كتاب واراء

هكذا سقط وهرب النظام بعدما أراد حرق وتدمير سورية.

 

كتب /  سعيد فارس السعيد:

 

حين ينهار الداخل قبل أن تسقط الجبهات

قبل الحديث عن حلب وحماة وحمص ودرعا والقنيطرة، وقبل الانتقال في المشهد السياسي من الدوحة إلى موسكو ثم دمشق، لا بد من العودة إلى البداية.

 

إلى شخصية بشار الأسد، وإلى الطريقة التي جرى فيها إعداده لتولي السلطة، وإلى طبيعة البيئة السياسية والأمنية التي أحاطت به منذ طفولته؛ لأن فهم نهاية الحكم يبدأ أحياناً من فهم الطريقة التي بدأ بها.

 

بشار الأسد... 

من نجل وزير الدفاع إلى رئيس الجمهورية

 

عندما وُلد بشار الأسد كان والده حافظ الأسد وزيراً للدفاع.

وعندما بدأ بشار دراسته الابتدائية، كان والده قد أصبح رئيساً للجمهورية وحاكماً لسورية.

نشأ إذاً في بيئة استثنائية، محاطاً بالرعاية والاهتمام والحماية والمداراة والمجاملة والثناء، وبعيداً عن الظروف الطبيعية التي يعيشها معظم أبناء المجتمع.

ثم التحق بكلية الطب، واختار طب العيون، وأوفده والده إلى بريطانيا للتخصص.

 

لكن وفاة شقيقه باسل الأسد في حادث سير على طريق مطار دمشق الدولي غيّرت مسار حياته بالكامل.

عاد بشار إلى سورية، وانتقل من حياة الطبيب والتخصص في بريطانيا إلى مسار سياسي وعسكري وأمني لم يكن هو المسار الذي بدأه.

ومنذ ذلك الوقت بدأ إعداد بشار ليحل محل شقيقه الراحل، وليصبح الوريث السياسي المحتمل لوالده.

 

لم يعد المطلوب منه أن يكون طبيب عيون.

بل أصبح المطلوب أن يكون رجل الدولة القادم.

دخل المؤسسة العسكرية، وتدرج في المواقع، وبدأ يظهر في الملفات السياسية والأمنية والعسكرية، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بصورة متزايدة بمستقبل النظام.

 

__عام 2000...

 انتقال السلطة.

 

في عام 2000 توفي حافظ الأسد.

وفي فترة قصيرة جداً انتقلت سورية من حكم الأب إلى حكم الابن.

وأصبح بشار الأسد قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة، ثم رئيساً للجمهورية.

 

وكانت تلك المرحلة فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة، وإطلاق إصلاح سياسي وإداري واقتصادي، ومحاربة الفساد، وتعزيز استقلال القضاء، وتقوية مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والسلطة.

 

لكن المسار الذي تبلور خلال السنوات اللاحقة لم يذهب بالقدر الكافي في هذا الاتجاه.

 

___الرئيس الشاب... ورحلة الاستجمام.

 

بعد زواجه من أسماء الأخرس، التي كان قد تعرف إليها خلال وجوده في بريطانيا، غادر بشار الأسد سورية في رحلة خارجية طويلة قُدمت في إطار جولة للرئيس وعقيلته في عدد من الدول الصديقة.

 

وأنا، من خلال ما كان متاحاً لي من متابعة ومعلومات في تلك المرحلة، أتوقف عند هذه الرحلة باعتبارها مؤشراً مبكراً على طبيعة العلاقة التي بدأت تتشكل بين رأس السلطة وبين تفاصيل الحياة الداخلية للدولة.

 

فقد غاب الرئيس فترة طويلة عن المتابعة اليومية المباشرة للملفات الداخلية، ولم تكن اللقاءات الداخلية والاتصالات مع الوفود الاجتماعية والاقتصادية والسياسية حاضرة بالصورة التي يفترض أن تكون عليها في دولة تواجه تحديات كبيرة.

 

وعند عودته أصبح توزيع الأدوار أكثر وضوحاً:

 

(الداخل للقيادات والأجهزة القائمة، والعلاقات الخارجية للرئاسة).

 

ومع مرور الوقت أصبح القرار السياسي والأمني شديد المركزية، بينما بقيت مؤسسات الدولة والحزب والحكومة عاجزة، في كثير من الأحيان، عن تحويل القرارات والتوصيات إلى إصلاحات فعلية.

 

__إبعاد الحرس القديم...

 ثم إبعاد رجال باسل.

 

بدأ بشار الأسد تدريجياً بإبعاد عدد من الشخصيات التي كانت محسوبة على مرحلة والده، فيما عرف آنذاك بمصطلح «الحرس القديم».

وكان من الطبيعي أن يعيد الرئيس الجديد تشكيل مراكز النفوذ المحيطة به.

 

لكن المشكلة لم تكن في تغيير الأشخاص بحد ذاته.

المشكلة أن إعادة تشكيل مراكز القوة لم تنتج مؤسسات أقوى، بل ساهمت في انتقال النفوذ من دوائر قديمة إلى دوائر جديدة.

وكان إبعاد أو تهميش عدد من الشخصيات التي ارتبطت بشقيقه باسل من التحولات التي تستحق التوقف عندها.

 

وأنا هنا لا أقول إن كل من كان في الحرس القديم أو في دائرة باسل كان صالحاً أو فاسداً، فالتعميم ظلم للتاريخ.

 

لكن ما أراه مهماً هو أن إقصاء شخصيات تمتلك خبرة وعلاقات ومعرفة بتفاصيل الدولة، من دون بناء مؤسسات بديلة أكثر قوة واستقلالاً، ساهم في زيادة اعتماد القرار على الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس.

 

فقد كان والده يعتمد على أصدقاء قدامى لا يشغلون بالضرورة مواقع رسمية، كما كان يعتمد على مجموعة من المقربين الذين يقدمون له معلومات من خارج القنوات الرسمية.

 

___وكان لدى باسل أيضاً مجموعة من الأشخاص الذين يعرفون المجتمع ومؤسسات الدولة ومفاصلها.

 

أما بعد تهميش هذه الدوائر، فقد ازدادت المسافة بين رأس السلطة وبين الواقع اليومي.

 

__إصلاحات وقرارات... بقيت حبراً على ورق.

 

المؤتمرات الحزبية تقرر.

واللجان تدرس.

والحكومات تتغير.

والوزراء يتبدلون.

وتطلق شعارات الإصلاح الإداري والاقتصادي ومكافحة الفساد.

لكن الفجوة بين القرار والتنفيذ أصبحت واسعة.

وكانت المؤتمرات تقرر، والحكومات تعلن، واللجان تدرس، ثم يعود الواقع إلى ما كان عليه.

 

وهكذا أصبح الإصلاح في كثير من الأحيان خطاباً سياسياً أكثر منه تحولاً مؤسسياً.

 

وكانت المشكلة الأخطر أن شكاوى المواطنين ضد مسؤولين أو متنفذين لم تكن تجد دائماً طريقاً فعّالاً إلى المحاسبة.

 

ومع غياب المحاسبة الجدية، بدأت شبكات المصالح تتوسع.

 

من دولة المؤسسات إلى دولة النفوذ.

 

مع مرور السنوات ازداد نفوذ مجموعات اقتصادية وأمنية وسياسية حول رأس النظام وحول عدد من أركان السلطة.

وتداخلت المصالح السياسية والأمنية مع المصالح الاقتصادية.

واتسعت المحسوبيات والواسطة والرشوة واستغلال النفوذ في مجالات متعددة، من الوظائف والتعيينات والمسابقات إلى المؤسسات العسكرية والأمنية.

 

وأصبح الوصول إلى بعض المواقع والامتيازات مرتبطاً، في حالات كثيرة، بالعلاقات والنفوذ أكثر من ارتباطه بالكفاءة والاستحقاق.

وهنا بدأ الخلل يأخذ شكلاً أخطر:

لم تعد المشكلة فساد أفراد فقط.

بل تحولت تدريجياً إلى شبكات مصالح.

وشبكات المصالح عندما تتصل بالسلطة والأمن والاقتصاد تصبح قادرة على حماية نفسها، وتصبح محاربة الفساد من داخل المنظومة أكثر صعوبة.

 

__استغلال الأقليات...

 حين تتحول المخاوف إلى أدوات سياسية.

 

وهنا أضيف نقطة أعتبرها من أخطر النقاط في قراءة تاريخ النظام السابق.

فالنظام لم يعتمد فقط على الأجهزة الأمنية والجيش وشبكات المصالح، بل استغل، بدرجات مختلفة، مخاوف الأقليات والهواجس الاجتماعية والطائفية من أجل حماية بقائه السياسي.

فكان يخاطب كل مكوّن بما يخيفه، ويقدم نفسه أمامه باعتباره الحامي من خطر الآخر.

 

وبذلك تحولت بعض المخاوف الحقيقية الموجودة في المجتمع إلى أدوات سياسية تُستخدم لإبقاء الناس داخل دائرة الخوف والولاء.

 

وكانت الرسالة الضمنية في كثير من الأحيان:

إما بقاء النظام، وإما الخوف من الفوضى والتطرف والاقتتال والانتقام.

 

وهذه من أخطر الأدوات التي يمكن أن تستخدمها أي سلطة.

 

لأن الدولة التي تحمي مواطنيها لا تحتاج إلى تخويف مكوّن من مكوّن آخر.

 

والسلطة التي تستمد شرعيتها من مؤسسات الدولة والقانون لا تحتاج إلى تقديم نفسها باعتبارها الحامي الوحيد لطائفة أو أقلية.

 

__أخطر عمليات التوظيف... 

الملف الشيعي.

 

ومن وجهة نظري، كان من أخطر عمليات التوظيف السياسي والأمني للمكونات السورية ما جرى في الملف الشيعي، ولا سيما من خلال توظيف العلاقة مع حزب الله وإيران.

وهنا يجب أن نكون دقيقين جداً:

 

الطائفة الشيعية السورية ليست هي حزب الله، وليست هي إيران، وليست مسؤولة عن سياسات النظام السابق أو سياسات أي قوة خارجية.

 

فالشيعة السوريون مكوّن من مكونات المجتمع السوري، لهم حقوقهم وخصوصيتهم الوطنية، مثلهم مثل بقية السوريين ولايتجاوز عددهم عن ربع مليون نسمة .

ويعانون من فساد السلطات والنظام كما يعاني الاخرين ..

ولم يكن لهم اية امتيازات ..

بل مورست ضدهم كل اشكال القمع والاستبداد والتضييق والاعتقالات لكتابهم ومفكريهم وضد شعائرهم الدينية .

 

 

لكن النظام السابق استفاد من وجود إيران وحزب الله ومن علاقاتهما داخل سورية، واستخدمهما في سياق أوسع من إدارة الصراع وحماية السلطة.

 

وفي المقابل، ساهمت ظروف الحرب، والخوف من التنظيمات المتطرفة، وضعف المعارضة السياسية، وغياب خطاب وطني جامع، في دفع بعض البيئات الشيعية إلى الاحتماء بقوى خارجية أو مسلحة باعتبارها ضمانة للأمن والحماية.

وهنا وقع أخطر استغلال:

[استغلال الخوف من الإرهاب والتكفير والاقتتال الطائفي، ثم تحويل هذا الخوف إلى وسيلة لربط مصير بعض أبناء الطائفة بمصير النظام وحلفائه].

 

__كما استفاد النظام من جهل بعض أطراف المعارضة بالتكوين الاجتماعي والديني للشيعة السوريين، ومن الخطاب الطائفي الذي ظهر لدى بعض المعارضين، ليقدم نفسه باعتباره الحامي لهذه الفئة.

 

وبذلك ساهمت أخطاء المعارضة، إلى جانب سياسات النظام وحلفائه، في تعميق الشرخ.

فبدلاً من أن يكون الشيعي السوري مواطناً سورياً له حقوق متساوية، جرى في بعض مراحل الحرب التعامل معه باعتباره جزءاً من محور سياسي أو عسكري.

 

وهذه كانت كارثة وطنية.

لأن الطوائف ليست جيوشاً، والمذاهب ليست أحزاباً، والمواطن لا يجوز أن يتحول إلى ورقة في صراع السلطة.

 

والنتيجة كانت أن النظام استفاد من المخاوف المتبادلة، بينما دفع السوريون جميعاً الثمن.

 

___الأجهزة الأمنية فوق المؤسسات.

 

ازداد نفوذ الأجهزة الأمنية، وتراجعت في المقابل قدرة المؤسسات المدنية على ممارسة دورها بصورة مستقلة.

وأصبح الأمن حاضراً في تفاصيل الحياة السياسية والإدارية والاجتماعية.

 

أما القضاء، الذي يفترض أن يكون الضامن لسيادة القانون، فقد تعرض لضغوط وتدخلات أفقدته، في نظر كثير من السوريين، جزءاً من الثقة المطلوبة في مؤسسة يفترض أن تكون مستقلة.

 

ومع ضعف استقلال المؤسسات، أصبح المواطن يشعر أن القانون لا يطبق بالطريقة نفسها على الجميع.

 

وهنا تبدأ الدولة بفقدان هيبتها الحقيقية.

 

فهيبة الدولة لا تأتي من الخوف منها.

 

هيبة الدولة تأتي من ثقة المواطن بأن القانون يحميه، وأن المسؤول يخضع للقانون مثله، وأن الشكوى يمكن أن تصل إلى نتيجة.

 

__كثرة الجبايات... والدولة التي تطلب أكثر مما تقدم.

 

ازدادت الرسوم والجبايات والمخالفات والغرامات.

وأصبح المواطن يواجه أعباء متزايدة في الكهرباء والمياه والهاتف والنقل والعقار والضرائب وغيرها.

وفي الوقت نفسه كانت الخدمات العامة تتراجع.

الكهرباء تتراجع.

المياه تتراجع.

الصحة والتعليم يتراجعان.

وأزمة النقل تتفاقم وتزداد كلفتها.

وتتزايد الحواجز والإجراءات والرسوم.

وبذلك نشأ شعور لدى المواطن بأن الدولة تطلب منه المزيد وفوق استطاعته وتحمله، 

بينما تقدم له أقل من حقه.

 

وهذا الشعور كان من أخطر ما أصاب العلاقة بين المجتمع والدولة.

من مكافحة الخارجين عن القانون إلى معاقبة المجتمع.

 

فقد كانت السلطة تتحدث عن مكافحة الجريمة والخارجين عن القانون.

لكن توسع العمل الأمني والإجراءات القسرية .

 

مماجعل المواطن يشعر، في مراحل مختلفة، بأن الأدوات الأمنية لم تعد موجهة فقط إلى الجريمة المنظمة أو الخطر المسلح، وإنما أصبحت تمتد إلى الحياة السياسية والاجتماعية واليومية.

 

وتحدثت تقارير وشهادات واسعة عن الاعتقال التعسفي والتعذيب والانتهاكات خلال سنوات حكم الأسد.

 

في درعا وغيرها شملت الاعتقالات أطفالاً ونساءً، وكانت تلك الأحداث من العوامل التي ساهمت في تحويل الاحتجاجات المحلية إلى أزمة وطنية واسعة.

 

___من الاحتجاج السلمي إلى عسكرة الحراك.

 

وقبل انفجار الأزمة السورية الكبرى، ظهرت احتجاجات سلمية محدودة رفعت مطالب الإصلاح ومحاربة الفساد.

ومن بين المشاهد التي بقيت في الذاكرة السورية مظاهرات حمل المشاركون فيها الشموع، بساحة المالكي وسط دمشق في تعبير عن الاحتجاج السلمي والمطالبة بالإصلاح.

 

لكن بدلاً من تحويل هذه المطالب إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، دخلت الأجهزة الأمنية في مواجهة متصاعدة مع المحتجين.

 

ثم بدأت عسكرة الحراك.

وهنا تحولت الأزمة من مطالب إصلاحية وسياسية إلى حرب مفتوحة.

 

__مفارقة الحرب على الإرهاب

 

ومن أكثر المفارقات إثارة للجدل أن النظام السوري اتهم لسنوات خصومه بالإرهاب والتطرف، بينما كانت سورية في مراحل سابقة جزءاً من منظومة إقليمية معقدة تعاملت مع ملف الإسلاميين والجهاديين بطرق متغيرة بحسب الظروف السياسية والأمنية.

وتشير تقارير وشهادات إلى إطلاق سراح أو غض الطرف عن بعض الإسلاميين المتشددين في مراحل معينة، وانتقال ونقل عدد من المقاتلين من سورية إلى العراق بعد الغزو الأميركي.

 

ولا يمكن اختزال هذه المسألة بشعار واحد.

لكنها تكشف تناقضاً يستحق الدراسة:

كيف يمكن لدولة أن تقدم نفسها بوصفها رأس الحربة في مكافحة الإرهاب، بينما تكون سياساتها تجاه بعض الجماعات المتطرفة متغيرة بحسب الظرف السياسي والأمني؟

 

وهكذا أصبحت سورية جزءاً من بيئة إقليمية ساهمت في إنتاج وتدوير ظاهرة التطرف، قبل أن تتحول لاحقاً إلى واحدة من أكبر ساحات الحرب على الإرهاب.

 

__الاقتصاد ينهار... والليرة تفقد قيمتها.

 

في السنوات الأخيرة من حكم الأسد، لم تعد الأزمة السياسية وحدها هي المشكلة.

الاقتصاد السوري كان ينهار.

انهارت قيمة الليرة السورية أمام الدولار.

ارتفعت الأسعار.

تراجعت القدرة الشرائية.

اتسعت دائرة الفقر.

وأصبحت الرواتب عاجزة عن تأمين الاحتياجات الأساسية لكثير من السوريين.

وكان الموظف والجندي والمتقاعد والعامل يعيشون تحت ضغط اقتصادي متزايد.

وفي المقابل كان السوري يرى مظاهر الثراء والنفوذ لدى بعض المتنفذين.

وهنا اتسعت الفجوة بين المجتمع ومراكز السلطة.

 

__الجيش...

 القوة التي فقدت قدرتها على الصمود.

 

لم تتوقف آثار الفساد والمحسوبيات عند الاقتصاد والإدارة.

فقد وصلت آثارها إلى المؤسسة العسكرية.

فالجندي الذي يعيش في ظروف اقتصادية قاسية، ويتقاضى راتباً فقد جزءاً كبيراً من قيمته، ويرى في المقابل مظاهر النفوذ والامتيازات والثراء لدى بعض المسؤولين والقادة، لا يمكن أن يبقى بالضرورة محتفظاً بالمستوى نفسه من الثقة والدافع.

وتحدثت شهادات وتقارير عن الإذلال والاستغلال والابتزاز والتمييز داخل بعض المؤسسات والوحدات العسكرية.

ومع مرور الوقت أصبحت الخدمة العسكرية بالنسبة إلى كثير من السوريين عبئاً اقتصادياً واجتماعياً ثقيلاً.

وهكذا أصبحت المشكلة في الجيش أعمق من عدد الجنود والأسلحة.

لقد أصبحت مشكلة ثقة ومعنويات وقيادة وسيطرة.

وهنا تكمن إحدى مفاتيح فهم السقوط السريع في نهاية عام 2024.

 

__مشاهدات لبدايات النهاية.

 

من الدوحة إلى موسكو إلى دمشق

لم يبدأ سقوط نظام بشار الأسد في صباح 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 عندما دخلت قوات المعارضة دمشق وغادر الأسد سورية.

ذلك الصباح كان نهاية مسار طويل من التحولات العسكرية والسياسية والإقليمية.

ولفهمه، علينا أن نتحرك على الخريطة السورية من الشمال إلى الوسط ثم الجنوب، وعلى الخريطة السياسية من موسكو إلى الدوحة ثم دمشق.

 

___المشهد الأول... حلب.

 

في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 بدأ الهجوم الواسع من شمال غرب سورية.

وخلال وقت قصير انهارت خطوط دفاع، ووصلت قوات المعارضة إلى حلب، وسقطت المدينة خلال أيام.

وهنا ظهرت أولى علامات النهاية.

فالمشكلة لم تكن في قوة المهاجمين وحدها، بل في تآكل منظومة القيادة والسيطرة التي اعتمد عليها الجيش السوري خلال سنوات الحرب.

وكان الجيش قد دخل المعركة الأخيرة في وضع مختلف تماماً عن وضعه عام 2016.

فالمستشارون الإيرانيون لم يعودوا بالحجم نفسه.

وحزب الله لم يعد منتشراً في سورية كما كان خلال سنوات الحرب السابقة.

وروسيا لم تكن مستعدة لتكرار تدخلها العسكري الواسع الذي بدأ عام 2015.

وبذلك وجد الجيش السوري نفسه أمام هجوم واسع، بينما كانت منظومة الدعم الخارجية التي ساعدته على الصمود خلال السنوات السابقة قد تغيرت بصورة كبيرة.

 

__المشهد الثاني... ريف حلب.

 

لم يكن سقوط حلب مجرد سقوط مدينة.

بعد انهيارها بدأت مواقع الجيش في الريف تتهاوى وتنسحب من مواقعها تباعاً.

ولا توجد أدلة كافية لإثبات أن روسيا أصدرت أمراً مباشراً لبعض قادة الجيش السوري بترك مواقعهم.

لكن المؤكد أن موسكو لم تتدخل بالطريقة التي تدخلت بها عام 2015.

كانت روسيا منشغلة بحرب أوكرانيا، فيما كانت إيران وحزب الله مستنزفين في مواجهة إسرائيل.

وهكذا أصبح الجيش السوري يقاتل في ظروف مختلفة جذرياً عن السنوات الأولى للتدخل الروسي.

 

__المشهد الثالث...

 حماة.

 

بعد حلب اتجهت المعركة جنوباً.

وسقطت حماة.

وهنا لم يعد الأمر متعلقاً بمدينة يمكن عزلها وإعادة السيطرة عليها.

فحماة كانت بوابة نحو حمص، وحمص هي الحلقة الجغرافية الأهم بين دمشق والساحل ووسط سورية وشمالها.

ولهذا كان سقوط حماة إيذاناً بأن العمود الجغرافي الذي يستند إليه النظام بدأ يتعرض للانهيار.

ثم أصبحت حمص مهددة.

ومع اقتراب المعارضة من دمشق بدأ انسحاب ما تبقى من قوات حزب الله من سورية.

وهنا ظهرت مفارقة تاريخية:

الحليف الذي ساهم في إنقاذ النظام والدفاع عن دمشق في سنوات سابقة أصبح في الأيام الأخيرة منشغلاً بإخراج ما تبقى من قواته من سورية.

 

__المشهد الرابع... الجنوب السوري.

 

وفي الوقت الذي كانت فيه حماة وحمص تتعرضان للانهيار من الشمال،

 

يتحرك الجنوب:

درعا، السويداء، القنيطرة.

 

وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية:

لماذا انسحبت وحدات الجيش السوري وتركت مواقعها من الجنوب بهذه السرعة؟

 

ولماذا لم نشهد معارك كبيرة تتناسب مع حجم المواقع والقوات الموجودة هناك؟

 

فقد أعلنت القيادة العسكرية السورية في تلك المرحلة أنها تقوم بإعادة الانتشار والتموضع باتجاه دمشق، في محاولة لإنشاء حزام دفاعي حول العاصمة.

 

لكن إعادة الانتشار تحولت عملياً إلى انهيار متسارع.

 

وهكذا بدأت دمشق تواجه ضغطاً من اتجاهين:

قوات تتقدم من الشمال، وقوى محلية تتقدم من الجنوب.

 

___المشهد الخامس... الجيش الذي فقد مركزه

 

هل صدر أمر مركزي للجيش السوري بعدم القتال وترك المواقع والعودة إلى المنازل؟

 

حتى الآن لا توجد وثيقة علنية موثوقة تثبت وجود أمر شامل بهذه الصيغة صادر عن بشار الأسد أو وزير الدفاع أو رئيس الأركان.

سوى بعض تحليلات وتكهنات لهذا المسؤول او ذاك ممن كانوا على رأس عملهم ..

 

لكن الوقائع والشهادات المتداولة تشير إلى أن وحدات كثيرة فقدت الاتصال الفعال بالقيادة، وأن الانشقاق والفرار وترك المواقع أصبح واسعاً.

 

وكان الجيش يعاني قبل الهجوم من نقص في العناصر، وتدني الرواتب، والفساد، وشراء الإعفاءات، وتراجع القدرة على الحفاظ على قوة عسكرية متماسكة.

وهكذا فإن ما حدث في الأيام الأخيرة لم يكن انهياراً بدأ مع الهجوم.

بل كان انهياراً كامناً انفجر مع الهجوم.

وعندما اهتزت القيادة والسيطرة، لم يعد الجيش قادراً على تحويل عدده وسلاحه إلى قوة قتالية متماسكة.

 

__المشهد السادس... موسكو

 

 

ارتبطت أيام الانهيار بتحركات سياسية واتصالات وزيارة إلى موسكو.

ولا توجد، بحسب ما هو متاح علناً، وثائق موثوقة تكشف بالتفصيل ما دار في الاتصالات الروسية ـ السورية خلال الأيام الأخيرة، أو تثبت أن موسكو طلبت من الأسد التنحي أو مغادرة سورية قبل سقوط دمشق.

ولهذا لا يصح تحويل الروايات المتداولة إلى حقائق تاريخية قبل ظهور الوثائق.

 

لكن ما حدث كان واضحاً:

روسيا لم تكرر عام 2015.

لم تدخل في عملية إنقاذ عسكرية واسعة، ولم ترسل قوات برية لإعادة فتح الجبهات، ولم تمنع سقوط حلب ثم حماة وحمص.

وهذا لا يثبت أن موسكو قررت مسبقاً إسقاط الأسد.

لكنه يثبت أن موسكو لم تكن مستعدة لدفع الثمن العسكري والسياسي المطلوب لإنقاذ النظام بالطريقة التي فعلتها عام 2015.

 

__المشهد السابع... الدوحة.

 

في 7 كانون الأول/ديسمبر، وقبل سقوط دمشق بساعات، انعقد اجتماع الدوحة.

واجتمع ممثلو روسيا وإيران وتركيا ضمن مسار أستانا، ثم شاركت قطر والسعودية ومصر والأردن والعراق في مشاورات أوسع.

وكانت سورية في تلك اللحظة تنهار عسكرياً.

وهنا تظهر أسئلة لا تزال بحاجة إلى إجابات ووثائق:

 

__ماذا حصل خلف الكواليس في الدوحة ؟

 

ما طبيعة الاتصالات الروسية ـ التركية؟

وماذا دار بين تركيا وإيران في الدوحة؟

 

وهل كانت هناك تفاهمات روسية ـ تركية ـ قطرية بشأن المرحلة المقبلة؟

 

وهل كان هناك تفاهم أوسع حول مصير النظام؟

 

لكن البيان الرسمي لم يقل إن المجتمعين قرروا إسقاط بشار الأسد، ولم يعلنوا تشكيل حكومة بديلة.

بل دعوا إلى وقف العمليات العسكرية، وحماية المدنيين، وإطلاق عملية سياسية شاملة، وتطبيق القرار 2254، والحفاظ على وحدة سورية وسيادتها واستقلالها وسلامة أراضيها.

 

وتبقى أهمية اجتماع الدوحة لا تكمن في نص البيان وحده، بل في توقيته.

 

فالمجتمعون كانوا يبحثون عن وقف للقتال وحل سياسي في وقت كانت فيه قوات المعارضة تتقدم نحو دمشق.

 

وهنا يصبح السؤال مشروعاً:

__هل كان اجتماع الدوحة محاولة أخيرة لإنقاذ "الدولة" الدولة السورية وليس النظام من الانهيار؟

 

أم كان بداية إدارة مرحلة ما بعد الأسد بتفاهمات إقليمية ودولية؟

 

لا توجد وثيقة علنية تسمح بالجزم بالاحتمال الثاني.

 

لكن ما حدث بعد الاجتماع يجعل السؤال مفتوحاً أمام الباحثين والمؤرخين.

 

___المشهد الثامن... الساعات الأخيرة.

 

في الساعات الأخيرة من 7 كانون الأول كانت الصورة قد أصبحت واضحة:

حلب سقطت.

حماة سقطت.

حمص أصبحت مهددة.

الجنوب خرج بدرجة كبيرة من سيطرة النظام.

 

الوجود الإيراني لم يعد يمتلك قوته السابقة وانسحب من مقراته .

حزب الله كان قد سحب معظم قواته وقادته.

 

روسيا لم تدخل حرباً جديدة لإنقاذ دمشق.

والجيش السوري فقد مواقع واتصالات وقدرة على تنفيذ قرار مركزي متماسك.

وفقد كثير من قادة الوحدات العسكرية الاتصال الفعال بقياداتهم.

 

وفي هذه اللحظة غادر بشار الأسد دمشق، ثم غادر سورية إلى روسيا، حيث انتهى حكمه.

 

وهنا تظهر المفارقة الكبرى:

 

الرئيس الذي كان يفترض أن يقود الدفاع عن العاصمة لم يعد موجوداً فيها عندما بدأت المرحلة الأخيرة من سقوطها.

 

___المشهد التاسع... دمشق.

 

في صباح 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 دخلت قوات المعارضة دمشق.

لم تقع المعركة الكبرى التي كان يمكن توقعها حول العاصمة.

ولم تتحول دمشق إلى ساحة قتال شاملة.

 

بل انهارت المنظومة السياسية والعسكرية والأمنية خلال وقت قصير جداً.

وبذلك انتهى حكم البعث والأسد الذي استمر أكثر من خمسة عقود.

 

وغادر بشار الأسد سورية إلى روسيا، حيث منحته موسكو اللجوء.

 

____ماذا تقول لنا الجغرافيا؟

 

إذا وضعنا الأحداث على الخريطة، تظهر أمامنا صورة شديدة الدلالة:

حلب أولاً.

ثم ريف حلب.

ثم ريف حماة.

ثم حماة.

ثم حمص.

وبالتزامن تحركت درعا والسويداء والقنيطرة.

وفي حين أصبحت دمشق تحت ضغط من الشمال والجنوب، كانت منظومة الحلفاء تتغير:

إيران تتراجع.

حزب الله ينسحب.

روسيا لا تكرر تدخل 2015.

ثم تأتي الدوحة في اللحظة التي أصبح فيها سقوط النظام واقعاً عسكرياً يقترب ساعة بعد أخرى.

وبعد ساعات:

دمشق تسقط.

 

___فهل كان ذلك اتفاقاً سرياً جداً؟

وهل تم إبلاغ رئيس النظام بذلك الاتفاق قبل أيام، أم خلال اتصالاته وزيارته إلى موسكو؟

 

حتى الآن لا توجد وثيقة علنية موثوقة تثبت وجود اتفاق سري دولي أو إقليمي حول ما حدث في سورية خلال الأسبوعين الأخيرين من السقوط.

 

ولا توجد وثيقة تثبت وجود عملية تسليم وتسلم للسلطة بالصورة التي بدأت من حلب وانتهت في دمشق.

 

لكن هناك فرقاً كبيراً بين إثبات وجود قرار سري، وبين ملاحظة أن مجموعة من المواقف والتحركات انتهت عملياً إلى عدم إنقاذ النظام أو مساعدته عسكرياً بالقدر الذي كان يحتاج إليه.

 

فالجيش لم يحصل على الدعم الذي كان يحتاج إليه.

 

والوجود الإيراني كان قد تراجع.

وحزب الله كان مستنزفاً في لبنان.

وروسيا لم تكن مستعدة لخوض حرب جديدة.

 

والقوى الإقليمية والدولية بدأت تتعامل مع واقع جديد.

 

وفي الداخل، كانت المؤسسة العسكرية نفسها قد وصلت إلى مرحلة شديدة الضعف.

وهكذا غادر الأسد.

 

___مشاهدات لبدايات النهاية.

 

إن الخطأ الأكبر في قراءة سقوط النظام هو النظر إلى الأسبوع قبل 8 كانون الأول وحده.

 

فالسقوط الحقيقي بدأ عندما فقدت الدولة السورية تدريجياً عناصر القوة الداخلية التي تجعل من الجيش راغبا على الصمود، وتجعل المجتمع مستعداً للدفاع عن مؤسساته.

 

فسنوات الفساد والمحسوبيات، وتراجع استقلالية مؤسسات الدولة، ومشكلات السلطة القضائية المدنية 


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة