كتب / سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل.
دعا الإمام الحسين بن علي، عليه السلام، إلى الإصلاح في أمة جده رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن مشروعه قائمًا على الحرب أو سفك الدماء، ولم يخرج من أجل السلطة، ولم يدعُ الناس إلى حمل السلاح.
كان مشروعه واضحًا: الإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورفض الظلم والاستبداد والباطل.
بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان، أرسل يزيد من يطلب من الإمام الحسين مبايعته، فرفض الإمام الحسين المبايعة، لأنه لم يكن مستعدًا لمنح شرعيةٍ لمن يرى أن نهجه لا ينسجم مع القيم والمبادئ التي آمن بها وحملها جده رسول الله.
ثم وصلت إلى الإمام الحسين رسائل كثيرة من أهل العراق، تدعوه إلى القدوم إليهم، وتطلب منه أن يكون قائدًا لهم في مواجهة السلطة القائمة.
وكان بإمكان الإمام الحسين، لو كان يريد الحرب، أن يجعل من مكة مركزًا لتجميع الأنصار وإعداد القوة العسكرية، لكنه لم يفعل ذلك.
بل عندما أصبحت حياته مهددة، وبلغته الأخبار بأن السلطة تريد قتله حتى لو كان متعلقًا بأستار الكعبة، اتخذ قرارًا بالخروج من مكة، حتى لا تتحول مكة وبيت الله الحرام إلى ساحة مواجهة وسفك دماء.
جمع أهل بيته وأصحابه، وغادر مكة، متجهًا نحو العراق، في محاولة لتجنب المواجهة المسلحة وحماية حرمة المكان.
لم يكن معه جيش كبير.
لم يكن معه آلاف المقاتلين.
بل كان معه أهل بيته وأصحابه وقلة قليلة من الرجال.
وهذا بحد ذاته يؤكد أن الحسين لم يكن يتحرك كمحارب يبحث عن معركة، وإنما كصاحب قضية وموقف.
الحسين لم يكن ذاهبًا إلى الحرب... كان ذاهبًا إلى الإصلاح.
لكن السلطة لم تتركه وشأنه.
فتحركت القوات لملاحقته ومحاصرته، حتى التقى الطرفان في كربلاء.
وهناك، لم يطلب الإمام الحسين من القوم أن يقاتلوا معه، ولم يدعُ إلى فتح جبهة حرب، بل طلب منهم أن يتركوه وشأنه، وسعى إلى تجنب المواجهة وسفك الدماء.
لكنهم رفضوا.
أصبح المطلوب واضحًا:
الخضوع والبيعة، أو القتل.
وهنا رفض الإمام الحسين أن تتحول البيعة إلى إذعان، وأن يصبح بقاؤه حيًا مرهونًا بالتنازل عن مبادئه وكرامته.
ولذلك كانت كلمته التي أصبحت عنوانًا خالدًا للكرامة:
«هيهات منا الذلة».
فالحسين لم يبدأ القتال.
القتال فُرض عليه.
ولم يخرج ليقتل أحدًا.
بل دافع عن نفسه وأهل بيته وأصحابه عندما أصبح القتل هو الخيار المفروض عليه.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين:
هناك من يختار الحرب طريقًا للوصول إلى السلطة أو فرض التغيير، وهناك من يسعى إلى تجنب الحرب، ثم تُفرض عليه المواجهة دفاعًا عن نفسه ومبادئه.
والإمام الحسين كان من الصنف الثاني.
لقد أراد الإصلاح بالكلمة.
وعارض الظلم بالموقف.
ورفض الاستبداد برفض البيعة.
وحاول تجنب المواجهة بالخروج من مكة.
وحين حُوصر في كربلاء، لم يكن يريد قتل أحد، وإنما أراد أن يُترك وشأنه.
لكن القوم أصروا على إخضاعه.
ومُنع عنه وعن أهل بيته وأصحابه الماء، وحُوصروا حتى أصبح الموقف قائمًا على خيارين:
إما أن يستسلم الحسين ويبايع، وإما أن يُقتل.
فرفض.
ولم يكن رفضه رفضًا للسلام، بل كان رفضًا للذل والإكراه والاستبداد.
ثم هجم الجيش عليه من كل جانب، واستشهد الإمام الحسين، عليه السلام، ومعه إخوته وأهل بيته وأصحابه، بعد أن وقفوا في مواجهة جيش يفوقهم عددًا بأضعاف كثيرة.
ثم أُسرت النساء والأطفال، وسِيقوا إلى الكوفة، ثم إلى الشام.
وهكذا انتهت كربلاء باستشهاد الحسين، لكنها لم تنتهِ بانتهاء صوته.
فقد بقيت كلمته حيّة:
لا للظلم.
لا للاستبداد.
لا للباطل.
لا للإكراه.
ولا للذلة.
لقد لقي الإمام الحسين ربَّه شهيدًا في سبيل الله، وفي سبيل الإصلاح، وثمنًا لكلمة حق قالها ولم يتراجع عنها.
ولهذا فإن كربلاء ليست دعوة إلى الحرب، ولا دعوة إلى حمل السلاح في وجه الناس، ولا دعوة إلى تغيير المجتمعات بالقوة.
الحسين لم ولن يكون رمزًا لدعوة الناس إلى الحرب.
بل إن جوهر موقفه يؤكد أن الإصلاح يبدأ بالكلمة، والتغيير يبدأ بالموقف، ومواجهة الظلم تبدأ برفض منحه الشرعية.
أما حين فُرضت عليه المواجهة، فقد دافع عن نفسه وعن أهل بيته وأصحابه، لأن الإنسان لا يُطلب منه أن يستسلم للقتل والإذلال.
وهنا تكمن عظمة الحسين:
لم يبحث عن الموت... لكنه لم يهرب من الشهادة حين أصبحت ثمنًا لمبدئه.
لم يبحث عن الحرب...
لكنه لم يقبل أن تكون حياته ثمنًا للخضوع.
لم يطلب من الناس أن يحملوا السلاح...
بل حمل مبدأه، وبقي ثابتًا عليه حتى النهاية.
ولذلك فإن الرسالة التي تركتها كربلاء للأجيال ليست: «قاتلوا».
بل:
أصلحوا.
وليست:
احملوا السيف.
بل:
احملوا الكلمة والموقف والحق.
وليست:
اطلبوا الحرب.
بل:
ابحثوا عن الاصلاح، وتجنبوا الدماء ما استطعتم، فإذا فُرض عليكم العدوان، فدافعوا عن أنفسكم وكرامتكم وأهلكم.
لقد كانت رحلة الإمام الحسين من مكة إلى كربلاء رحلة إصلاح وموقف ورفض للاستبداد، ثم تحولت إلى شهادة عندما أصر الظلم على إخضاعه بالقوة.
ولهذا بقي الحسين حيًا في ضمير الأمة والإنسانية، وبقيت كربلاء مدرسةً في الكرامة والحرية والعدالة.
لقد سقط الامام الحسين شهيدًا، لكن كلمته لم تسقط.
سقط جسده في كربلاء، لكن مبدأه بقي حيًا.
وكان ثمن كلمته:
لا للظلم...
لا للاستبداد...
لا للباطل...
ولا للذل.
وتلك هي كربلاء:
مشروع إصلاح بدأ بالكلمة، حاول أن يتجنب السيف، وانتهى بالشهادة عندما فُرضت المواجهة على صاحب المبدأ.
فالحسين لم يكن مشروع حرب...
كان مشروع إصلاح.
ولم يكن طالب سلطة...
بل كان طالب حق.
ولم يدعُ إلى قتل أحد...
بل رفض أن يُقتل الحق والكرامة في الإنسان.