يرسم على أنه طريق معركة واحدة متصلة. فالمشرقيون، وفق التصور الذي نبحثه، هم «الممهدون»، وليسوا من «الجبارين» الذين تجتمع بهم مائدة قرقيسيا. ولذلك فإن وصول خط المشرق إلى منطقة الفرات لا يعني بالضرورة أن المشرقيين سيدخلون في معركة قرقيسيا، وإنما يعني أن الفرات نفسه يصبح نقطة التقاء بين مسارين مختلفين من الأحداث.
وبحسب الروايات التي تقوم عليها هذه القراءة، تبدأ أحداث قرقيسيا بالصراع بين المرواني وولد العباس، ثم تتسع دائرة الصراع بدخول الروم والترك وقيس، ثم يأتي السفياني، وتختتم دورة قرقيسيا الثانية على نحو يرتبط بالمشهد السفياني. ولذلك فإن قرقيسيا لا ينبغي أن تفهم باعتبارها «طريقا يسلكه المشرقيون»، بل باعتبارها «مائدة الجبارين» التي تقع في قلب التحولات الكبرى.
وهذا التفصيل يغير معنى الخريطة كلها. فلو رسمناها على أنها خط عسكري واحد، لقلنا: هرمز، ثم العراق، ثم قرقيسيا، ثم الشام، ثم فلسطين، ثم مجدو. لكن هذه الصورة توحي خطأ بأن القوة المشرقية تمر بقرقيسيا وتقاتل فيها، بينما المقصود في هذه المقاربة مختلف تماما.
الأدق أن نقول: يبدأ التمهيد من المشرق، ويصل أثره إلى منطقة الفرات، ثم تقع قرقيسيا كحدث مفصلي، وبعدها تتغير طبيعة المشهد، فتبدأ مرحلة أخرى من الأحداث، يكون فيها فتح دمشق والدخول إلى فلسطين جزءا من المسار الذي يقود في النهاية إلى المشهد الأخروي عند مجدو. وهنا تصبح قرقيسيا مثل باب يفصل بين عالمين: ما قبلها هو عالم التمهيد والتحرك المشرقي، وما بعدها هو عالم التحولات الكبرى في الشام وفلسطين.
ومن هذه الزاوية يصبح السؤال أكثر إثارة: لماذا يظهر الفرات في سفر الرؤيا قبل هرمجدون؟ ولماذا ترتبط قرقيسيا في الروايات الإسلامية بالفرات والشام؟ وهل يمكن أن يكون الفرات في كلا التصورين نقطة مفصلية في خارطة الأحداث، وإن اختلفت تفاصيل الروايات وأطرافها؟
لا يعني ذلك أن سفر الرؤيا يتحدث عن قرقيسيا، ولا أن قرقيسيا هي هرمجدون، فمثل هذا التطابق لا يثبت بمجرد التشابه الجغرافي. وإنما المقاربة تقوم على ملاحظة أن الفرات يظهر في كلا البناءين بوصفه منطقة شديدة الأهمية في سلسلة الأحداث التي تسبق التحولات الكبرى في الشام.
ثم تأتي المرحلة التالية: دمشق. ففي التصور الذي نبحثه لا تنتهي مهمة المشرقيين عند الفرات، ولا تكون قرقيسيا معركتهم، وإنما تستأنف الحركة بعد الحدث المفصلي في اتجاه الشام، ويظهر المشرقيون بوصفهم قوة فاتحة لدمشق، ثم يتجهون إلى فلسطين. وهنا تتغير وظيفة المشرق في الرواية: لم يعد مجرد «شرق يأتي منه الجيش»، وإنما أصبح مصدر مرحلة تمهيدية تنقل الأحداث من حالة الفتن والصراعات الداخلية إلى مرحلة جديدة تتصل بفتح الشام وفلسطين.
ومن دمشق يبدأ الاقتراب من فلسطين، ومن فلسطين نقترب من السؤال الأكبر: ما علاقة ذلك كله بـ«هرمجدون»؟ إن سفر الرؤيا يذكر «هرمجدون» في نهاية مشهد تتجمع فيه القوى للحرب. وقد أصبح الاسم في التفسير المسيحي التقليدي مرتبطا بمجدو، ذلك الموضع القديم في شمال فلسطين الذي ارتبط تاريخيا بالمعارك. لكن أصل اسم «هرمجدون» نفسه ظل موضع نقاش، ولذلك لا ينبغي التعامل مع معادلة «هرمجدون = مجدو» وكأنها أمر لغوي لا يحتمل البحث.
وهنا تبرز فرضية هرمز مرة أخرى. هل التشابه بين «هرمجدون» و«هرمز» أو «هرمزگان» مجرد تشابه صوتي عابر؟ أم أن وراء الأسماء القديمة تاريخا لغويا وجغرافيا أكثر تعقيدا مما وصل إلينا؟ لا يمكن الجزم بذلك من مجرد التشابه اللفظي، لكن السؤال يستحق البحث، خصوصا إذا وضعنا الاسم داخل سياقه الجغرافي الأوسع: المشرق، فارس، العراق، الفرات، الشام، فلسطين، ثم مجدو.
وربما تكون الفكرة الأهم هنا أن «هرمجدون» ليست بالضرورة اسم بداية المعركة، وإنما قد تكون اسم خاتمتها. فالاسم، في نص الرؤيا، يظهر بعد ذكر الفرات وملوك المشرق وتهيئة الطريق، وكأن القارئ يدفع من الشرق نحو النهاية الغربية للمشهد.
ومن هنا يمكن تصور الخريطة لا كخط عسكري واحد، وإنما كـ«قوس نبوئي» له طرفان، وبينهما حدث مفصلي. طرفه الأول هو المشرق، عند هرمز، حيث تبدأ مرحلة التمهيد، ثم يأتي الفرات بوصفه منطقة عبور وتحول، ثم تقع قرقيسيا، لا باعتبارها محطة للمشرقيين، وإنما باعتبارها حدثا مفصليا ومائدة للجبارين، تتصارع فيها قوى أخرى، من المرواني وولد العباس إلى الروم والترك وقيس، ثم السفياني الذي يرتبط بخاتمة المشهد القرقيصي.
وبعد هذا الحدث الفاصل يبدأ فصل آخر: تحولات الشام، وفتح دمشق، ثم امتداد الحركة إلى فلسطين، حتى نصل إلى مجدو، حيث يظهر في الذاكرة المسيحية اسم «هرمجدون» بوصفه عنوان المعركة الأخيرة.
وهكذا لا يكون الربط بين هرمز وقرقيسيا ومجدو قائما على أن جيشا واحدا يسير من نقطة إلى أخرى، وإنما على أن هذه المواقع قد تكون، في القراءة المقارنة، علامات على مراحل مختلفة من مسرح واسع يمتد من المشرق إلى فلسطين. هرمز هو بوابة التمهيد، والفرات منطقة التحول، وقرقيسيا مائدة الجبارين والحدث الفاصل، ودمشق بوابة المرحلة الشامية الجديدة، وفلسطين مسرح الاقتراب الأخير، ومجدو خاتمة المشهد في تقاليد هرمجدون.
وبذلك يصبح الفرق بين «الممهدين» و«الجبارين» مفتاحا لفهم الخريطة كلها؛ فالممهدون لا يلزم أن يكونوا هم أنفسهم أصحاب المائدة، ولا أن يشاركوا في كل معارك المرحلة التي يمهدون لها. قد يكون دورهم هو فتح الطريق وإحداث التحول الذي ينقل التاريخ من مرحلة إلى مرحلة، بينما تتصارع قوى أخرى في ساحات الفتنة، ثم تأتي المرحلة التالية بعد أن تكون مائدة الجبارين قد أكلت أطرافها.
وهنا تكتسب قرقيسيا معناها الحقيقي في هذه المقاربة: ليست الطريق، وإنما الفاصل بين الطريقين؛ ليست معركة المشرقيين، وإنما حدث يقع في قلب التحول؛ وليست محطة يتوقف عندها الممهدون ليقاتلوا، وإنما مائدة للجبارين تنتهي بدخول المشهد مرحلة جديدة.
وعند جمع هذه العناصر يمكن أن نقرأ الصورة الكبرى هكذا: من هرمز يبدأ المشرق، ومن المشرق يبدأ التمهيد، وعند الفرات تقترب الأحداث من عقدتها الكبرى، ثم تأتي قرقيسيا لتفصل بين زمنين، وبعدها تتجه الأحداث نحو دمشق وفلسطين، وهناك يقترب المشهد من نهايته، حتى يبلغ مجدو، الموضع الذي حفظته النبوءة المسيحية باسم «هرمجدون».
وعندها لا يعود السؤال مجرد: أين تقع هرمجدون؟ بل يصبح السؤال الأعمق: هل كانت هرمجدون، في البناء النبوئي، مجرد اسم لموضع تقع فيه معركة أخيرة، أم أنها خاتمة لمسار طويل بدأت مقدماته في المشرق، ومرت بمنطقة الفرات، وفصلت بينها وبين المرحلة التالية مائدة قرقيسيا، ثم امتدت إلى دمشق وفلسطين؟
وربما تكون المفارقة الأشد إثارة أن البداية والنهاية تحملان اسما متقاربا في اللفظ: هرمز في أقصى الشرق، وهرمجدون في أقصى الغرب. وبينهما الفرات، وبين الفرات ومرحلة الشام تقف قرقيسيا بوصفها الحد الفاصل.
وهنا ربما تتضح الصورة التي غابت عن كثير من القراءات: ليست كل المعارك في هذه الخريطة معركة واحدة، وليست كل القوى قوة واحدة، وليس كل من يظهر في مرحلة من مراحل النبوءة يظهر في المرحلة التي بعدها. إنما نحن أمام سلسلة من الأحداث، يفصل بعضها بعضا، وتتبدل فيها القوى والأدوار، ويبقى المشرق في هذه القراءة صاحب وظيفة التمهيد، بينما تكون قرقيسيا مائدة الجبارين، ثم يأتي بعد ذلك فصل آخر يقود الأحداث إلى دمشق وفلسطين، حتى تقترب الرحلة من نهايتها عند مجدو.
ومن هنا يصبح العنوان نفسه سؤالا مفتوحا أكثر منه جوابا محسومًا: هل تبدأ هرمجدون من مجدو، أم أن مجدو ليست إلا نهاية رحلة بدأت من هرمز؟
ستتضح معنا التفاصيل عند شرح خطبة البيان ان شاء الله تعالى.