كتب / سعيد فارس السعيد
ونحن في رحاب الذكرى السنوية لاختطاف وتغييب الإمام السيد موسى الصدر، فإننا لا نستحضر اليوم رجلًا غاب جسده، وإنما نستحضر مشروعًا وطنيًا وإنسانيًا بقي حاضرًا في وجدان لبنان، وبقيت أفكاره تزداد أهمية كلما ازدادت الأزمات والانقسامات.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط:
ماذا قال الإمام الصدر عن التعايش؟
بل: ماذا فعل من أجل أن يصبح التعايش ثقافةً وسلوكًا ومشروعًا وطنيًا؟
وهنا تكمن أهمية تجربة الإمام الصدر.
فقد أدرك أن لبنان ليس وطنًا لمجموعة طوائف تعيش جنبًا إلى جنب، وإنما وطنٌ لشعبٍ متنوع، لا يستطيع أي مكوّن فيه أن يلغي الآخر أو يستغني عنه.
لذلك لم يكن التعايش في فكر الإمام الصدر مجرد مجاملة وطنية أو تسوية سياسية مؤقتة، بل كان خيارًا وجوديًا للبنان.
كان يرى أن المسلم والمسيحي ليسا طرفين متقابلين في معادلة صراع، وإنما شريكان في صناعة وطن واحد.
ومن هنا جاءت علاقاته وانفتاحه على مختلف المرجعيات والشخصيات المسيحية، كما جاءت مواقفه الداعية إلى الحوار والوحدة الوطنية ورفض تحويل الاختلاف الديني إلى خصومة سياسية أو اجتماعية.
لقد فهم الإمام الصدر مبكرًا أن لبنان يستطيع أن يقدم للعالم نموذجًا مختلفًا:
أن يكون الاختلاف مصدر غنى، لا مصدر خوف؛
وأن يكون الدين جسرًا بين الإنسان وأخيه الإنسان، لا سلاحًا في مواجهة الآخر.
___الإمام الصدر والإنسان أولًا
ولعل جوهر فكر الإمام الصدر يبدأ من مكان واحد:
الإنسان.
فالإنسان عنده قبل الطائفة،
والكرامة قبل الانتماء، والعدالة قبل المصالح.
ولهذا لم يكن اهتمامه محصورًا في أبناء طائفته، بل كان يحمل همّ المحرومين والمهمشين والمظلومين، مؤمنًا بأن الظلم لا يصبح مقبولًا عندما يقع على إنسان يختلف معنا في الدين أو المذهب أو المنطقة.
وهذه رسالة شديدة الأهمية في زمننا الحاضر.
فما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد تعريف الوطنية على أساس المواطنة والكرامة الإنسانية، لا على أساس العصبيات الطائفية والمذهبية والمناطقية.
___لبنان الذي أراده الإمام الصدر.
لقد أراد الإمام الصدر لبنانًا قويًا بوحدة أبنائه، لا بضعف بعضهم.
لبنانًا تكون فيه الطوائف مكونات وطنية متساوية، لا أدوات للتنازع على السلطة والنفوذ.
لبنانًا لا يشعر فيه المسيحي أنه مهدد بسبب هويته، ولا يشعر فيه المسلم أنه مستهدف بسبب دينه أو مذهبه.
لبنانًا تكون فيه الدولة هي المرجعية الجامعة، ويكون القانون فوق الجميع، وتكون كرامة المواطن مصانةً بصرف النظر عن انتمائه.
وهذا هو الفارق بين [العيش المشترك والشراكة الوطنية.]
فالعيش المشترك قد يعني أن نتجنب الصدام.
أما الشراكة الوطنية فتعني أن نعمل معًا، ونحمي بعضنا بعضًا، ونتحمل المسؤولية معًا، ونبني المستقبل معًا.
وهذا، في جوهره، هو المعنى الأعمق لفكر الإمام الصدر.
____المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى:
أمانة الفكر واستمرار النهج.
ومن المؤسسات التي تجسّد هذا الامتداد الوطني والإنساني
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى،
الذي أسسه الإمام الصدر ليكون إطارًا جامعًا، وحاضنةً للفكر والنهج اللذين آمن بهما، وفي مقدمتهما نصرة المحرومين، وترسيخ الوحدة الوطنية، وتعزيز الحوار الإسلامي المسيحي، وحماية لبنان بكل مكوناته.
فالمجلس ليس مجرد مؤسسة دينية أو مرجعية لطائفة، بل هو، في جوهر رسالته، بيتٌ وطني مفتوح لكل اللبنانيين، ومساحةٌ للحوار والتلاقي، وصوتٌ وطني وإنساني فاعل في الدفاع عن الإنسان وكرامته، وفي مواجهة الفتن والانقسامات، وفي التعبير عن قضايا لبنان العادلة داخليًا وخارجيًا.
وقد حافظ المجلس، عبر مسيرته، على الفكر والنهج اللذين أرساهما الإمام الصدر، مؤكدًا أن الانتماء الطائفي لا يتناقض مع الانتماء الوطني، وأن الدفاع عن حقوق الطائفة لا ينفصل عن الدفاع عن حقوق جميع اللبنانيين، وأن قوة لبنان لا تكون إلا بوحدة أبنائه وشراكتهم.
وإن استمرار المجلس في أداء هذا الدور هو استمرار لحضور الإمام الصدر في الحياة الوطنية، وتجسيدٌ لأمانته التي تقوم على أن يكون لبنان وطنًا لكل أبنائه، وأن يبقى صوته حاضرًا في القضايا الإنسانية والوطنية، داخل لبنان وخارجه، مدافعًا عن العدالة والحرية والكرامة والسلام.
___من لبنان إلى المشرق.
إن أهمية هذا الفكر لا تتوقف عند حدود لبنان.
فلبنان جزء من المشرق العربي، والمشرق عرف تاريخيًا تعددًا دينيًا وثقافيًا عميقًا.
والمطلوب اليوم ليس حماية المسلمين من المسيحيين، ولا حماية المسيحيين من المسلمين.
المطلوب هو حماية الإنسان من التطرف والكراهية والاستبداد والحروب.
فالمسيحيون في المشرق ليسوا طارئين على هذه المنطقة، والمسلمون ليسوا طارئين عليها.
كلاهما أبناء حضارة واحدة، وشركاء في تاريخ طويل، ومن حقهما أن يعيشا بأمان وكرامة في أوطانهما.
ومن هنا فإن أي مشروع لتهجير المسيحيين من المشرق، أو دفع المسلمين إلى الهجرة، أو تفريغ المنطقة من أحد مكوناتها، هو في الحقيقة ضرب للهوية الحضارية والإنسانية للمشرق كله.
___أين نحن من مشروع الإمام الصدر؟
وهنا أصل إلى السؤال الأهم:
هل نحن اليوم أوفياء فعلًا لفكر الإمام الصدر؟
_إن إحياء ذكراه لا ينبغي أن يتحول إلى طقس سنوي ينتهي بانتهاء المناسبة.
فالوفاء الحقيقي له يكون بإحياء القيم التي حملها.
أن نواجه خطاب الكراهية.
أن نرفض التحريض الطائفي والمذهبي.
أن نحمي دور العبادة.
أن نحترم المقدسات.
أن نرفض استهداف الإنسان بسبب دينه أو مذهبه.
أن ندافع عن الفقراء والمحرومين.
وأن نعيد بناء الثقة بين اللبنانيين.
وأن نحافظ على المؤسسات التي حملت فكره ونهجه، وفي طليعتها
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى،
ليبقى منبرًا للحوار، وبيتًا وطنيًا جامعًا، وصوتًا فاعلًا في الدفاع عن لبنان والإنسان.
والأهم من ذلك كله:
أن نعيد الاعتبار لفكرة الوطن الذي يتسع للجميع.
___رسالة الإمام الصدر إلى لبنان اليوم
في تقديري، لو كان الإمام الصدر بيننا اليوم، لما كان همه أن يسأل:
من انتصر على من؟
بل كان سيسأل:
كيف نحمي لبنان؟
كيف نحمي الإنسان؟
كيف نمنع الفتنة؟
كيف نحمي الجنوب؟
كيف نحفظ كرامة الناس؟
وكيف نحول التنوع اللبناني إلى قوة بدل أن يتحول إلى سبب للانقسام؟
وهذه هي الأسئلة التي يجب أن نطرحها نحن أيضًا.
لأن لبنان لا يحتاج اليوم إلى المزيد من المتاريس بين أبنائه.
إنه يحتاج إلى جسور.
لا يحتاج إلى خطاب يزيد الخوف.
بل إلى خطاب يعيد الثقة.
ولا يحتاج إلى طوائف تنتصر على بعضها.
بل إلى مواطنين ينتصرون جميعًا لوطنهم.
خاتمة القول :
لقد غُيّب الإمام موسى الصدر جسدًا، لكن مشروعه لم يُغيّب.
فكلما ارتفع صوت الحوار، كان حاضرًا.
وكلما وقف مسلم إلى جانب مسيحي في مواجهة الظلم، كان حاضرًا.
وكلما دافع إنسان عن كرامة إنسان آخر، بصرف النظر عن دينه أو مذهبه، كان حاضرًا.
وكلما انتصر لبنان على الفتنة، كان حاضرًا.
__وكلما بقي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وفيًا لدوره الوطني والإنساني، حافظًا فكر الإمام الصدر ونهجه، كان حاضرًا في وجدان الوطن ومؤسساته.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي في ذكرى تغيیبه ليس:
أين الإمام الصدر؟
بل:
أين نحن من الإمام الصدر؟
وأين نحن من لبنان الذي أراده؟
إن الوفاء للإمام الصدر لا يكون بالبكاء على غيابه فقط، وإنما بتحويل أفكاره إلى مشروع عمل.
مشروع يجعل من لبنان وطنًا للإنسان، ومن التعدد مصدر قوة، ومن الحوار طريقًا، ومن العدالة أساسًا، ومن الأخوة الإسلامية المسيحية حقيقةً يومية لا مجرد شعار.
مشروعًا يبقى فيه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بيتًا لكل اللبنانيين، وصوتًا وطنيًا وإنسانيًا فاعلًا، يحمل أمانة الإمام الصدر داخل لبنان وخارجه، ويدافع عن قضايا الإنسان والوطن والعدالة والسلام.
لقد ترك الإمام الصدر لنا أمانة.
أمانة لبنان.
أمانة الإنسان.
أمانة الحوار.
وأمانة العيش المشترك.
فلنحمل هذه الأمانة كما ينبغي.
ولنجعل من ذكراه محطةً لتجديد العهد بأن يبقى لبنان وطنًا لكل أبنائه، وأن يبقى المشرق مساحةً للحياة المشتركة، لا ساحةً للصراعات المذهبية والطائفية.
رحم الله المحبين المخصين لفكر ونهج الإمام القائد السيد موسى الصدر، وحفظ لبنان وأهله، مسلمين ومسيحيين، وحفظ المؤسسات التي حملت فكره ونهجه، وجعل من هذا الوطن نموذجًا لما أراده الإمام الصدر: وطنًا لا يُقصي أحدًا، ولا يخاف فيه أحد من أحد، ولا تكون فيه الطائفة أقوى من الوطن، ولا الانتماء أقوى من الإنسان.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام