كتاب واراء

لكن ... الكلمة التي تفضح الضعف في الخطاب الأمريكي

بوصلة المواقف ...

 

في الخطاب السياسي، هناك كلمات تُقال لتأكيد القوة، وكلمات أخرى تكشف حدودها. ومن بين أكثر الكلمات دلالة في الخطاب الأمريكي كلمة لكن.

 

فكلما ارتفع سقف التهديد، ظهرت لكن لتخفضه، وكلما اتسعت مساحة الادعاء، جاءت لكن لتضع له حدودًا، وكلما بدا أن القرار قد اتُخذ، حضرت لكن لتشرح لماذا لم يُنفذ.

 

نحن قادرون على تدمير البنى التحتية لإيران، لكن.

 

سنواصل الحرب حتى تحقيق أهدافنا، لكن.

 

نستطيع تنفيذ إنزال بري، لكن.

 

نستطيع فتح مضيق هرمز، لكن.

 

لدينا مخزون كافٍ من الموارد والذخائر، لكن.

 

سنصل إلى اليورانيوم ونستولي عليه، لكن.

 

وهنا لا تعود لكن مجرد أداة لغوية عابرة، بل تصبح أهم كلمة في الجملة كلها.

 

فالجزء الذي يسبق لكن هو الجزء الذي يراد منه صناعة صورة القوة، أما الجزء الذي يأتي بعدها فهو الجزء الذي يكشف الحسابات والعواقب والقيود.

 

ولهذا فإن القارئ أو المستمع السياسي الذكي لا ينبغي أن يتوقف عند ما قبل لكن، بل عليه أن ينتظر ما بعدها.

 

لأن ما قبل لكن هو الاستعراض، وما بعدها هو الحساب.

 

ما قبل لكن هو التهديد، وما بعدها هو الثمن.

 

ما قبل لكن هو القدرة المعلنة، وما بعدها هو حدود استخدامها.

 

ما قبل لكن هو صورة القوة، وما بعدها هو واقعها.

 

وهذه هي المفارقة التي تكشفها كثرة ترديد كلمة لكن في الخطاب الأمريكي.

 

كلما قيل إن الولايات المتحدة تستطيع، جاءت لكن لتقول إن القدرة ليست مطلقة.

 

وكلما قيل إن الولايات المتحدة ستفعل، جاءت لكن لتشرح أن الفعل ليس بالسهولة التي توحي بها الكلمات.

 

وكلما قيل إن الحرب يمكن أن تستمر، جاءت لكن لتكشف أن استمرارها مرتبط بحسابات لا يمكن تجاهلها.

 

وهكذا تصبح لكن أشبه بفرامل توضع على سيارة تسير بسرعة في الخطاب الإعلامي.

 

الخطاب يضغط على دواسة القوة، لكن الواقع يضغط على الفرامل.

 

وهنا يظهر الإفلاس الحقيقي.

 

فالإفلاس السياسي لا يعني بالضرورة أن الدولة لا تمتلك أسلحة أو جيوشًا أو قدرات عسكرية، وإنما قد يعني عجزها عن تحويل هذه القدرات إلى نتيجة حاسمة من دون أن تدفع ثمنًا يفوق قدرتها على الاحتمال.

 

القوة الحقيقية لا تحتاج إلى أن تشرح نفسها في كل لحظة.

 

أما عندما يتحول الخطاب إلى سلسلة من التهديدات المتبوعة دائمًا بالاستدراك، فإن المتلقي يبدأ في التساؤل عن الشيء الذي تخشاه القوة المعلنة.

 

لماذا لكن؟

 

ماذا يوجد خلف لكن؟

 

ما الذي يمنع التنفيذ؟

 

ما الثمن؟

 

ما العواقب؟

 

ما حجم الرد المقابل؟

 

وإلى أين يمكن أن تصل الحرب إذا تجاوزت الخطوط المرسومة؟

 

هذه الأسئلة هي التي تجعل كلمة صغيرة بحجم لكن أكبر من عشرات التصريحات العسكرية.

 

فالولايات المتحدة قد تستطيع تدمير أهداف، وقد تستطيع توجيه ضربات، وقد تمتلك قدرات هائلة، لكن المشكلة ليست دائمًا في القدرة على الضربة الأولى.

 

المشكلة في اليوم الذي يلي الضربة.

 

وهنا تحديدًا تظهر كلمة لكن.

 

فالحرب ليست بيانًا صحفيًا، وليست مؤتمرًا إعلاميًا، وليست قائمة بالأهداف التي يمكن قصفها. الحرب سلسلة من الأفعال وردود الأفعال، وكل فعل يفتح احتمالًا لفعل آخر، وكل ضربة قد تنتج عنها ضربة مقابلة، وكل تهديد قد يفتح بابًا لتهديد أكبر.

 

ولهذا فإن كلمة لكن تصبح في الخطاب السياسي بمثابة اعتراف غير مباشر بأن الصورة ليست بهذه البساطة التي يحاول الخطاب رسمها.

 

ومن هنا يمكن فهمها بوصفها كلمة تبرير أيضًا.

 

نحن نستطيع، لكن الظروف.

 

نحن قادرون، لكن التوقيت.

 

نحن نملك القوة، لكن الحسابات.

 

نحن نستطيع الحسم، لكن المخاطر.

 

نحن نهدد بالتصعيد، لكن لا نريد حربًا أوسع.

 

وبذلك يتحول الخطاب من خطاب قوة إلى خطاب تبرير للقوة التي لم تستخدم أو لم تحقق النتيجة التي وُعد بها.

 

إنها محاولة للمحافظة على صورة القوة، مع الاعتراف ضمنيًا بأن الواقع أكثر تعقيدًا من الشعارات.

 

ولذلك، فإن كثرة كلمة لكن يمكن أن تكون علامة على الإفلاس في تبرير الضعف والعجز، لا لأن كل استخدام لها يعني ضعفًا، وإنما لأن تكرارها بعد كل ادعاء حاسم يكشف أن هناك فجوة بين ما يقال وما يمكن فعله.

 

فالخطاب يقول شيئًا، لكن الواقع يقول شيئًا آخر.

 

والتهديد يقول شيئًا، لكن الحسابات تقول شيئًا آخر.

 

والقدرة العسكرية تقول شيئًا، لكن نتائج استخدامها المحتملة تقول شيئًا آخر.

 

وهنا تصبح لكن هي الكلمة التي تفضح المسافة بين الاثنين.

 

إنها ليست كلمة الهزيمة، لكنها قد تصبح كلمة الاعتراف بحدود الانتصار.

 

وليست كلمة العجز وحدها، لكنها قد تصبح غطاءً لغويًا للعجز عن تحقيق كل ما يعلنه الخطاب.

 

وليست كلمة الخوف، لكنها قد تكشف وجود ما يستحق أن يُخشى.

 

ولهذا، عندما نسمع في الخطاب الأمريكي قدرة على التدمير، ثم قدرة على الإنزال، ثم قدرة على فتح المضيق، ثم قدرة على الاستيلاء على اليورانيوم، ثم قدرة على مواصلة الحرب، علينا ألا ننشغل بتعداد القدرات فقط.

 

علينا أن ننتظر كلمة واحدة.

 

لكن.

 

فقد تكون تلك الكلمة القصيرة هي المكان الذي يختبئ فيه الجزء الأكبر من الحقيقة.

 

لأن القوة التي لا حدود لها لا تحتاج إلى كثير من لكن.

 

أما حين تصبح لكن رفيقة لكل تهديد، وكل تحدٍّ، وكل وعد بالحسم، فإنها تتحول من أداة استدراك إلى مرآة.

 

مرآة تعكس الخوف من العواقب، وحسابات الحرب، وحدود القدرة، وكلفة المغامرة.

 

وقد يكون السؤال الأكثر إحراجًا في الخطاب الأمريكي ليس ماذا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل، وإنما لماذا تأتي لكن بعد كل ما تقول إنها تستطيع فعله؟

 

فربما تكون الإجابة هي كل الحكاية.

 

لكن... الكلمة التي تبدأ بعدها الحقيقة.

 

 

 

بقلم جليل هاشم البكاء


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة