كتب / سعيد فارس السعيد
عندما نتحدث عن الشيعية السياسية، ينبغي أولاً أن نتحرر من الصورة النمطية التي تختزلها في مشروع طائفي أو في السعي إلى السلطة باسم المذهب.
فالشيعية، في بعدها السياسي والفكري والتاريخي، ليست مجرد حضور طائفي في المجال العام، وإنما هي، في أحد أهم وجوهها، امتداد لتراث طويل جعل العدل ومقاومة الظلم وكرامة الإنسان ومنطق الدولة في قلب رؤيته للحياة العامة.
ومنذ عهد الإمام علي بن أبي طالب، ارتبط الحكم بمسؤولية إقامة العدل وصيانة الحقوق ورعاية الإنسان. وفي عهده إلى مالك الأشتر تبرز واحدة من أعمق الرؤى في العلاقة بين الحاكم والمجتمع، حين يؤكد أن الناس «صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».
وهذه الرؤية لا تجعل الدولة ملكاً لطائفة أو جماعة، وإنما تجعلها إطاراً جامعاً للإنسان، تقوم على العدل والمساواة والكرامة، وتحمي الضعيف من القوي، وتردع الظالم وتنصف المظلوم.
ومن هنا يمكن فهم المسار الممتد من الإمام علي إلى الإمام الحسن ثم الإمام الحسين.
فالإمام الحسن قدم، في موقفه من الصراع السياسي، نموذجاً لتقديم حقن الدماء ومصلحة المجتمع على الانتصار السياسي.
أما الإمام الحسين، فقد أصبحت ثورته رمزاً إنسانياً وأخلاقياً لمقاومة الظلم والاستبداد، ولم تكن رسالتها في جوهرها دعوة إلى إقامة كيان مذهبي أو إلغاء الآخر، وإنما رفض تحويل السلطة إلى وسيلة لإهدار الإنسان وكرامته.
ومن هذه المدرسة تبلورت عبر القرون قيم العدالة، والمساواة، وصيانة المال العام، وحماية الضعفاء، واحترام كرامة الإنسان، ورفض الظلم.
ولذلك فإن مشروع الشيعية السياسية، في قراءته التاريخية والفكرية، لا ينبغي أن يُختزل في مفهوم «حكم الطائفة»، بل يمكن فهمه بوصفه انتقالاً من مشروع العدالة إلى مشروع بناء الدولة؛ دولة القانون والمؤسسات، دولة المواطنة، دولة جميع أبنائها.
__من النجف والعراق إلى دمشق.
لقد شكلت المرجعية الدينية في النجف وعلماء ومفكرو العراق على امتداد مراحل تاريخية مختلفة مساحة أساسية في تطوير الفكر الديني والاجتماعي والسياسي، مع تعدد الاجتهادات واختلاف المواقف بحسب الظروف والأزمنة.
وكان سؤال الدولة والمجتمع والعدالة والإنسان حاضراً في هذا التراث، انطلاقاً من أن قوة المجتمع لا تقوم على الغلبة، وإنما على العدل والعلم وصيانة الحقوق.
وفي دمشق، يمثل السيد محسن الأمين محطة مهمة في هذا المسار الإصلاحي. فقد حمل مشروعاً علمياً واجتماعياً وفكرياً تجاوز حدود الانغلاق المذهبي، واهتم بإصلاح المجتمع ومحاربة الجهل والخرافة والتخلف، وربط التدين بالعلم والأخلاق والإصلاح.
وهكذا لم يكن الحضور الشيعي في دمشق مشروعاً لعزل الشيعة عن محيطهم، بل كان جزءاً من النسيج العربي والإسلامي، ومن حركة العلم والإصلاح التي أسهمت في الحياة الثقافية والاجتماعية.
جبل عامل...
الدين والوطن والإنسان.
وفي لبنان، برز علماء ومفكرو جبل عامل كمدرسة علمية وفكرية عريقة، أسهمت في إثراء الحضارة العربية والإسلامية، وخرّجت علماء وفقهاء ومفكرين وأدباء ومصلحين تركوا آثاراً واسعة في لبنان والعالم العربي والإسلامي.
وقد تميز هذا الإرث بتداخل الأصالة الدينية مع الانتماء الوطني والانفتاح على المجتمع.
ومن أبرز من جسّد هذا المعنى في العصر الحديث الإمام القائد السيد موسى الصدر.
فالإمام الصدر لم يقدم مشروعاً شيعياً مغلقاً، بل قدم مشروعاً وطنياً وإنسانياً جعل الإنسان محوراً للعمل الديني والسياسي والاجتماعي.
دافع عن المحرومين والفقراء، وحمل قضية الجنوب اللبناني، ودعا إلى التضامن العربي، وعمل على حماية لبنان ووحدته، ورسخ ثقافة الحوار والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين.
وكان يؤكد عملياً أن قوة الطوائف لا تكون على حساب الدولة، وأن قوة الدولة لا تكون بإلغاء الطوائف ومكوناتها، وإنما بتحويل التنوع إلى شراكة وطنية.
وكان لبنان، في رؤيته، وطناً نهائياً لجميع أبنائه، لا ساحة صراع بين مكوناته.
__المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى... المرجعية الدينية والوطنية.
وفي هذا السياق يمكن قراءة الدور التاريخي لـ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، الذي نشأ ليكون مرجعية دينية ووطنية للطائفة، ولكنه حمل أيضاً، في محطات عديدة، هماً وطنياً عاماً يتعلق بالحوار والوحدة الوطنية وحماية لبنان وحقوق المواطنين.
وتعاقب على رئاسته علماء وشخصيات تركت حضوراً في الحياة الدينية والوطنية اللبنانية، ومن بينهم الإمام موسى الصدر، ثم الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وصولاً إلى المراحل اللاحقة.
ومنذ تولّي سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب مسؤولية المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ركّز في خطبه وتصريحاته ومواقفه على أهمية فكر ونهج الإمام علي وأهل بيت النبي، صلى الله عليه وآله، بوصفه نهجاً يقوم على العدل والإنصاف وصون كرامة الإنسان وحماية المجتمع.
كما أكد في مواقفه أن الشيعة، بما يحملونه من إرث ديني ووطني، ليسوا مشروعاً خارج الدولة أو بديلاً عنها، بل هم من أبنائها وجنودها وحماة سيادتها وهيبتها وكرامتها، وأن قوة الطائفة لا تكون في إضعاف الدولة، وإنما في قوة الدولة وعدالتها وقدرتها على حماية جميع أبنائها.
وهذا المعنى يعيد التأكيد على جوهر مدرسة الإمام علي وأهل البيت: أن السلطة مسؤولية، وأن القوة لا قيمة لها من دون عدل، وأن حماية الوطن والدولة والمجتمع مسؤولية أخلاقية ووطنية تقع على عاتق الجميع.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين المرجعية الدينية وبين المشروع الطائفي.
فالمرجعية التي تدافع عن حقوق أبناء طائفتها لا ينبغي أن تنظر إلى حقوق الآخرين باعتبارها تهديداً، بل أن تدعو إلى دولة تحمي الجميع.
والمرجعية التي تؤمن برسالتها الدينية والإنسانية لا يمكن أن تكون رسالتها قائمة على إلغاء المختلف، وإنما على الحوار والاحترام والعيش المشترك.
نبيه بري...
السياسة من داخل الدولة.
وفي المسار السياسي اللبناني الحديث، برزت أيضاً تجربة الرئيس نبيه بري، التي ارتبطت، على مدى عقود، بالدفاع عن وحدة لبنان، والحفاظ على المؤسسات الدستورية، وترسيخ الحوار الوطني، والتأكيد على الشراكة بين اللبنانيين.
ومهما اختلفت الآراء السياسية حول تجربته أو حول حركة أمل، فإن قراءة المسار السياسي الشيعي اللبناني لا يمكن أن تتجاهل الدور الذي لعبه بري في إبقاء المكوّن الشيعي داخل المعادلة السياسية والدستورية اللبنانية، وفي الدفاع عن فكرة الدولة والمؤسسات والحوار الوطني.
وهذا يؤكد أن المشاركة السياسية الشيعية لا تعني بالضرورة الانفصال عن الدولة، بل يمكن أن تكون، عندما تكون محكومة بمنطق الشراكة، جزءاً من عملية بناء الدولة.
التاريخ المؤلم لا يبرر الانتقام.
لقد تعرض الشيعة، عبر مراحل مختلفة من التاريخ، لأشكال من التهميش والاضطهاد والتمييز، كما تعرض عدد من أئمتهم وعلمائهم ومقدساتهم ومراكزهم العلمية للاعتداء أو التدمير.
لكن هذا التاريخ المؤلم، على قسوته، لا ينبغي أن يتحول إلى مشروع انتقام دائم، ولا إلى دعوة لتفكيك المجتمعات والدول.
فالدرس الأهم في تراث أهل البيت هو أن الظلم لا يصبح عدلاً عندما ينتقل من جهة إلى جهة أخرى.
والمظلوم لا ينبغي أن يتحول، بمجرد امتلاكه القوة، إلى ظالم جديد.
وهنا تتجلى قيمة العدالة بوصفها مبدأً مطلقاً، لا امتيازاً لجماعة.
__لا دولة للطائفة...
بل دولة للجميع.
إن قوة الشيعة، كما قوة أي مكوّن اجتماعي أو ديني، لا ينبغي أن تقاس بقدرته على إقامة كيان مذهبي مغلق، وإنما بقدرته على الإسهام في بناء دولة قوية وعادلة.
دولة يكون فيها الدستور والقانون فوق الجميع.
دولة لا تفرق بين مواطن وآخر بسبب مذهبه أو دينه أو قوميته أو أصله.
دولة تمنح كل مكون حقه وتحميه، من دون أن تجعل من أي مكون دولة داخل الدولة.
دولة تردع الظالم، وتعطي المظلوم حقه وكرامته.
دولة تحمي الفقراء والمحرومين، وتصون المال العام، وتواجه الفساد، وتوفر العدالة الاجتماعية.
دولة يكون فيها الحوار بديلاً عن الاقتتال، والشراكة بديلاً عن الغلبة، والمواطنة بديلاً عن العصبية.
___من «الشيعية السياسية» إلى السياسة الإنسانية
لهذا فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول ما إذا كان للشيعة الحق في المشاركة السياسية.
من حق الشيعة أن يشاركوا في السياسة، كما من حق كل مكونات المجتمع أن تشارك فيها.
السؤال الحقيقي هو: أي سياسة نريد؟
هل نريد سياسة تقوم على الغلبة المذهبية؟
أم سياسة تجعل من الدين والأخلاق والهوية قوةً لخدمة الإنسان والوطن؟
إن السياسة التي تستمد من الإمام علي قيمة العدل، ومن الإمام الحسن قيمة حقن الدماء، ومن الإمام الحسين قيمة مقاومة الظلم، ومن مدارس النجف والعراق قيمة العلم والاجتهاد، ومن السيد محسن الأمين قيمة الإصلاح، ومن الإمام موسى الصدر قيمة الإنسان والحوار والعيش المشترك، لا يمكن أن تكون سياسة إقصائية.
بل ينبغي أن تكون سياسة وطنية وإنسانية.
وهنا تصبح «الشيعية السياسية» جزءاً من مشروع أوسع: مشروع الدولة العادلة.
خلاصة القول :
إن الدولة التي نحتاجها في لبنان وسورية والعراق وسائر المنطقة ليست دولة شيعية، ولا دولة سنية، ولا دولة مسيحية، ولا دولة لأي طائفة أو قومية.
إنها دولة لكل أبنائها.
دولة العدالة الاجتماعية.
دولة الإخاء الإنساني.
دولة القانون والمؤسسات.
دولة تحترم الدين ولا تستخدمه لإلغاء الإنسان.
دولة تحمي المقدسات وتحترم مقدسات الآخرين.
دولة تؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن الحوار الهادئ والنافع هو الطريق إلى حل الخلافات.
دولة لا يُهان فيها إنسان بسبب هويته.
ودولة لا يُقتل فيها إنسان بسبب مذهبه.
ودولة لا يُحرم فيها إنسان من حقه لأن اسمه أو دينه أو قوميته مختلفة.
إن هذا هو جوهر التحول الذي ينبغي أن نفهمه من مشروع العدالة إلى مشروع بناء الدولة.
فمن الإمام علي إلى الإمام الحسن والإمام الحسين، ومن مدارس النجف والعراق، إلى السيد محسن الأمين في دمشق، ومن علماء ومفكري جبل عامل إلى الإمام موسى الصدر، ثم إلى التجارب السياسية والمؤسساتية الشيعية في لبنان، تتعدد المحطات والاجتهادات، لكن القيمة التي تستحق أن تبقى حاضرة هي:
الإنسان أولاً، والعدل أساس الدولة، والكرامة حق للجميع، ومواجهة الظلم مسؤولية أخلاقية لا لون طائفياً لها.
وهذا ليس مشروع الشيعة وحدهم.
إنه مشروع كل إنسان يؤمن بأن الوطن يتسع للجميع، وأن الاختلاف لا يبرر الكراهية، وأن قوة الدولة لا تكون بالغلبة، وإنما بالعدل، والقانون، والمواطنة، والشراكة، وكرامة الإنسان.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل