كتاب واراء

فكر أهل البيت... وحدة المسلمين وكرامة الإنسان وسيادة الدولة هذا ما يؤكد عليه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

فكر أهل البيت... وحدة المسلمين وكرامة الإنسان وسيادة الدولة

 

هذا ما يؤكد عليه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

 

كتب / 

سعيد فارس السعيد

بيروت ٢١ / ٨ / ٢٠٢٦

 

إن من أهم ما يميز فكر ونهج أهل بيت رسول الله ﷺ، كما يتمسك به الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، أنه لا يقوم على تفتيت الأمة ولا على تحويل الاختلاف في الرأي إلى خصومة أو اقتتال، وإنما يقوم على وحدة المسلمين، وحفظ كيان الأمة، وصيانة الدولة، ورفض الفتنة والانقسام، مع التمسك في الوقت نفسه بحقوق الإنسان وكرامته وحريته، أياً كانت قوميته أو قبيلته أو دينه أو مذهبه.

 

وهنا تكمن أهمية التمييز بين الاختلاف في الرأي وبين الخلاف الذي يهدم الدولة والمجتمع.

فالإنسان قد يختلف مع السلطة، أو يعارض سياسة معينة، أو يملك رؤية مختلفة في إدارة شؤون الدولة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يتحول اختلافه إلى مشروع لهدم الدولة أو إسقاط مؤسساتها أو تمزيق المجتمع.

 

الدولة ليست بديلاً عن الإنسان

إن احترام الدولة وسيادتها وأمنها واستقرارها وهيبتها لا يعني تقديس السلطة أو إعفاءها من مسؤولياتها، بل يعني الحفاظ على الإطار الذي تنتظم داخله حياة الناس.

 

فالدولة القوية ليست الدولة التي يخاف منها مواطنوها، 

 

وإنما الدولة التي تحميهم جميعاً، وتصون حقوقهم، وتفرض القانون على الجميع، وتحفظ أمنهم وكرامتهم.

 

ومن هنا فإن الدفاع عن الدولة لا يمكن أن ينفصل عن الدفاع عن الإنسان.

 

فلا قيمة لسيادة تُصادر كرامة الإنسان، ولا معنى للأمن إذا كان على حساب العدالة، ولا يمكن أن تكون هيبة الدولة مبرراً للظلم أو التمييز بين مواطنيها.

من وحدة المسلمين إلى وحدة المجتمع

وهذا المعنى ينسجم مع جوهر ما دعا إليه أهل البيت عليهم السلام من حفظ وحدة المسلمين وعدم تحويل الاختلاف إلى فتنة.

فالاختلاف في الاجتهاد والرأي والموقف السياسي أمر طبيعي في المجتمعات، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى تكفير وتحريض مذهبي أو قومي أو قبلي، وإلى إقصاء للآخر ونزع لإنسانيته وحقوقه.

ولهذا فإن التمسك بنهج أهل البيت لا يكتمل بمجرد الحديث عن وحدة المسلمين، بل يكتمل أيضاً بالتمسك بحقوق الإنسان وكرامته.

فالإنسان أولاً هو إنسان، قبل أن يكون عربياً أو كردياً أو تركمانياً، وقبل أن يكون مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً، وقبل أن يكون من هذه الطائفة أو تلك.

القرآن وضع قاعدة واضحة

وقد وضع القرآن الكريم قاعدة إنسانية عظيمة تتجاوز الانتماءات الضيقة:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

فالتنوع في القوميات والقبائل والشعوب ليس سبباً للعداء، وإنما هو للتعارف والتكامل.

ومن هنا فإن أي قراءة حقيقية لفكر أهل البيت يجب أن تنطلق من هذه القاعدة القرآنية: وحدة الإنسانية، وكرامة الإنسان، ورفض الظلم، وحفظ الحقوق.

العلامة الشيخ علي الخطيب... الدولة والوحدة الوطنية

وفي هذا السياق تأتي مواقف نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، الذي أكد في خطبة الجمعة أن لبنان يحتاج إلى رؤية وطنية جامعة، وحذّر من أن يتحول الخلاف حول السلاح أو الدولة إلى انقسام طائفي ومذهبي، أو أن يتحول الخلاف السياسي إلى حرب أهلية جديدة.

وهذه الرسالة تتجاوز الظرف اللبناني المباشر؛ لأنها تحمل في جوهرها دعوة إلى تقديم وحدة المجتمع والدولة على الحسابات الفئوية الضيقة.

فالخطر لا يكمن فقط في العدوان الخارجي، وإنما أيضاً في أن ينجح هذا العدوان في ضرب الوحدة الوطنية من الداخل.

ومن هنا تأتي الدعوة إلى الحوار والجلوس إلى طاولة واحدة، والاستفادة من كل القدرات الوطنية لحماية لبنان وسيادته وأمنه واستقراره.

السيادة لا تتناقض مع الحوار

والدولة التي تحافظ على سيادتها ليست الدولة التي ترفض الحوار مع أبنائها، بل الدولة التي تجمعهم حول مصالحها العليا.

ولهذا فإن الحوار بين المكونات الوطنية ليس ضعفاً، كما أن الاختلاف في الرأي ليس خيانة.

بل إن الحوار هو الوسيلة الحضارية لإدارة الاختلاف ومنع تحوله إلى صراع داخلي.

وهذا ما ينسجم مع دعوات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إلى الحوار بين اللبنانيين وفتح المجال أمام مختلف المكونات للمشاركة في صياغة الرؤية الوطنية.

كرامة الإنسان هي جوهر الدولة

إن الدولة التي نريدها، وفق هذا الفهم، ليست دولة طائفة ولا دولة قومية ولا دولة حزب، وإنما دولة مواطنين.

 

دولة يكون فيها المسلم والمسيحي واليهودي، والعربي والكردي والتركماني وسائر المكونات، متساوين في الكرامة والحقوق والواجبات أمام القانون.

 

فالإنسان لا يفقد حقوقه لأنه ينتمي إلى أقلية، ولا يصبح أقل وطنية لأنه يختلف في الرأي، ولا يجوز أن تتحول قوميته أو مذهبه أو دينه إلى سبب لاضطهاده أو إقصائه.

 

وهنا يصبح قوله تعالى: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ مشروعاً اجتماعياً وسياسياً وأخلاقياً، وليس مجرد آية نتلوها.

 

هيبة الدولة من عدلها

إن هيبة الدولة الحقيقية لا تُبنى بالخوف، وإنما بالعدل.

ولا يحمي الدولة من يريدها قوية على حساب شعبها، بل يحميها من يريدها قوية بشعبها.

 

ولهذا فإن الوقوف مع سيادة الدولة وأمنها واستقرارها لا ينبغي أن يكون موقفاً انتقائياً؛ 

 

بل مبدأ ثابتاً، مع التأكيد في الوقت نفسه أن الدولة مطالبة بحماية حقوق الإنسان وحرياته وكرامته.

 

وهذه هي المعادلة التي تجعل الدولة قوية ومقبولة:

سيادة بلا استبداد، أمن بلا ظلم، قانون بلا تمييز، وهيبة بلا إهانة للإنسان.

 

رسالة تتجاوز لبنان

إن ما يؤكد عليه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وما عبّر عنه سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، يمكن قراءته في إطار أوسع من الجغرافيا اللبنانية.

 

فالمنطقة العربية والإسلامية اليوم تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويحمي الدولة ولا يهدمها، ويحفظ السيادة ولا يسمح بالتدخل الخارجي، وفي الوقت نفسه لا يتخلى عن الإنسان وحقوقه وكرامته.

 

فلا يجوز أن نطالب بوحدة المسلمين ثم نمارس التمييز ضد إنسان بسبب مذهبه.

 

ولا يجوز أن ندافع عن الدولة ثم نقبل الظلم ضد مواطن بسبب قوميته.

 

ولا يجوز أن نتحدث عن كرامة الإنسان ثم نقبل إهانة إنسان لأنه يختلف معنا في الدين أو السياسة أو الرأي.

 

هذه هي المعادلة التي تجعل فكر أهل البيت مشروعاً إنسانياً متكاملاً: 

وحدة الأمة، 

وحماية الدولة، 

ورفض الفتنة، 

والعدل، 

والحرية،

 وكرامة الإنسان.

 

خلاصة القول :

 

إن التمسك بأهل البيت ليس شعاراً مذهبياً فحسب، وإنما هو التزام بمنهج أخلاقي وإنساني وسياسي يقوم على حفظ الأمة من التمزق، وحماية المجتمع من الفتنة، واحترام الدولة ومؤسساتها، والوقوف في وجه العدوان والاحتلال، مع عدم التخلي أبداً عن حقوق الإنسان وكرامته.

 

وإذا كانت الشعوب والقبائل قد جعلها الله ﴿لِتَعَارَفُوا﴾، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحول هذا التعارف إلى تعايش، وهذا التنوع إلى قوة، والاختلاف إلى حوار، والدولة إلى مظلة لجميع أبنائها.

 

وهكذا فقط نستطيع أن نبني دولاً قوية وآمنة ومستقرة، لا يكون فيها الإنسان خائفاً من دولته، ولا الدولة خائفة من شعبها.

 

فالدولة القوية تحمي الإنسان، والإنسان الكريم يحمي دولته، والوحدة الوطنية تحمي الاثنين.

 

وهذا، في جوهره، هو أحد أعمق المعاني التي يمكن أن نقرأها في نهج أهل البيت، وهو ما يؤكد عليه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ويشدّد عليه سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب في دعوته إلى الوحدة الوطنية والحوار ورفض تحويل الاختلافات الداخلية إلى انقسام طائفي أو مذهبي.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد