كتاب واراء

لكي لا تكون المثالية من اسباب الانهيار والانكسار

بوصلة المواقف ...

 

المثالية جميلة حين تكون مبدأً في الحياة، وفكرةً في الفلسفة، ونصًا في الأدب، وقيمةً أخلاقيةً ترفع الإنسان فوق غرائزه ومصالحه. لكنها حين تدخل ميدان الحرب، وخصوصًا في مواجهة مشروع لا يؤمن إلا بالقوة والإخضاع، فإنها قد تتحول من فضيلة إلى عبء، ومن سموّ أخلاقي إلى سبب للانهيار والانكسار.

 

الحرب ليست قصيدة، ولا مقالة، ولا مناظرة فكرية. وفي الحرب التي يقودها الشيطان، أو تُدار بعقلية شيطانية لا ترى في الإنسان إلا رقمًا، ولا في الأرض إلا غنيمة، ولا في السلام إلا فرصة لإعادة ترتيب أدوات العدوان، فإن التعامل معها بمنطق المثالية وحده قد يكون أشبه بمحاولة إيقاف العاصفة بالحديث عن جمال الربيع.

 

حين يكون الخصم مستعدًا لفعل كل شيء من أجل تحقيق أهدافه، يصبح التردد في الحزم خطأً استراتيجيًا، لأن من لا يردع العدوان يترك له مساحة أوسع للتمدد. ومن يظن أن إظهار التسامح في كل لحظة سيقود بالضرورة إلى السلام، قد يكتشف متأخرًا أن التسامح أمام من يفسره ضعفًا ليس تسامحًا، بل تنازل مجاني عن عناصر القوة.

 

المثالية تصلح للمقال حين نريد أن نصف العالم كما ينبغي أن يكون، وتصلح للشعر حين نحلم بعالم أجمل، لكنها لا تكفي وحدها حين يكون المطلوب حماية وطن، أو رد عدوان، أو منع مشروع من ابتلاع مشروع آخر. ففي تلك اللحظة لا يكون السؤال: ما الموقف الأكثر مثالية؟ بل يصبح السؤال: ما الموقف الأكثر قدرة على منع الهزيمة وحماية الحق؟

 

الحزم لا يعني التخلي عن الأخلاق، كما أن القوة لا تعني بالضرورة الظلم. المشكلة تبدأ حين يُطلب من الطرف المعتدى عليه أن يكون مثاليًا، بينما يُسمح للمعتدي أن يكون واقعيًا حتى النهاية. عندها تتحول الأخلاق من ميزان للعدالة إلى قيد يُفرض على طرف واحد، فيما يتحرك الطرف الآخر بلا قيود.

 

والتاريخ لا ينتصر فيه دائمًا الأكثر نقاءً في الخطاب، بل كثيرًا ما ينتصر من يمتلك القدرة على تحويل إرادته إلى فعل. فالإرادة التي لا تحميها قوة تتحول إلى أمنية، والموقف الذي لا تسنده قدرة يصبح مجرد إعلان حسن النوايا أمام خصم لا يعترف إلا بموازين القوة.

 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحروب هو أن يظل طرف ما أسيرًا للخوف من الحزم، فيتردد في اللحظة التي تحتاج إلى قرار، ويتراجع في اللحظة التي تحتاج إلى ثبات، ويبحث عن المخارج السياسية بينما خصمه يبحث عن مخارج عسكرية تفرض عليه شروطها.

 

ليس المطلوب أن يصبح الإنسان شيطانًا لمواجهة الشيطان، ولا أن يتخلى عن قيمه كي ينتصر. المطلوب أن يدرك أن الرحمة لا تلغي القوة، وأن السلام لا يُحمى بالأمنيات، وأن الدفاع عن الحق يحتاج إلى إرادة قادرة على حمايته.

 

فالسلام الذي لا تحميه قوة قد يكون مجرد هدنة مؤقتة، والمثالية التي لا تملك وسائل الدفاع عن نفسها قد تتحول إلى ضحية سهلة، والتردد حين تكون المعركة في ذروة الخطر قد لا يمنح الخصم فرصة للرحمة، بل يمنحه فرصة إضافية للتقدم.

 

في الحروب الكبرى، لا يكفي أن تكون على حق، بل يجب أن تكون قادرًا على حماية حقك. ولا يكفي أن ترفض الظلم أخلاقيًا، بل ينبغي أن تمتلك من الحزم ما يمنع الظالم من تحويل ظلمه إلى واقع دائم.

 

ولهذا فإن المثالية حين تفقد توازنها تتحول إلى انكسار، والحلم حين ينفصل عن القوة يتحول إلى عجز، والتردد حين يحضر في لحظة الحسم قد يصبح شريكًا صامتًا في الهزيمة.

 

فالانتصار ليس انتصارًا على الأخلاق، بل انتصار للحق حين يجد القوة التي تحميه. وفي عالم لا يزال فيه من يتعامل مع القوة بوصفها اللغة الوحيدة التي يفهمها، فإن الحكمة ليست أن تتخلى عن قيمك، وإنما أن تمتلك من القوة والحزم ما يجعل الآخرين مضطرين إلى احترامها.

 

المثالية مكانها القلب والعقل والقصيدة والمقال، أما حين تدق طبول الحرب، فلابد أن يقف إلى جانبها وعيٌ صلب، وإرادةٌ حازمة، وقدرةٌ تعرف متى تفاوض، ومتى تصبر، ومتى تقول كفى.

 

لأن بعض المعارك لا تخسرها عندما تكون ضعيفًا فقط، بل قد تخسرها عندما تكون قادرًا على الحسم ثم تتردد

 

بقلم جليل هاشم البكاء


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة